مكافأة نهاية الخدمة في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني
إن ارتباط العامل بعمله وإتقانه يؤلف العلاقة الطيبة بين العامل وصاحب العمل، وبالتالي غالبًا ما يبادر صاحب العمل على إكرام العامل بمختلف الوسائل المتوفرة لديه، وتتنوّع هذه المكافآت التي تُعطى للعمّال والموظفين، ولكن نشير إلى أن هذه المكافآت تظهر عند انتهاء العقد أو إنهاؤه، وفي ظروف معروفة لدى الطرفين، ومن هذه المكافآت ما بات يسمى بمكافأة نهاية الخدمة، ويمكن تعريف هذا المصطلح الحادث من خلال توضيح معاني مفرداته، ثم بيان المعنى الإجمالي له، فكلمة مكافأة تعني: الجزاء مقابل العمل الذي يقوم به العامل أو الموظف. (١)
نهاية: تُشير هذه الكلمة إلى انتهاء الخدمات التي يقدمها العامل للمنشأة لسببٍ ما، سواء كانت هذه المنشأة حكومية أو أي جهة تشغيلية أخرى.
الخدمة: تلك الخدمات التي كان يقوم بها العامل أثناء وظيفته، وبمعنى آخر هي السبب لثبوت المكافأة.
أما تعريف هذا المصطلح مع اجتماع كلماته فهو:" تلك المبالغ المستحقة لمنسوبي المنشأة عند تركهم الخدمة، نظير الخدمات التي حصلت عليها المنشأة منهم خلال مدة الخدمة، وذلك وفقًا لمتطلبات نظامية، أو نتيجة التزام طوعي من المنشأة" (٢)، كما يمكن تعريفها بأنها" حق مالي جعله القانون للعامل على رب العمل، بشروط محددة، تقتضي أن يدفع الثاني للأول عند إنهاء خدمته، أو لمن يعولهم مبلغ نقدي دفعة واحدة، يُلاحظ في تحديد مقداره مدة الخدمة وسبب إنهائها والراتب الشهري الأخير للعامل" (٣)
وتعتبر هذه المكافأة ثمرة لالتزام يفرضه القانون على صاحب العمل، وذلك لصالح العامل، وليس لطرفي العقد دور في تحديدها ولا في كيفية احتسابها، وإنما القانون هو الذي يوضح ذلك، كما أن هذه المكافأة تعتبر إلزامية في حق صاحب العمل وذلك في حالات مخصوصة نصّ عليها القانون، أما مقدارها فإنه يتحدد بناءً على سبب ترك العمل ومدة العمل ومقدار الراتب الأخير، وبعد تلمّس
_________________
(١) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص٥٠.
(٢) ورد هذا التعريف في برنامج الدورات التدريبية لاختيار المحاسبين القانونيين في السعودية، http://www.socpa.org.sa/Pdf/trainingsibject.pdf
(٣) الأشقر، محمد سليمان وآخرون، أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة، ج١، ص١٥٥، ط١، ١٩٩٨م، دار النفائس، العبدلي، الأردن.
[ ١٧٨ ]
الحكمة القانونية من هذا الحق نجدها العدالة التي تقتضي التخفيف من وطأة ترك العامل لعمله الذي أمضى سنوات في خدمة صاحب العمل.
ولبحث التكييف الفقهي لهذه المكافأة يتبادر لنا مجموعة من الاحتمالات، وهل يمكن اعتبارها دَينًا للموظف في ذمة صاحب العمل؟ أم هي استحقاق معلّق بشيء في المستقبل؟ وهذه الاحتمالات هي على النحو الآتي:
الاحتمال الأول: أن تكون هذه المكافأة جزءًا من أجرة العامل، وإذا كانت كذلك فإنها تكون دَينًا للعامل على صاحب العمل، ولكن اعتبارها كذلك يتعارض مع أحكام الأجرة في الفقه الإسلامي، فتجعل العقد فاسدًا، وذلك لأن مقدار المكافأة لا يمكن حسابه إلا عند انتهاء العقد، لخضوعه لعدة عوامل كالمدة التي يقضيها العامل في العمل، والأجرة الشهرية الأخيرة، والسبب الذي كان وراء إنهاء عقد العمل، ما يعني أن هذه العوامل السابقة تُدخل الجهالة على أهم جزء من أجزاء الإجارة وهو عنصر الأجرة فيجعلها مجهولة.
