تعريف الواجب والحق والعمل
أولًا: تعريف الواجب لغة واصطلاحًا، فالواجب في اللغة من وجب الشيء يجب وجوبًا، أي لزم (١)، ووجبت الشيء جعلته لازمًا، واستوجب لشيءٍ استحقه (٢)، والواجب أيضًا من وجب الشيء إذا سقط، ومن ذلك قول الله - ﷾ -: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) واستوجب الشيء بمعنى ثبت. (٤) وفي اصطلاح علماء الشريعة الإسلامية فقد عرّفه الإمام الآمدي (٥) - ﵀- الواجب بقوله:" ما طلب الشارع فعله من المكلَّف طلبًا حتميًا، مقترنًا على حتمية فعله، ويُثاب فاعله، ويُعاقَب تاركه، ويُكفَّر منكره إذا ثبت بدليل قطعي" (٦)، وهو" ما طلب الشارع فعله على وجه اللزوم، بحيث يذم تاركه، ومع الذم العقاب، ويُمدح فاعله ومع المدح الثواب" (٧)،
والواجب في العمل: اسم لما لزم علينا بدليل فيه شُبهة، كخبر الواحد (٨)،والعام المخصوص، والآية المؤوَّلة، وذلك كصدقة الفطر والأضحية (٩)،
_________________
(١) الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، تحقيق مكتب التراث في مؤسسة الرسالة، ص ١٤٠، ط٦، ١٩٩٨م، بإشراف محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
(٢) السيد محمد، يسري، حقوق الإنسان في ضوء الكتاب والسنة، ص٩٢، ط١، ٢٠٠٦م، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
(٣) سورة الحج، آية رقم ٣٦.
(٤) أبو البقاء، أيوب بن موسى، الكليات، ص٦٨٩، ط٢، ١٩٩٨م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
(٥) علي بن محمد الآمدي، نزل آمد بديار بكر، له كتاب عمدة الحاضر وكفاية المسافر في الفقه. حاجي خليفة، مصطفى عبد الله، كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون، ج٢، ص ١١٦٦، بدون رقم طبعة، مكتبة المثنى، بغداد، العراق.
(٦) الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج ١، ص ٥٠.
(٧) زيدان، عبد الكريم، الوجيز في أصول الفقه، ص٣١، ط٦، ١٩٧٦م، مؤسسة قرطبة، الجيزة، مصر ..
(٨) خبر الواحد " ما كان من الأخبار غير منتهٍ إلى حد التواتر" الآمدي، علي بن محمد، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق عبد الرزاق عفيفي ج٢، ص٤، ط٢، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.
(٩) الجرجاني، علي بن محمد الشريف، التعريفات، ص٢٦٩، بدون رقم طبعة، ١٩٧٨م، مكتبة لبنان، بيروت، لبنان.
[ ٢ ]
ثانيًا: تعريف الحق في لغة واصطلاحًا: مصدر حقَّ الأمر: بمعنى وجب وثبت، ويأتي بمعنى: أوضح وصدق وذلك لقول الله - ﷾ -: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١)، واستحق الشيء واستحق الأمر إذا استوجبه، واستحق الإثم بمعنى وجبت عليه عقوبته، ومنه قول الله - ﷾ -: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) والاستحقاق طلب الحق (٣)، ويُطلق أيضًا على المِلك والمال، والأمر الموجود الثابت ومن ذلك قول الله - ﷾ -: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤)،ويرى بعض المعاصرين أن كل الاستعمالات اللغوية المستعملة لكلمة الحق تدور حول معنى الثبوت والوجوب، (٥) كما يُطلق الحق كذلك على اسمٍ من أسماء الله - ﷾ - أو من صفاته، كما يُطلق على القرآن الكريم، وهو ضد الباطل، والموت، والحزم، (٦) وهو في اصطلاح أهل المعاني: الحكم المطابق للواقع، ويُطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك. (٧)
وبالنسبة لتعريف الحق عند علماء الشريعة الإسلامية فلم أقف - بعد عناء البحث- على تعريف جامع للحق بالمعنى العام، وذلك لاعتمادهم على التعريف اللغوي، إلا ما وجدته عند صاحب كتاب البحر الرائق الذي عرّفه بقوله:" الحق ما يستحقه الرجل" (٨)، كما وجدت تعريفًا آخر لصاحب شرح المنار فقال:" الحق هو الشيء الموجود من كل وجه، ولا ريب في وجوده" (٩)، ومن ذلك قول الرسول
_________________
(١) سورة يس، آية رقم ٧٠.
