نظرة الإسلام للعمل والعمال
اهتم الإسلام اهتمامًا بالغًا بالعمل والعمال، وكرّمهم أحسن تكريم، وذلك حينما عدّ العمل دليلًا على القيام بمهام الرسالة التي أمر الله تعالى بها الناس في قوله - ﷾ -: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (١)، ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة أن الإنسان حينما يعمل يكون قد أدّى رسالة ربه، وبالعمل كذلك يقوم دعوة الله ﷿ إلى الإعمار والإصلاح.
ومن خلال هذه الدعوة حثّ الإسلام الناس على العمل ورغّب فيه، وحارب الكسل والخمول والاتكال على الغير، وقد ضرب الرسول - ﷺ - وصحابته الكرام﵃- أروع الأمثلة العملية في تطبيق هذا المبدأ فنراه - ﷺ - ينزل ميادين العمل ويشارك صحابته الكرام في كثيرٍ من المواقف التي تكون بحاجة إلى عمل، كنقله للتراب عندما شرع المسلمون في حفر الخندق (٢) K وحتى يتجلّى هذا الاهتمام الرباني والحث النبوي على العمل وطلب الرزق والخروج سعيًا له، جاءت جملة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد حرص الإسلام على العمل والاهتمام بالعمال منها:
١. قال الله - ﷾ -: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٣) ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة أن الله تعالى امتن على عباده بأن جعل لهم الأرض مذللة ومنبسطة؛ ليستفيد من فيها بما فيها ويعملوا ليحصلوا الكفاية.
٢. قصّ علينا القرآن الكريم أحوال الأنبياء ﵈ الذين كانوا يحرصون على طلب الرزق والعمل، من أجل كسب الحاجات الأساسية، كموسى ﵊ الذي رعى الغنم على رجل مدين (أجير خاص)، فقال الله - ﷾ -: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤)، وكذلك نبي الله داود ﵊ الذي كان يعمل صانعًا للدروع من أجل بيعها
_________________
(١) سورة هود، آية رقم ٦١.
(٢) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب حفر الخندق ص ٧٤٠ برقم٣٠٣٣، ورواه مسلم في كتاب الجهاد والسير باب غزوة الأحزاب ص (٧٨٠)، رقم ١٨٠٣.
(٣) سورة الملك، آية رقم ١٥.
(٤) سورة القصص، آية رقم ٢٧.
[ ٢٢ ]
(أجير مشترك) فقال الله - ﷾ - عنه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (١)، وقد روى أبو هريرة - ﵃ - أن رسول الله - ﷺ - قال:" كان زكريا نجارًا" (٢)، وعلّق الإمام النووي (٣) - ﵀- على هذا الحديث بقوله:" فيه جواز الصنائع، وأن النجارة لا تُسقط المروءة، وأنها صنعة فاضلة، وفيه فضيلة زكريا ﵇، فإنه كان صانعًا يأكل من كسبه" (٤)،
وفيه إشارة إلى أن كل أحد لا ينبغي أن يتكبّر عن كسب يده؛ لأن نبي الله مع علو درجته اختار هذه الحرفة (٥)،فلو كان الرزق يتأتى بدون عمل لجلس هؤلاء الأنبياء ﵈، وأتاهم رزقهم وهم في بيوتهم، ورسولنا محمد - ﷺ - الذي عرف أهمية العمل منذ صغره فعمل راعيًا للأغنام (أجير خاص) عند مشركي مكة (٦)، وكذلك عاملًا في التجارة مع خديجة بنت خويلد (٧) - ﵂-.
فهؤلاء الأنبياء لم ينظروا لنوع العمل أو أجرته، وإنما عرفوا أن قيمة الإنسان في ذاته، كما فهموا أن العمل المباح لكسب العيش يُعدّ وسيلة للحياة الكريمة، وعدّوا عملهم بمنزلة تعليم لأقوامهم.
_________________
(١) سورة الأنبياء، آية رقم ٨٠.
(٢) مسلم بن الحجاج، الجامع الصحيح، كتاب الفضائل- باب من فضائل زكريا ﵇، ص ١٠٠٧،برقم (٢٣٧٩).