ثم إن اعتبار المكافأة من الأجرة يعلّق استحقاق هذا الجزء من الأجرة على حدوث أمور مستقبلية، وهي قد تقع وقد لا تقع، وهذا نوع من أنواع الغرر الذي يؤثر في جميع عقود المعاوضات، والتي تعتبر الإجارة واحدة منها، لذا ما كان تمليكًا محضًا لا يدخل عليه التعليق قطعيًا، كما يؤخذ على هذا الاحتمال أن العامل بتسليم نفسه لصاحب العمل استحق هذا الجزء، وبالتالي لا يجوز أن يخرج من ملكه إلا بموافقته أو بوفاته، فتنتقل هذه الحقوق إلى الورثة فيتم تقسيمها بينهم حسب القواعد الشرعية المتعلقة بالميراث، فلا يجوز أن يُحرم منها العامل أثناء حياته، وينتفع بها الورثة بعد الوفاة، وهذا الحرمان في الوقت الذي ينصّ القانون على حرمان العامل من هذه المكافأة كأن يُقدم العامل على عملٍ يودي بحياته، أو يتعمد إلحاق أضرار جسيمة بصاحب العمل، لذا فإن كل هذه المناقشات تُخرج مكافأة نهاية الخدمة من دائرة الأجر -والله تعالى أعلم بالصواب -، وبناءً على هذا الاحتمال الذي هو اعتبار المكافأة من الأجرة المتأخرة للعامل فإنها لا تخلو من أحد أمرين:
الأول: أن يشترطها العامل في العقد، وهذا شرط جائز، لقول الرسول - ﷺ -:" المسلمون على شروطهم" (١).
الثاني: أن لا يشترطه العامل لنفسه، ولم يذكره رب العمل في عقد العمل، وهذه الحالة لا تخلو من أمرين أيضًا:
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٤٧.
[ ١٧٩ ]
الأول: أن يكون تعويض نهاية الخدمة متعارفًا عليه بين أصحاب تلك المهنة عرفًا عامًا شائعًا، فعندئذ يجب التعويض ويستحق العامل مكافأة نهاية الخدمة لنزول العرف بين الناس كالشرط بينه.
الثاني: أن يكون التعويض ليس متعارفًا عليه بين عمّال تلك المهنة أو المؤسسة، ففي هذه الحالة لا يكون تعويض نهاية الخدمة حقًا للعامل، كونه لم يشترطه باللفظ ولم ينصّ عليه العقد، ولا هو مما تعارف عليه أهل المهنة. (١)
الاحتمال الثاني: أن تكون هذه المكافأة نوع من أنواع التعويض عن كل الأضرار التي لحقت بالعامل خلال فترة عمله، ولكنّ هذا الاحتمال مستبعد كون التعويض عادةً ما يستحقه العامل عن الضرر الذي يلحق به، وفي الفقه الإسلامي لا يستحق العامل أي تعويضٍ إلا مقابل ضرر لحق به، بل وأحدث نقصًا في جسم الإنسان، ومكافأة نهاية الخدمة تثبت بدون الضرر، ولو تضرر العامل من تركه للعمل لم يكن ربّ العمل غالبًا هو المتسبب، ولو حصل ضرر فإن العامل يطلب التعويض وكذلك مكافأة نهاية الخدمة، حيث نصّ قانون العمل الفسطيني في المادة رقم (٤٧) على أنه:" مع احتفاظه بكافة حقوقه، يستحق العامل تعويضًا عن فصله تعسفيًا مقداره أجر شهرين عن كل سنة قضاها في العمل، على أن لا يتجاوز التعويض أجره عن مدة سنتين" (٢) كما أننا لو اعتبرناها تعويضًا عن ضرر لم يجز للقوانين إنقاصها، مع أن القوانين التي أوجبتها تتراوح نسبة النقص فيها.
