ذهب عامة أهل العلم إلى اشتراط مضي الحول لإيجاب الزكاة فيما عدا الخارج من الأرض من الأموال الزكوية (٣)، وذلك لما جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (٤).
_________________
(١) الحول: من حال يحول حولًا إذا مضى، ومنه قيل للعام حول؛ لأنه يمضي، فالحول يطلق ويراد به السنة. انظر: القاموس المحيط (ص ١٢٧٨)، والمصباح المنير (ص ١٥٧).
(٢) يراد بالحول الشمسي: السنة الشمسية، وهي عبارة عن دورة الشمس حول الأرض، وتنقسم السنة تبعًا لذلك إلى فصول أربعة هي الصيف والشتاء والربيع والخريف، وتتكون السنة الشمسية من ٣٦٥. ٢٤٢٢ يومًا تقريبًا، وأما تقسيمها إلى أشهر فهو من صنيع بعض الأمم، بحسب ما يَعنُّ لها، ومن ذلك تكوَّن التاريخ الميلادي، انظر التاريخ الهجري للدكتور زيد الزيد (ص ٢٢).
(٣) ينظر: المبسوط ٢/ ١٥، فتح القدير ٢/ ١١٢، بداية المجتهد ٣/ ١١٤، المنتقى شرح الموطأ ٢/ ٩٤، البيان للعمراني ٣/ ١٥٥، روضة الطالبين ٢/ ١٨٤، الشرح الكبير مع الإنصاف ٦/ ٣٥٠، أما الحبوب والثمار فعند حصادها تكون زكاتها، وأما المعادن فلا يعتبر لها الحول حال وجودها، وإنما يُستقبل بها حولٌ بعد زكاتها إن كانت أثمانًا. انظر الإنصاف ١/ ٢١٥، والمغني ٤/ ٧٤.
(٤) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب من استفاد مالًا، برقم: (١٧٨٢) من طريق حارثة =
[ ٧٩ ]
ولاتفاق الخلفاء الأربعة على ذلك وانتشار العمل بذلك بين الصحابة ﵃ (١).
ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال، فلا بد لها من ضابط، كي لا يفضي عدم ذلك إلى تكرر الوجوب في زمن واحد، فكان مضى حول هو المناسب لذلك؛ لأنه مظنة نماء المال (٢).
وقد استجد فيما يتعلق باشتراط الحول لوجوب الزكاة، اعتبار السنة الشمسية حولا زكويًّا، لاعتماد كثير من الناس في معاملاتهم على التاريخ الميلادي القائم على السنة الشمسية.
فهل يجوز اعتبار الزكاة بالحول الشمسي، أم يجب الاعتماد في ذلك على الحول القمري المتمثل في السنة الهجرية؟ (٣)
_________________
(١) = ابن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة، وحارثة ضعيف، وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب عند أبي داود وغيره، وقد حسنه الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٣٢٨، ونقل عن النووي في الخلاصة قوله: حديث صحيح أو حسن، ثم قال: لا يقدح فيه ضعف حارثة لمتابعة عاصم له، وقال الحافظ في التلخيص الحبير ٢/ ١٥٦: حديث علي لا بأس بإسناده، والآثار تعضده فيصلح للحجة. وجاء اشتراط الحول في أحاديث أخرى لا تخلو من ضعف.
(٢) فقد جاء اشتراط الحول عن أبي بكر وعثمان ﵄، وقد رواهما مالك في موطئه برقم: (٦٣٨)، وجاء عن ابن عمر وعائشة ﵄ عند البيهقي مرفوعًا وموقوفًا، وصحح البيهقي الموقوف منها، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب موقوفًا عليه، وذلك عند البيهقي في السنن الكبرى، باب لا يعد عليهم بما استفاده من نتائجها حتى يحول عليه الحول (٤/ ١٠٣)، وقال البيهقي: والاعتماد في ذلك على الآثار الصحيحة فيه عن أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم ﵃، السنن الكبرى ٤/ ٩٥.
(٣) ينظر: الشرح الكبير مع الإنصاف ٦/ ٣٥١.