(٣) يحيى بن شرف، محرر المذهب الشافعي، ولد في شهر محرم سنة ٦٣١هـ في مدينة نوا (قرية في الشام) لم يتزوج، زار القدس والخليل، ثم عاد إلى بلده وتوفي ليلة الأربعاء ١٤ رجب سنة ٦٧٦هـ. الإسنوي، جمال الدين عبد الرحيم، طبقات الشافعية، ص٤٠٧، ط١، ١٩٩٦م، دار الفجر، بيروت، لبنان.
(٤) النووي، يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم، ج٨، ص١٢٠، بدون رقم طبعة، مكتبة الإيمان، المنصورة، مصر ..
(٥) المناوي، عبد الرؤوف، فيض القدير شرح الجامع الصغير للسيوطي، ج٤، ص٥٤٤،ط٢، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
(٦) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب يعكفون على أصنام لهم، ص ٨٣٧، رقم ٣٤٠٦.
(٧) زوجة النبي - ﷺ -، وأوّل من صدّقت ببعثته وآمنت به، كانت تدعى قبل البعثة بالطاهرة، تزوجها النبي - ﷺ - قبل البعثة بخمس عشرة سنة، كان الرسول - ﷺ - إذا ذبح شاة قال: أرسلوا إلى أصدقاء خديجة فإني لأحب حبيبها، توفيت في رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح، وقيل بأربع. ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج٤، ص٣٧٥.
[ ٢٣ ]
وللدلالة على اهتمام الإسلام بالعمل فقد قرنه الله - ﷾ - بأفضل عبادة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) فكان العمل وطلب الحلال سُنّة إلهية، وخُلُقًا إنسانيًٌّا رفيعًا، وقد جعل الإسلام العمل نعمة تستحق شكر الله، فقال - ﷾ -: ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (٢)، وموضع الاستدلال من هذه الآية الكريمة أنها تحث المسلم على الأكل من عمل يده، والاعتماد على نفسه للكسب في شتى المجالات.
وقد عدّوا الإسلام العمل نوعًا من أنواع الجهاد، بل وصل الأمر بالرسول - ﷺ - أن يزجر أصحابه لحُكمٍ أصدروه على رجل قوي الجسم يسعى إلى عمله، فعندما رأى الصحابة﵃- شابًا قويًا يسرع إلى عمله، قالوا: لو كان هذا في سبيل الله، فقال النبي - ﷺ -:"لا تقولوا، هذا فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعفّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" (٣).
أما على الصعيد الاجتماعي فعدّ الرسول - ﷺ - أن أحقية الاحترام في المجتمع ينبغي أن تكون للعامل العزيز الكريم، وهذا ما سطّره الرسول - ﷺ - بقوله:" لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرٌ له من أن
_________________
(١) سورة الجمعة، آية رقم ١٠.
(٢) سورة يس، آية رقم ٣٥.
(٣) الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، تحقيق أيمن صالح شعبان وسيد أحمد إسماعيل، ج ٧، ص٩٠،ط١، ١٩٩٦م، دار الحديث، القاهرة، مصر، برقم الحديث (٦٨٣٥). الهيثمي، علي بن أبي بكر، بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، تحقيق عبد الله الدرويش، كتاب النكاح، باب النفقات، ج٤، ص٥٩٦، طبعة عام ١٩٩٤م، دار الفكر، بيروت، لبنان. المنذري، عبد العظيم بن عبد القوي، الترغيب والترهيب، ج٢،ص٢٠٨،بدون رقم طبعة، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده، ميدان الأزهر، مصر. قال عنه الألباني: صحيح لغيره، الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الترغيب والترهيب، كتاب البيوع، باب الترغيب في الاكتساب بالبيع، ج٢، ص ٣٠٦، برقم (١٦٩٢)، ط١، ٢٠٠م، مكتبة المعارف للنشر، الرياض، السعودية.
[ ٢٤ ]
يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه" (١) وفيه الحضّ على التعفف عن المسألة والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك (٢).
ومن مظاهر العناية النبوية بالعمل والتشجيع عليه أن الرسول - ﷺ - بعد مقامه في المدينة المنورة وتدبير شؤونه، وتنظيم أمور دولته الناشئة اتجهت عنايته مباشرة إلى إصلاح الأراضي وتشغيل الأيدي العاملة، فأعلن أنه من أحيا أرضًا مواتًا فهي له (٣)، ووافق على تلك الطلبات المقدمة له من المسلمين القادرين على العمل، وتشجيعًا على العمل في الزراعة يروي أنس بن مالك (٤) - ﵃ - عن الرسول - ﷺ - أنه قال:" إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة (الصغيرة من النخل، والجمع فسائل وفسيل وفسلان) (٥) فإن استطاع ألّا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها (٦) ".