(٢) سور ة المائدة، آية رقم ١٠٧.
(٣) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، ج١٠،ص٥٠،بدون رقم طبعة، دار صادر، بيروت، لبنان.
(٤) سورة يس، آية رقم ٨.
(٥) الدريني، فتحي، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، ص١٨٤، ط٢، ١٩٧٧م، مؤسسة الرسالة، بيروت.
(٦) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص ٨٧٤.
(٧) الجرجاني، التعريفات، ص ١٢٠.
(٨) ابن نجيم، زين الدين، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج٦، ص ١٤٨، ط٢، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
(٩) ابن ملك، عز الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز، شرح المنار وحواشيه من علم الأصول، ص٨٨٦، بدون رقم طبعة، مطبعة عثمانية.
[ ٣ ]
- ﷺ -:" العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا " (١)، وهذا تعريف الحق بالمعنى اللغوي - والله تعالى أعلم-،ومن خلال استعمالات الفقهاء لكلمة الحق نرى أنهم لم يُطلقوها على معنىً واحد، لأنهم أطلقوا هذا اللفظ على معانٍ مختلفة، وكلها راجعة إلى المعنى اللغوي، ومنهم من أطلق كلمة الحق على جميع الحقوق المالية وغير المالية فيُقال مثلًا: حق لله تعالى وحق للعباد (٢)، وقد يستعملون هذا اللفظ ليدل على مرافق العقارات كحق المسيل وحق الطريق، وكذلك الحقوق المتعلقة بالبنايات في العصر الحديث، كحق الصعود للطوابق العليا، ومنهم من يستعمل لفظ الحق في البدل على ما ينشأ عن العقد الصحيح من التزامات، فعقد البيع مثلًا إذا تم بصورة صحيحة فينشأ عنه نقل الملكية للمشتري، وكذلك تسليم المبيع، ودفع الثمن حسب الحقوق، وكل هذه حقوق متعلقة بالعقد. (٣) أما علماء أصول الفقه فقد اهتموا بالحق وتقسيماته في باب المحكوم به، والذي هو فعل المكلَّف الذي يتعلق به خطاب الشارع (٤)، وهو عند الحنفية ينقسم باعتبار ما يُضاف إليه إلى قسمين هما:
القسم الأول: حق لله تعالى، وهو ما يتعلق به النفع العام لجميع العالم، فلا يختص به واحد دون واحد، وإضافته إلى الله تعالى لعظيم خطره، وأهميته، وشمول نفعه للجميع (٥)، وهذا أقرب ما يكون عند علماء القانون بالأمور المتعلقة بالنظام العام، غير أنه عند الحنفية شامل للمصلحة الدنيوية والأخروية، ولا يختص بالدنيوية كما هو عند علماء القانون ومن الأمثلة على ذلك حرمة الزنا التي يتعلق بها عموم النفع من سلامة الأنساب (٦).
القسم الثاني: حقوق العباد، وهذه الحقوق هي التي تتعلق بالأفراد وليس بالنظام، بل لا دخل للنظام فيها، وهي ما يتعلق بمصلحة خاصة دنيوية، كحُرمة مال الغير، وحق الدية، وحق بدل المتلفات.
_________________
(١) مسلم بن الحجاج النيسابوري، الجامع الصحيح، ص٩٣٦، برقم (٢١٨٨)،ط١، ٢٠٠٥م، مؤسسة المختار، القاهرة، مصر.
(٢) ابن ملك، شرح المنار وحواشيه، ص٨٨٦.
(٣) السنهوري، عبد الرزاق، مصادر الحق في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بالفقه الغربي، ج١، ص١٤، بدون رقم طبعة، المجمع العلمي العربي الإسلامي، بيروت، لبنان.
(٤) ابن ملك، شرح المنار وحواشيه، ص ٨٨٦.
(٥) القرافي، أحمد بن إدريس الصنهاجي، الفروق وأنوار البروق في أنواء الفروق، ج١، ص٢٥٦، ط١، ١٩٩٨م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٦) بدران، بدران أبو العينين، تاريخ الفقه الإسلامي ونظرية الملكية والعقود، ص٢٩٧، بدون رقم طبعة، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان.