(٤) سمي الحول القمري بذلك، لارتباطه بدورة القمر حول الأرض وبسبب ذلك تحصل الشهور، وكل دورة للقمر تمثل شهرا قمريًّا تبلغ مدّته ٥٢، ٢٩ يومًا تقريبًا، ويكون عدد تلك الشهور =
[ ٨٠ ]
فنقول: إن التوقيت الشرعي يكون بالحول القمري (١) لا الشمسي، لما يلي:
أولًا: دلالة النصوص الشرعية على وجوب الأخذ بالتوقيت القمري المتمثل بالتاريخ الهجري وطرح التوقيت الشمسي المتمثل بالتاريخ الميلادي، ومن ذلك:
أ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٢).
_________________
(١) = اثني عشر شهرًا وهي الأشهر العربية المعروفة المبدوءة بمحرم المختومة بذي الحجة، فتكون السنة القمرية ٣٥٤. ٣٦، فهي أقل من أيام السنة الشمسية بفارق (١٠. ٨٨) أيام، ويلاحظ أن الحول القمري مرتبط بحركة القمر ودورته حول الأرض، ولا علاقة له بحركة الأرض حول الشمس، والعكس فيما يتعلق بالحول الشمسي، انظر التاريخ الهجري (ص ٢٣).
(٢) وقد نص على ذلك عدد من الفقهاء كما في: تبيين الحقائق ١/ ٢٦١، رد المحتار ٢/ ٢٩٥، شرح مختصر خليل ٢/ ١٦٢، أسنى المطالب ٢/ ١٢٥، المغني ٨/ ٨، المحلى ١/ ٧٥. وانظر: الموسوعة الفقهية ٢٣/ ٢٤٢. قلت: وهو الأصل، ولم أقف على خلافه. إلا أن للمالكية رأيا يربط وجوب زكاة الأنعام بالسنة الشمسية، فقد جاء في مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب: "وخرج الساعي، ولو بجدب طلوع الثريا بالفجر". الشرح: "مقتضى كلام غير واحد من أهل الذهب أن زكاة الماشية تؤخذ على هذا الوجه ولو أدى لسقوط عام في نحو ثلاث وثلاثين سنة. قال ابن عبد السلام: الظاهر أنه يطلب منهم في أول السنة: وهو المحرم في أي فصل كان؛ لأن الأحكام الشرعية إنما هي منوطة في الغالب بالسنين القمرية، ولو قلنا بما قال أهل المذهب لأدى إلى سقوط عام في نحو ثلاثين عاما، وما قلناه هو مذهب الشافعي. انتهى. وقال في التوضيح: علق مالك الحكم هنا بالسنين الشمسية، وإن كان يؤدي إلى إسقاط سنة في نحو ثلاثين سنة، لما في ذلك من المصلحة العامة". انتهى. وفي الذخيرة في الاحتجاج للشافعي: ولأن ربطه بالثريا يؤدي للزيادة في الحول زيادة السنة الشمسية على القمرية، ثم قال في الجواب: إن ذلك مغتفر لأجل أن الماشية تكتفي في زمن الشتاء بالحشيش عن الماء، فإذا أقبل الصيف اجتمعت من المياه، فلا تتكلف السعاة كثرة الحركة، ولأنه عمل المدينة. انتهى. انظر مواهب الجليل شرح مختصر خليل ٦/ ٤١.
(٣) سورة البقرة (١٨٩).
[ ٨١ ]
وجه الدلالة: أن الله جعل الهلال علمًا على بداية الشهر ونهايته، فتكون الأهلة، مواقيت بهذا المعنى، كما يصح أن يكون الشهر بذلك قمريًّا، لارتباطه بالأهلة، وهي منازل القمر.