الاحتمال الثالث: اعتبار مكافأة نهاية الخدمة علاوة تشجيعية للعامل، ولكن هذا النوع لا تتوفر فيه عناصر التشجيع، وإنما تخضع لمعيار السنوات التي أمضاها العامل في عمله، أما الحوافز التشجيعية فإنها تخضع لتفاني العامل في عمله أو نسبة المبيعات التي يحققها العامل، أو التزامه بالدوام الرسمي، أو ما يُعبَّر عنه اليوم (بالتقارير السنوية عن أداء العامل) فبناءً على ذلك يستحق العامل التحفيز والتشجيع، بعكس مكافأة نهاية الخدمة التي تجب للعامل بغضّ النظر عن موجبات العلاوات التشجيعية.
الاحتمال الرابع: اعتبار هذا النوع من المكافآت بمثابة الدين المرجو، وذلك إذا كانت حقًا للموظف لا يقبل الإلغاء، وقد وضع أصحاب هذا الاحتمال مؤشرين لاعتبارها كذلك هما:
الأول: عدم قابليتها للإلغاء.
الثاني: استطاعة العامل صرفها متى شاء وبمحض إرادته، فهي بذلك تكون ملكا تامًا. (٣)
الاحتمال الخامس: اعتبار مكافأة نهاية الخدمة التزام بالتبرع، وذلك بحكم القانون له سبب مهم، وهو الخدمة الوظيفية (٤)، ويستند أصحاب هذا الاحتمال إلى اهتمام الفقه المالكي بالالتزام بالتبرع، حيث
_________________
(١) الكبيّ، المعاملات المالية المعاصرة في ضوء الإسلام، ص٥٥٥.
(٢) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٢٤.
(٣) القرضاوي، يوسف، فقه الزكاة، ج١، ص١٥٥، ط٢٥، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر.
(٤) أبو غدة، عبد الستار، زكاة مكافأة نهاية الخدمة، بحث مقدّم إلى بيت الزكاة الكويتي في الندوة الخامسة لقضايا الزكاة المعاصرة سنة ١٩٩٤م. موقع المسلم على الإنترنت net/nod/ almoslim
[ ١٨٠ ]
اعتبروه من موجبات الاستحقاق المالي (١)، وهو ما يخضع لنفس المستند الذي يقوم عليه الضمان الاجتماعي والتعاون بين الناس، وهذا التعاون وإن كان في أصله من المباحات إلا أن ولي الأمر قد يُلزم به بعض المنشآت والجهات المشغّلة للعمال، وذلك أن أكثر عقود العمل هي مما يسمى بعقود الإذعان، حيث لا يكون للعامل خيار إلا بين القبول بالعمل المشروط التي يفرضها صاحب العمل، أو رفض العمل والبقاء في عداد العاطلين عن العمل والكسب، ويرى الباحث - والله أعلم بالصواب - تخريج هذا النوع من المكافآت على صلاحية ولي الأمر في إنشاء بعض الحقوق والواجبات على الأفراد، لاقتضاء في المصلحة للعمال ولأصحاب العمل، وفي ذلك تأمين للعامل وطمأنينة نفسه، وهو ما يدفعه لبذل كل ما في وسعه من جهد وخبرة في العمل، ويندرج هذا تحت باب السياسة الشرعية، ولكن لا بدّ من مراعاة أعراف الناس، وخصوصًا عُرف أصحاب المهنة التي يعمل فيها هذا العامل، لذلك لا ينبغي فرض هذه المكافأة لشخص بعينه، مع أن جمهور العمّال في نفس المهنة لم يتعارفوا فيما بينهم على استحقاق هذه المكافأة.