[ ٤ ]
وقد أضاف العلماء قسمًا ثالثًا، وهو ما يشمل حقًا لله تعالى وحقًا للعباد، كحد القذف مثلًا، فيرى الحنفية أن حق الله تعالى وحق العبد إذا اجتمعا في شيء، ونفذ أحدهما سقط الآخر، وقالوا: لا يُجمع قطع وتغريم في السرقة (١)، بينما يرى غيرهم أنه لا تنافي بين الحقين (٢)، وإنما يُعرف الفرق بين هذه الحقوق بصحة إسقاط الحق، فما كان لله تعالى فلا يجوز إسقاطه، وكل ما جاز إسقاطه فهو حق للعبد. وقد نسب الدكتور الدريني (٣) - ﵀- لعلماء الأصول تعريفًا للحق بقوله:" الحق الموجود والمراد به هنا حكم يثبت" وعلّق على هذا التعريف بأمرين هما:
الأول: أنه بُني عن منشأ الحق ومصدره؛ لأن الحق لا يُعدُّ حقًا في نظر الشرع الإسلامي إلا إذا جاء من النصوص الشرعية ما يقرره، وتقرير الحق لا يكون إلا بحكم شرعي.
الثاني: أن الحكم إن أُريد به خطاب الله المتعلق بأفعال المكلّفين فالحق ليس هو الخطاب نفسه، وإنما هو الأثر المترتب والثابت بالخطاب، فعلاقة الحق بالحكم هي علاقة المسبّب بالسبب، واستخلص الدكتور الدريني﵀ - أن هذا تعريف بالأعم؛ لأن كل حق حكم، وليس كل حكم حقًا، (٤) هذا وقد اجتهد فقهاء العصر في تحديد معنى الحق وانقسموا في ذلك إلى قسمين:
القسم الأول: وهؤلاء عرّفوه بحسب الغاية منه فقالوا:" هو مصلحة ثابتة للفرد أو المجتمع أو لهما معًا يقررها الشارع الحكيم" (٥)، ولكن يؤخذ على هذا التعريف أن الحق ليس مصلحة للفرد أو المجتمع، وإنما هو وسيلة يمكن أن يسلكها المكلف للوصول إلى المصلحة.
_________________
(١) ابن عابدين، محمد أمين، ردّ المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد عوض، ج٦، ص١٧٩، ط١، ١٩٩٤م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. المرغيناني، علي بن أبي بكر، الهداية شرح بداية المبتدي، تحقيق محمد محمد تامر وحافظ عاشور حافظ، ج٢، ص٨٠١، ط١، ٢٠٠٠م، دار السلام، القاهرة، مصر.
(٢) يرى الشاطبي﵀- أن حق الله تعالى وحق العباد ثابتان في كل حكم. الشاطبي، إبراهيم ابن موسى، الموافقات في أصول الشريعة، ج٢، ص٣١٥، تحقيق الشيخ عبد الله دراز، بدون رقم طبعة، دار الحديث، القاهرة، مصر.
(٣) محمد فتحي الدريني (فلسطيني الأصل)، لقّب بشاطبي العصر، لإحيائه الاجتهاد المقاصدي. له من المؤهلات العلمية دكتوراه في الفقه الإسلامي وأصوله، كلية القانون والشريعة في الأزهر، درّس لعقود طويلة في مصر والجزائر ودمشق لمدة طويلة ثم كان آخر مستقره في الجامعة الأردنية، توفي عام ٢٠٠٨م. http://www.ahlalhdeeth.com
(٤) الدريني، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، ص ١٨٨.
(٥) المصدر نفسه، ص١٨٩.
[ ٥ ]
القسم الثاني: وهؤلاء عرّفوا الحق حسب موضوعه، فهو عندهم:" ما ثبت للإنسان استيفاؤه" (١) وأخذ الدريني﵀- على هذا التعريف أنه غير مانع؛ لأنه يشمل الرخصة والإباحة، إذ هي مما يثبت استيفاؤه شرعًا كذلك، كما لا يشمل التعريف حقوق الأسرة مثل حق الولي في تأديب الصغير، وذلك لأن المصلحة عائدة على غير صاحب الحق وهو المولّى عليه. (٢)
أو هو اختصاص مظهر فيما يقصد له شرعًا (٣)،ثم اختار الدكتور الدريني -﵀- تعريفًا للحق فقال:"هو اختصاص يقرّ به الشرع سلطة على شيء أو اقتضاء أداء من آخر تحقيقًا لمصلحة معينة (٤) "، ويُمكن ترجيح هذا التعريف للأسباب الآتية:
١. يميز بين الحق وغايته، فالحق ليس هو المصلحة بل هو وسيلة للوصول لهذه المصلحة.
