الشكوى والتقاضي
نظمت الشريعة الإسلامية قبل أربعة عشر قرنًا من الزمن العلاقة بين العبد وربه ابتداءً، ثم بين العباد بعضهم البعض، وبالتالي اهتمت الشريعة الإسلامية بتنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، فالإسلام لم يترك أطراف العقد دون رقيب أو حسيب، فعمل على إشاعة العدل ونشر الأمن والطمأنينة بين فئات العمال، ومن هنا جاءت الآيات القرآنية المطهّرة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحذر من الظلم، بل وتطالب المجتمع برفعه عن المظلوم، ومن هذه الآيات قول الله - ﷾ -: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ (١)، وكذلك قوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢)،
وفي الحديث القدسي يقول الله - ﷾ -:" يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضالّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إِنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه" (٣).
وبهذه النصوص ومثلها قرر الإسلام مبدأ العدل والمساواة، ولكن النفس البشرية - الأمّارة بالسوء- قد تسيطر على صاحبها فتدفعه لأن يظلم أو ينتقص حقًا من حقوق الغير بدوافع عدّة، لهذا شرع الإسلام للمظلوم أن يرفع مظلمته لصاحب الأمر، بغضّ النظر عن هذه المظلمة، وعلى ولي الأمر النظر في الشكوى المرفوعة إليه، وأن يأخذ الحق من الظالم ويُعطيه لصاحبه، ودفعًا للظلم أباحت الشريعة الإسلامية وسائل عدة للتظلّم، ومن هذه الوسائل الاحتجاج لولي الأمر، ولهذه الوسيلة شاهد من حياة النبي - ﷺ -، حيث جاءه رجل وقال له:" يا رسول الله أمرني مولاي أن أقدّد لحمًا
_________________
(١) سورة غافر، آية رقم ٣١.
(٢) سورة النمل، آية رقم ٥٢ ..
(٣) رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، ص ١٠٨٤، برقم (٢٥٧٧).
[ ١٨٩ ]
(اللحم المشرّر أو ما قُطِع منه طِوالًا) (١)، فجاءني مسكين فأطعمته منه، فعلم بذلك مولاي فضربني، فدعاه النبي - ﷺ - وقال له:" لمَ ضربته؟ قال: يُطعم طعامي بغير أن آمره، فقال النبي - ﷺ -:" الأجر بينكما" (٢) ويُستفاد من هذا الحديث أن للعامل حق الشكوى على صاحب العمل إذا شعر بظلمه له، كما يؤخذ منه واجب العامل في المحافظة على أموال صاحب العمل وأن لا يتصرف فيه إلا بإذنه (٣)، وقد عُرف للمغيرة بن شعبة (٤) - ﵃ - عبدًا (٥)
كان يصنع الرحاء، وكان المغيرة بن شعبة - ﵃ - يستعمله كل يوم بأربعة دراهم، فلقي العبد عمر بن الخطاب - ﵃ - وقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أكثر عليّ فكلمه أن يخفف عليّ، فقال له عمر - ﵃ -: اتق الله وأحسن إلى مولاك، ومن نية عمر أن يلقى المغيرة فيكلمه في التخفيف عنه، فغضب العبد وقال: يسعُ الناس كلهم عدله غيرك، وعزم على أن يقتله، فصنع خنجرًا له رأسان، فشحذه وسمّه " (٦)، وتتنوع أساليب الاحتجاج على الظلم الواقع على العمال، فمنها الاحتجاج بالرسائل الموقعة من العمال أو من ينوب عنهم، وهذه الرسائل تصل لصاحب العمل أو من ينوب عنه، كذلك الاعتصام السلمي تعبيرًا عن عدم الرضا، ومنها أيضًا اللجوء إلى القضاء، ولم ينصّ قانون العمل الفلسطيني على اعتبار الشكوى على صاحب العمل حقًا للعامل، وإنما أشار في المادة رقم (٣٩) منه على أنه:" لا يمكن اعتبار الحالات التالية بوجه الخصوص من الأسباب الحقيقية التي تبرر إنهاء العمل من قبل صاحب العمل إقدام العامل على رفع قضية أو مشاركته في إجراءات ضد صاحب العمل بإدعاء خرق القانون، وكذلك تقديمه لشكوى أمام الهيئات الإدارية المختصة" (٧)، ومن الوسائل المتاحة لدى العمل للتظلم ما بات يُعرف اليوم بالمظاهرات والإضراب عن العمل.