قال الشافعي -﵀ -: "إن الله حتم أن تكون المواقيت بالأهلة فيما وقت لأهل الإسلام"، فقال ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، إلى قوله: "فأعلم الله تعالى بالأهلة جمل المواقيت، وبالأهلة مواقيت الأيام من الأهلة، ولم يجعل علمًا لأهل الإسلام إلا بها، فمن أعلم بغيرها، فبغير ما أعلمَ الله أعلم" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀ - تعليقًا على الآية: "فأخبر أنها مواقيت للناس، وهذا عامٌّ في جميع أمورهم"، إلى قوله: "فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع، ابتداء أو سببًا، من العبادة، وللأحكام التي ثبتت بشروط العبد، فما ثبت من الموقتات بشرع أو شرط، فالهلال ميقات له، وهذا يدخل فيه الصيام، والحج، ومدة الإيلاء والعدة وصوم الكفارة. . . وكذلك صوم النذر وغيره، وكذلك الشروط من الأعمال المتعلقة بالثمن، ودين السلم، والزكاة والجزية والعقل والخيار والأَيْمان وأجل الصداق ونجوم الكتابة والصلح عن القصاص، وسائر ما يؤجل من دين وعقد وغيرهما" (٢).
ب - قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٣).
_________________
(١) الأم ٣/ ١١٨.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٥/ ١٣٣، ١٣٤.
(٣) سورة التوبة (٣٦).
[ ٨٢ ]
وجه الدلالة: أن الأصل الذي وصفه الله هو التوقيت بالهلال، وأن المعتبر في الإسلام هو الحول القمري المكون من اثني عشر شهرًا كما ذكر الله.
قال القرطبي -﵀ - (١): "هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها، إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط". إلى قوله: " ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. أي: الحساب الصحيح والعدد المستوفي" (٢).
وقال الفخر الرازي: "قال أهل العلم: الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم، ومدد ديونهم، وأحوال زكواتهم، وسائر أحكامهم بالأهلة، لا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية" (٣).
وقال: "الشهور المعتبرة في الشريعة مبنية على رؤية الهلال، والسَّنَة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية" (٤).
ج - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (٥).
وجه الدلالة: أن الله جعل السنين والحساب معلقًا بمنازل القمر، ولا يكون
_________________
(١) القرطبي: هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي الأنصاري المالكي أبو عبد الله، العالم الفقيه المفسر، له مصنفات من أعظمها: الجامع لأحكام القرآن، والتذكرة في أحكام الآخرة، توفي عام ٦٧١ هـ[شجرة النور الزكية (ص ١٧٩) طبقات المفسرين للأدنروي (١/ ٢٤٦)].
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٣٣ - ١٣٤.
(٣) التفسير الكبير ١٦/ ٥٣.
(٤) التفسير الكبير ١٧/ ٣٥ - ٣٦.
(٥) سورة يونس (٥).
[ ٨٣ ]
ذلك إلا باعتبار الأشهر القمرية المعلقة بطلوع الهلال دخولًا وخروجًا (١).
د - قال - ﷺ -: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا" (٢).
وجه الدلالة: أنَّ الرسول - ﷺ - علق دخول الشهر وخروجه برؤية الهلال، ورتب الحكم الشرعي -وهو الصوم هنا - على ذلك.
ثانيًا: أنَّ الاعتداد بالحول القمري والبناء عليه يتفق مع يسر الدين وسهولته ومخاطبته لجميع الناس، ذلك أن حسابه ومعرفة أيامه وأشهره في متناول الناس، ولا يحتاج فيه إلى متخصص. قال ابن القيم -﵀ -: "ولذلك كان الحساب القمري أشهرَ وأعرفَ عند الأمم، وأبعد عن الغلط، وأصح للضبط من الحساب الشمسي، ويشترك فيه الناس دون الحساب الشمسي" (٣).
وبذا يكون الحول القمري صالحا لكل الناس، العالم والجاهل، الحضري والبدوي، في القديم والحديث، مما يؤكد أن الأخذ به متعين دون الحول الشمسي، لما في الأول من عالمية تتناسب مع عالمية هذا الدين، لا سيما مع حاجة الناس كافة للاعتداد بتقويمٍ تسير عليه حياتهم على مختلف الأمكنة والأزمنة، فلم يكن إلا التقويم القمري الذي يحسب الحول القمري (٤).
_________________
(١) التفسير الكبير ١٦/ ٥٠.
(٢) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي - ﷺ -: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا"، برقم: (١٩٠٦)، ومسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يومًا، برقم: (١٠٨٠) كلاهما من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٧٢.
(٤) ينظر: التاريخ الهجري (ص ٥٢).
[ ٨٤ ]