٢. يشمل حقوق الله تعالى وكذلك حقوق الأشخاص الطبيعية والاعتبارية.
٣. يُبين مدى استعمال الحق بما أُلقي عليه من قيد" تحقيقًا لمصلحة معينة".
٤. يستبعد هذا التعريف المصلحة من تعريف الحق وكذلك الإرادة.
٥. يشمل هذا التعريف حقوق الأسرة وحقوق المجتمع.
٦. لم يجعل هذا التعريف الحماية الشرعية للحق عنصرًا فيه، بل جعل الحماية الشرعية للحق من مستلزماته، فهي تالية من حيث وجودها لوجود الحق. (٥)
ومعروف أن الحقوق تثبت بالأدلة، خاصة في موضع النزاعات، كمن ادّعى على غيره مالًا فعليه وصف مصدره، وهل هذا الحق كان ببيع أو قرض.
وعرّفه الأستاذ مصطفى الزرقا (٦) - ﵀- بقوله:" اختصاص يقرُّ به الشرع سلطة أو تكليفًا" (٧) وذلك كحق الولي في التصرف على من تحت ولايته، فإنه سلطة لشخص على شيء.
_________________
(١) الدريني، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، ص١٩٠.
(٢) المرجع نفسه، ص ١٩٠.
(٣) السيد محمد، حقوق الإنسان في ضوء الكتاب والسنة، ص ٩١.
(٤) الدريني، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، ص٢٦٠.
(٥) المصدر نفسه، ص٢٦٢.
(٦) ولد الشيخ مصطفى الزرقا بمدينة حلب في سورية، عام ١٣٢٢هـ الموافق ١٩٠٤م، والده الشيخ أحمد الزرقا مؤلّف (شرح القواعد الفقهية)، وجدّه العلاّمة الكبير الشيخ محمد الزرقا، وكلاهما من كبار علماء مذهب الحنفية، حفظ القرآن منذ صغره، قال الشيخ يوسف القرضاوي:" علماء الشام الكبار أربعة: مصطفى السباعي، ومصطفى الزرقا، ومحمد المبارك، ومعروف الدواليبي"،حصل على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام ١٤٠٤هـ تقديرًا لإسهاماته المميّزة في مجال الدراسات الفقهية، وخاصّة كتابه: "المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي " توفي عام ١٤٢٠هـ الموافق ١٩٩٨م. http://eftaa-aleppo.com/index.jsp?inc=52&count=
(٧) الزرقا، مصطفى، المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي، ص ١٩،ط١، ١٩٩٩م، دار القلم، دمشق، سوريا.
[ ٦ ]
والمراد بالاختصاص: علاقة تشمل الحق الذي موضوعه مالي، كاستحقاق الدَّين في الذمة بأي سبب كان، والذي موضوعه ممارسة سلطة شخصية، كممارسة الولي ولايته، والوكيل وكالته.
وهذه العلاقة لكي تكون حقًا يجب أن تختص بشخص معيّن أو بفئة، إذ لا معنى للحق إلا عندما يتصور فيه ميزة ممنوحة لصاحبه، وممنوعة عن غيره، أما ما كان من قبيل الإباحات العامة، كالاصطياد، والاحتطاب فلا تعدُّ حقًا بالمعنى المراد هنا؛ إذ لا يوجد شخص مطالب بأداء هذا الحق لصاحبه، ثم إن هذا الاختصاص لا يكون معتبَرًا ما لم يعتبره الشرع، ولذا اشتُرط إقرار الشرع له، إذ لا حق إلا ما اعتبره الشرع حقًا.
والمراد بالسلطة: ما يشمل سلطة شخص على شخص، كحق الولاية على النفس فهي للولي على القاصر؛ إذ له حق تأديبه وتطبيبه، والسلطة على شيء معين كحق الملكية، فهي سلطة على ذات الشيء.
والمراد بالتكليف: تكليف الغير بأداء ما في عهدته لصاحب الحق، كقيام الأجير بعمله، وقيام المدين بأداء دينه.
