اختلف المعاصرون في زنة الدرهم بالموازين الحديثة، وسبب خلافهم، هو اختلاف الفقهاء في زنة الدراهم بحبَّات الشعير، واختلافهم في أنواع الدراهم، فأما اختلافهم في زنة الدراهم بحبات الشعير فعلى أقوال، أبرزها قولان:
القول الأول: إن وزن الدرهم الشرعي خمسون وخمسا حبة شعير، وهو قول الجمهور من المالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧).
_________________
(١) ينظر: تبيين الحقائق ١/ ٣١٠، الكافي في فقه أهل المدينة (ص ١٠٣)، المجموع ٥/ ٤٣٧، المغني ٤/ ٢٨٧.
(٢) ينظر: المراجع السابقة، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢١/ ٥٣.
(٣) المغني ٤/ ١٦٨.
(٤) المراد بالدراهم: الدراهم الإسلامية الشرعية، وقد قدّر وزن الدرهم بحبات الشعير، لتقاربها في الحجم، انظر: معجم لغة الفقهاء (ص ١٨٥).
(٥) ينظر: مواهب الجليل ٣/ ١١٩، الفواكه الدواني (٦٣٧).
(٦) ينظر: البيان للعمراني ٣/ ٢٣٢، مغني المحتاج ٢/ ٨٣.
(٧) ينظر: المغني ٤/ ١٦٧، كشاف القناع ٢/ ٥٩.
[ ٩٧ ]
القول الثاني: إن وزن الدرهم الشرعي سبعون حبة شعير، وهو قول الحنفية (١)، ولم أقف على أدلة للفريقين، إلا أنَّ الأرجح هو رأي الجمهور، وذلك لموافقة ذلك لما وجد من دنانير قديمة كما سيأتي بيانه.
ويمكن الجمع بين القولين بأنَّ وزن الدرهم يتراوح بينهما لاختلاف حبة الشعير (٢).
وأما اختلافهم في أنواع الدراهم، فقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين، كعلي باشا مبارك ومحمود الخطيب -رحمهما الله- إلى أن الدراهم نوعان: دراهم نقد، ودراهم كيل (٣)، ولا دليل بَيِّنٌ على ذلك، بل الأظهر أنَّ الدرهم نوع واحد، وهو الدرهم النقدي الشرعي، فإذا استعمل في المكاييل كان درهم كيل، وإذا استعمل في المعاوضات كان درهم نقد، وقد أشار إلى ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام -﵀- ولم ينص أحد من المتقدمين -فيما وقفت عليه- على خلاف ذلك (٤).
_________________
(١) ينظر: حاشية ابن عابدين ٣/ ٢٠٦.
(٢) قال محمد نجم الدين الكردي في المقادير الشرعية (ص ١٠٧): "لا جدال أن تقويم الدراهم والمثقال على أساس وحدات الحبة تقويم غير دقيق، وذلك لأنَّ الحب يختلف حجمًا ووزنًا في كل أرض عن غيرها بحسب اختلاف نوع الحبة في أرض عن أخرى، فالحب في مصر يختلف حجمًا ووزنًا عنه في العراق والشام والحجاز، لذلك كان تقويم الدرهم بالحب متفاوتًا في كل بلد عنه في غيره، فلا تصلح معيارًا تقدر به الموزونات، وما يقال بالنسبة لحبة القمح يقال بالنسبة للشعير والحمص". ولذا فإنني لم أعتمد في تقدير وزن الدرهم على وزن الشعير أو غيره، وإنما استأنست به، واعتمدت على النسبة الثابتة بين الدرهم والدينار الشرعي الموروث من عهد عبد الملك بن مروان، وذلك بعد وزنه ثم نسبة كل عشرة دراهم إلى سبعة دنانير، وهي نسبة متفق عليها، انظر: الأموال (ص ٥٢٢).
(٣) ينظر: الخطط التوفيقية ٢/ ٣٥، والميزان في الأقيسة والأوزان (ص ٤٣)، كلاهما لعلي باشا مبارك، وتابعه على ذلك محمود الخطيب في بحثه معادلة الأوزان والمكاييل الشرعية بالأوزان والمكاييل المعاصرة ضمن أبحاث وأعمال بيت الزكاة الكويتي (٩/ ١٤٥).
(٤) ينظر: الأموال (ص ١٣٩، ٥٢٢)، والإيضاح والتبيان (ص ٥٤)، وقد خالف في تقسيم =
[ ٩٨ ]
بل قال ابن الرفعة -﵀- (١): "وقد صرح به الرافعي في الظهار، فقال: اشتهر عند أبي عبيد القاسم بن سلَّام أن درهم الشريعة خمسون حبة وخمسا حبة، وسمي ذلك درهم الكيل؛ لأنّ الرطل الشرعي منه يتركب، ويتركب من الرطل المد ومن المد الصاع" (٢).
قال محمد نجم الدين الكردي -﵀-: "لم يثبت عند أحد الفقهاء الشرعيين أنّ هناك درهمًا للكيل مغايرًا في الوزن لدرهم الأموال" (٣)، ولذا فإن المعاصرين اختلفوا في زنة الدرهم بالجرام على أقوال أبرزها قولان:
القول الأول: إنّ الدرهم الشرعي يعادل ٢. ٩٧ جرام (٤).
_________________
(١) = الدراهم: -دراهم كيل ووزن- كثير من المعاصرين كالكردي في كتاب المقادير الشرعية (ص ١٥٤)، وضياء الدين الريس، في الخراج والنظم المالية للإسلام (ص ٣٤٣. ٣٥٣)، وخالد السرهيد في رسالته: تحديد الصاع النبوي والأحكام الفقهية المتعلقة به (ص ٣٨)، ومحمد المختار السلامي ضمن أبحاث الندوة التاسعة لقضايا الزكاة المعاصرة (ص ١٩٧).
(٢) ابن الرفعة: هو نجم الدين أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن حازم بن إبراهيم بن العباس الأنصاري البخاري، شيخ الشافعية في وقته، المشهور بابن الرفعة، ولد في مصر سنة (٦٤٥ هـ) مصنف شرح الوسيط، وشرح التنبيه، وله تصنيف لطيف في الموازين والمكاييل، وتصنيف آخر سماه النفائس في هدم الكنائس، وغير ذلك. وعاش نيفًا وستين سنة، توفي في مصر في رجب سنة ٧١١ هـ. [ينظر: العبر في خبر من غبر (١/ ٢٧٢) طبقات الشافعية (١/ ١١٢)].
(٣) الإيضاح والتبيان (ص ٥٤).
(٤) المقادير الشرعية (ص ٢٢٤).
(٥) المقادير الشرعية محمد نجم الدين الكردي (ص ٢٢٤)، ودائرة المعارف الإسلامية ٩/ ٢٢٦، الصاع النبوي (ص ٥٥)، الخراج لضياء الدين الريس في (ص ٣٥٤)، وفقه الزكاة للقرضاوي (١/ ٢٨٣)، ومعجم لغة الفقهاء، بزيادة يسيرة حيث قدروه (٢. ٩٨٨ جرام) (١٥٨ - ٤١٨)، وكذا أحمد الكردي قدره ب (٣. ٠٢٤ جرام) في بحثه معادلة الأوزان والمكاييل الشرعية بالأوزان المكاييل المعاصرة (٩/ ٧١)، ومحمد رأفت عثمان في زكاة الزروع والثمار، ضمن أبحاث الندوة التاسعة لقضايا الزكاة المعاصرة (ص ١٣٢).
[ ٩٩ ]