ثم إننا إذا اعتبرنا مكافأة نهاية الخدمة حقًا ذا طبيعة خاصة تنشئه الدولة أو ولي الأمر استبعدنا بذلك كل الاحتمالات السابقة، لأن المكافأة عندئذ لا تكون نتاج لعقد المعاوضة، فلا تتأثر بالغرر ولا بالجهالة، أما قانون العمل الفلسطيني فقد نصّ في مادته رقم (٤٥) على أن:" للعامل الذي أمضى سنة من العمل الحق في مكافأة نهاية خدمة مقدارها أجر شهر عن كل سنة قضاها في العمل على أساس آخر أجر تقاضاه دون احتساب ساعات العمل الإضافية، وتحتسب لهذا الغرض كسور السنة" (٢)، لكنه وضّح في المادة رقم (٤٢) وفي الفقرة الثانية على أنه:" يحق للعامل إذا استقال من عمله خلال السنوات الخمس الأولى ثلث مكافأة نهاية الخدمة، وثلثي مكافأة نهاية الخدمة إذا كانت الاستقالة خلال السنوات الخمس التالية، ويستحق المكافأة كاملة إذا أمضى عشر سنوات أو أكثر في العمل" (٣).
ومما يؤخذ على هذا النص أنه لم يفرّق بين استقالة العامل وإقالته، وهو ما يتطلب وجود مادة أخرى توضح حق العامل في مكافأة العامل عند إقالته، وذلك بذكر القيود التي بناءً عليها يُحرم العامل من هذه المكافأة، كما أنه لم يأت على استحقاق العامل لمكافأة نهاية الخدمة بعد إنهاء فترة التجربة بنجاح، وهذا راجع إلى الاختلاف في الطبيعة القانونية للعقد الذي يكون تحت الاختبار، وقد خلص
_________________
(١) الحطاب، محمد بن محمد، تحرير الكلام في مسائل الالتزام، تحقيق عبد السلام محمد الشريف، ص ١٢١،ط١، دار الغرب الإسلامي، لبنان.
(٢) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٢٣.
(٣) المصدر نفسه، ص٢٤.
[ ١٨١ ]
فقهاء القانون إلى ثلاثة آراء في طبيعة هذا العقد، أولها: أنه عقد معلق على شرط نجاح التجربة، والثاني: انه عقد تمهيدي مؤقت، فإذا نجحت التجربة أُبرم عقد باتّ بين الطرفين ولا تُحتسب أقدمية العامل إلا من هذا الوقت، والثالث: أنه عقد معلق على شرط فاسخ، فإذا انقضت مدة الاختبار دون تحقق الشرط الفاسخ أصبح العقد باتًا وأنتج كل آثاره، ومع هذا الرأي يميل الباحث، وبالرغم مما سبق فإن من العلماء المعاصرين من اشترط شروطًا لصحة التعويض عند نهاية الخدمة كالآتي:"
١. أن يكون التعويض معلومًا، (في السنة أجرة شهر).
٢. أن يشرطاه في العقد.
٣. إن لم يشرطاه في العقد تنصيصًا، فيجب أن يكون معمولًا به عرفًا عامًا في تلك المهنة.
٤. إذا كان التعويض مشروطًا بالعرف، فيجب أن لا يتضمن العقد نفيه.
٥. إذا كان التعويض مقابل كل سنة أجرة شهر- كما هو الحال المعمول به- فيجب أن لا تقل مدة العقد عن سنة كاملة.
٦. أن لا يفسخ رب العمل العقد قبل انتهاء السنة، لأجل تفويت التعويض على العامل.
٧. أن لا يفسخ العامل العقد قبل نهاية السنة، فإن فسخ العامل قبل نهاية السنة فلا شيء له- عملًا بالعرف-." (١)
_________________
(١) الكبيّ، المعاملات المالية المعاصرة في ضوء الإسلام، ص٥٥٥.
[ ١٨٢ ]