وما ذكره فضيلة الشيخ الزرقا﵀- في تعريفه وجيه وجامع، غير أن الفقهاء المتقدمين - ﵏ - لم يلتزموا في تعاريفهم ما التزمه المناطقة والأصوليون ومتأخرو الفقهاء بأن التعريف لا بد وأن يكون جامعًا مانعًا؛ لأن أكثر تعاريفهم إنما هو تعريف شمولي في الجملة، وهو ما يعرف عند المناطقة بالتعريف بالرسم، ولهذا نجد أن الفقهاء - ﵏ - يستعملون الحق بمعانٍ عدّة، وفي مواضع مختلفة، وكلها ترجع إلى المعاني اللغوية للحق (١)، والعلاقة بين الحق والواجب: أن الحق هو ما يستحقه صاحبه، بحيث يخوله سلطة على الآخرين، وبذلك تنشغل ذمم هؤلاء الآخرين بما يجب أن يؤدوه نحو صاحب الحق، وقد اجتهد فقهاء القانون في تعريف الحق وبيان وجهات نظرهم في مفهومه، وقد تبين لنا من خلال الاستقراء أن مذاهبهم تنحصر في أربعة مذاهب:
_________________
(١) http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=146&aid=7545
[ ٧ ]
المذهب الأول: باعتبار صاحب الحق وهو ما يُعرف بالمذهب الشخصي أو نظرية الإرادة، حيث عرّفه أصحاب هذا المفهوم بقولهم:" الحق قدرة أو سلطة إرادية يخولها القانون شخصًا معينًا ويرسم حدودها" (١) ومن ثَمّ فهو صفة تلحق بشخص معيّن، ولكن هذا التعريف يتنافى مع هو متعارف في الشرائع من وجود حقوق لعديمي الإرادة كالصغير والمجنون.
المذهب الثاني: باعتبار المصلحة في الحق وموضوعه وهذا ما يُعبّر عنه بالمذهب الموضوعي، حيث عرّفه أصحابه بقولهم:" الحق مصلحة يحميها القانون" (٢)، ويؤخذ على هذا التعريف أنه جعل المصلحة معيارًا للحق، وليس كل حق مصلحة، وليس كل مصلحة تكوّن حقا.
المذهب الثالث: وهو يجمع بين شرط مباشرة الحق وبين الهدف من المصلحة وهو ما يُعرف بالمذهب المختلط، وعرّفه أصحاب هذا المذهب بأنه" القدرة الإرادية المعطاة لشخص من الأشخاص في سبيل تحقيق مصلحة يحميها القانون". (٣)
المذهب الرابع: وقد جاء أصحاب هذا المذهب بتعريف مستحدَث يكشف عن خصائص الحق المميزة له، فقالوا:"الحق استئثار بقيمة معينة يمنحه القانون لشخص ويحميه" (٤) ثم عرّفه الدكتور عبد الرزاق السنهوري (٥) - ﵀- بقوله:" الحق مصلحة ذات قيمة مالية يحميها القانون" (٦).ومن العلماء من اختار للحق تعريفًا بقوله:" هو ميزة يمنحها القانون لشخص، ويضمنها بوسائله، يتصرف الشخص بمقتضاها
_________________
(١) كيره، حسن، المدخل إلى القانون، ص٥٤٧، طبعة عام ١٩٦٧م، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان.
(٢) مدكور، محمد سامي، نظرية الحق، ص٨، بدون رقم طبعة، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر.
(٣) كيرة، المدخل إلى القانون، ص ٤٥٠.
(٤) سلامة، أحمد، محاضرات في المدخل للعلوم القانونية، ص٢٥.
(٥) ولد في عام ١٨٩٥م بمدينة الإسكندرية، وعاش طفولته يتيمًا، إذ توفي والده وعمره خمس سنوات، بدأ تعليمه في الكُتَّاب، ثم التحق بمدارس التعليم العام، حصل على الشهادة الثانوية سنة ١٩١٣م، وكان ترتيبه الثاني على طلاب القطر المصري، نال درجة الليسانس في الحقوق سنة ١٩١٧م من مدرسة الحقوق الخديوية، ثم سافر إلى فرنسا سنة ١٩٢١م لدراسة القانون، وهناك تبلورت عنده الفكرة الإسلامية، وبدأ يتخذ الموقف النقدي من الحضارة الغربية، وهاجم تبني د. منصور فهمي لمقولات المستشرقين، توفي عام ١٩٧١م. http://100fm6.com/vb/showthread.php?t=19110
(٦) السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، ج١، ص٩.