_________________
(١) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص ٣٠٩.
(٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ما أنفق العبد من مال مولاه، ص٣٨٩، برقم (١٠٢٥).
(٣) الحية، الأحاديث الواردة في حقوق العمال ومسؤولياتهم، ص١٥٥.
(٤) من كبار الصحابة، شهد بيعة الرضوان، كنّاه الرسول - ﷺ - بأبي عيسى، له في الصحيحين اثنا عشر حديثًا، وقد انفرد البخاري بحديث واحد، ومسلم بحديثين، توفي في سنة خمسين للهجرة، الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج٣، ص ٣٢. ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج٣، ص٥٩٩.
(٥) قاتل عمر بن الخطاب - ﵃ - أبو لؤلؤة المجوسي. المرجع نفسه، ج١، ص٩٠ ..
(٦) رواه البيهقي في سننه، ج٤، ص ٢٥، برقم (٦٨٢٠)، ورواه البخاري ولم يرفع شكوى أبي لؤلؤة، كتاب فضائل الصحابة، باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان، ص ٩٠٤، برقم (٣٧٠٠).
(٧) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٢١.
[ ١٩٠ ]
ومع تقريرنا لحق العامل في التقاضي نُشير إلى صاحب الاختصاص في النظر في شكاوى العمال، حيث إن المتتبع لتطور التاريخ الإسلامي يجد حرصًا شديدًا من ولاة الأمر- وفي مقدمتهم رسول الله - ﷺ - على الاستماع إلى تظلّمات المسلمين وشكاويهم، فقد تنوعت أسالبيهم في الاهتمام بتحقيق العدل، فكانوا يقومون بمراقبة حركة الناس اليومية في أسواقهم وأعمالهم (١)، ومن الخلفاء في العصور الإسلامية من كان يجلس مرتين في اليوم صباحًا ومساءً يستمع إلى المظالم (٢)، ومع نشأة الحكومات المعاصرة برزت الحاجة إلى سماع شكاوى المواطنين - ومنهم فئة العمال- حرصًا على تحقيق العدل، وكان ذلك من خلال تأسيس هيئات خاصة لذلك، وقد بدأت إرهاصات إنشاء مثل هذه الهيئة عام ١٧٠٩م عندما نفى الروس ملك السويد إلى تركيا وتأثر بنظام قاضي القضاة، وفي عام ١٧١٣م عيّن ملك السويد ممثلًا للشعب للرقابة على موظفي الحكومة وحماية المواطنين من الظلم، وفي عام ١٨٠٩م أنشأت السويد جهازًا رسميًا رقابيًا مرتبطًا بالمجلس التشريعي أُطلق عليه (حامي العدالة) (٣)، ثم لحقت بذلك بعض الدول العربية والإسلامية، فشكّلت المملكة العربية السعودية والباكستان والكويت هيئات رسمية لمتابعة الشكاوى والتظلمات من الناس.
أما في الإسلام فكان يقوم الخليفة أو الوزير أو الوالي بالنظر في هذه الشكاوى، وقد يقوم الوالي أو ولي الأمر بتكليف أحد ممن يثق به في مساعدته في هذا الأمر (٤)، وأحيانًا توكل المظالم والمنازعات البسيطة إلى المحتسب في كل قطاع، فالمظالم والمنازعات التي تنشأ في السوق يقوم بحلها القائم على حسبة السوق، ويُمكن أن يقوم القائم بأعمال الحسبة على الأجور والعمال بحل المنازعات البسيطة بين العمال وأصحاب العمل، وذلك لأن أعمال المحتسب تتعدّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث يمكن اعتباره محكمة عمالية (٥)، وقد تم مؤخرًا إنشاء محكمة عمالية تتولي الفصل في تظلمات العمال وشكاويهم في فلسطين.
_________________
(١) الكتاني، التراتيب الإدارية، ج١، ص٦٧.
(٢) الماوردي، الأحكام السلطانية، ص١٠٤.
(٣) العمر، أخلاق العمل وسلوك العاملين في الخدمة العامة، ص١٤٦.
(٤) الماوردي، الأحكام السلطانية، ص١٠٤.
(٥) العمر، أخلاق العمل وسلوك العاملين في الخدمة العامة، ص١٤٧.
[ ١٩١ ]