[ ٨ ]
في مال يؤول إليه باعتباره مملوكًا أو مستحقًا" (١)، ومن خلال استعراض مذاهب فقهاء القانون في تعريف الحق يتبين للباحث أنه من الصعوبة بمكان أن يتفق الفقهاء على تعريف جامع ومانع للحق.
وقد اتفق معنى "الحقّ" في الشريعة والقانون في أمرين:
١ - يقف حقُّ الشخص "سواء أكان طبيعيًا أم اعتباريًا"حين تتعارض غاية منحه هذا الحقَّ مع غاية منح حقٍّ آخر لشخصٍ آخر.
٢ - حماية صاحب الحقِّ من الآخرين، وبقاء هذه الحماية ما دام صاحب الحقِّ يتَّجه إلى الغاية التي مُنِح الحقُّ لأجلها، هذا وقد اختلف معنى "الحقّ" في الشريعة والقانون في ثلاثة أمور:
١. نظرة الإسلام للحقِّ مبنيةٌ على أنه واجبٌ على الغير، بينما نظرة القانون له على أنَّه حقٌّ مستحقٌّ لمباشِره.
٢. مبنى الإسلام في نظرته للحقوق هو مصلحة الجماعة مع مراعاة الحقوق الفردية، بينما مبنى نظرة القانون هو مصلحة الفرد أولًا.
٣. يشمل تعريف "الحقّ" في الإسلام من قد لا يناله فائدة من ذلك، كحقوق الله تعالى، بينما "الحقّ" في القانون مرتبطٌ بمستفيد. (٢)
أما تعريف العمل لغة: فهو المهنة والفعل، من عمِلَ عمَلًا، والجمع أعمال، وأعمله واستعمله غيره طلب إليه العمل، واعتمَلَ عمل بنفسه وأعمل رأيه، والعامل على الصدقة الذي يسعى في جمعها، والعامل من يعمل في مهنة أو صنعة (٣).
أما تعريف العمل اصطلاحًا فله تعريفات عدّة، منها ما يوضح العمل بصورته العامة، ومنها ما يقيده بالمفهوم الشرعي أو الاقتصادي. ومن هذه التعريفات:
"العمل كل ما يصدر من فعل أو حركة عن أي جسم كان، فقد يصدر عن الجمادات، والنباتات، والحيوانات أفعال وحركات مختلفة تعتبر أعمالا" (٤).
أما في الاصطلاح الشرعي فقد عرّفه الإمام محمد بن حسن الشيباني (٥) بما يرادف هذا اللفظ في لسان الشرع، وهو الكسب بقوله: " الاكتساب في عرف اللسان هو طلب تحصيل المال بما يحل من أسباب " (٦)،
_________________
(١) الشرقاوي، جميل، دروس في أصول القانون (نظرية الحق)، ص٢٤، طبعة عام ١٩٦٦م، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر. وقال بهذا التعريف الفيلسوف البلجيكي دابان.
(٢) http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA -
(٣) ابن منظور، لسان العرب، مادة عمل، باب اللام، ج١١، ص٤٧٤ - ٤٧٥.الفيروز آبادي، القاموس المحيط، مادة عمل، ص١٣٣٩.
(٤) السعيد، د. صادق مهدي، العمل والضمان الاجتماعي في الإسلام، ط٢، ص٦،مطبعة المعارف، بغداد، العراق.
(٥) ولد سنة ١٣٥هـ وقيل سنة ١٣٢هـ، أصله من الشام وانتقل إلى العراق، صحب أبا حنيفة وأخذ الفقه عنه، قال عنه الشافعي:"أخذت من محمد وقر بعير من علم، وما رأيت رجلًا سمينًا أخف روحًا منه" صنّف تسعمائة وتسعين كتابًا، توفي سنة ١٨٩هـ، وتوفي معه في نفس اليوم الكسائي، فقال الخليفة الرشيد:" دفنت الفقه والعربية بالرّيّ" الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات، ج٢، ص٣٣٤، ط٣، بدون دار النشر.
(٦) الشيباني، محمد بن الحسن، الكسب، تحقيق سهيل زكار، ط١،١٩٨٠م، ص٣٢، دمشق، سوريا.
[ ٩ ]
وهو في المفهوم الاقتصادي: "الجهد الإرادي الذي يبذله الإنسان مستهدفا ًإنتاج السلع والخدمات" (١).
_________________
(١) الجمال، محمد، موسوعة الاقتصاد الإسلامي، ط١، ص٩٦، دار الكتاب المصري، القاهرة، مصر.
[ ١٠ ]