واهتمام الرسول - ﷺ - بالزراعة وعمالها لا يقلّ عن اهتمامه بالصناعة وعمالها، فقد عدّ الاقتصار على الزراعة وعدم الحيد إلى غيرها من الأعمال التي اعتبرها مصدر شرّ وبلاء تورث للأمة ذلًا فقال:" إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلًا لا
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، ج٣، ص٧٥،مسلم، الجامع الصحيح، ص ٤٠٢، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس وزاد " فإن اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول" برقم (١٠٤٢).
(٢) ابن حجر، فتح الباري، ج٣، ص ٣٣٦.
(٣) رواه البخاري في صحيحه، كتاب المزارعة، باب من أحيا أرضًا مواتا، ص٥٥٧، رقم ٢٣٣٥.
(٤) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد، خادم رسول الله ﷺ، يُكنى أبا حمزة، أمه أم سليم بنت ملحان الأنصارية، قدم إلى النبي - ﷺ - في المدينة وكان عمره عشر سنوات، الراجح أنه توفي سنة ٩٢هـ، وكان عمره ٩٩ عامًا وكان آخر من مات من الصحابة في البصرة، ابن الأثير، علي بن محمد الجزري، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق الشيخ خليل مأمون شيحا، ج١، ص٤٢٠،ط٣، ٢٠٠٧م، دار المعرفة، بيروت.
(٥) ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، ج٤، ص ٥٠٣،بدون رقم طبعة، دار الجيل، بيروت، لبنان.
(٦) البخاري، محمد بن إسماعيل، الأدب المفرد، ص١٦٨،اصطناع المال، ط٢، ١٩٨٥م، عالم الكتب، بيروت، لبنان. قال عنه الألباني:" هذا سند صحيح على شرط مسلم، وفيه ترغيب عظيم على اغتنام آخر فرصة من الحياة في سبيل زرع ما ينتفع به الناس بعد موته فيجري له أجره، وتكتب له صدقته إلى يوم القيامة". الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج١، ص١٢،طبعة سنة ١٩٩٥م، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.
[ ٢٥ ]
ينزعه حتى ترجعوا إلى ربكم (١) " والعينة هي أن يشتري ثوبًا مثلًا من إنسان بعشرة دراهم إلى شهر، وهو يساوي ثمانية، ثم يبيعه إلى نفس ذلك الشخص نقدًا بثمانية، فيحصل له ثمانية، ويحصل عليه عشرة دراهم دين (٢)، ودرءًا للتعارض الذي قد يتبدّى للبعض بين هذا الحديث وأحاديث الحثّ على الزراعة فقد أجاب العلماء على هذا التعارض المتوقع بقولهم:
١. إن المراد بالذّل هنا: ما يلزمهم من حقوق الأرض، وأن من أدخل نفسه في ذلك فقد عرّضها للذل وليس هذا ذمًّا للزراعة.
٢. إن هذا الحديث محمولٌ على من يشغله الحرث والزرع عن القيام بالواجبات، كالحرب والجهاد في سبيل الله، وقد مال إلى هذا التفسير الإمام البخاري (٣) -﵀- حينما ذكر الحديث وجعله تحت باب (ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أُمر به) ومعلوم أن الغلو في الكسب والسعي الدؤوب وراءه يُلهي صاحبه عن القيام بالواجبات الشرعية، ويجعله يتكالب على الدنيا مع نسيان الآخرة ومتطلباتها.
ويلزم الزراعة من الصناعات والحرف الأخرى التي تُكوّن الحياة الكريمة، ولم تكن الصناعات عملًا مباحًا فحسب، وإنما عدّها الإسلام من فروض الكفاية (٤) التي ينبغي للأمة الإسلامية أن تهتم بها، ويؤيد ذلك ما ذكره صاحب الإحياء حيث قال:" أما فرض الكفاية فهو لا يُستغنى عنه في قوام أمور
_________________
(١) أبو داود، سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب النهي عن العينة، ص٦٢٣، برقم (٣٤٦٢).البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، ج٥، ص٥١٦،ط١، ١٩٩٤م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج١، ص٤٢.
(٢) النسفي، طُلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية، ٢٤٢.
(٣) صاحب الصحيح، ولد يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة مائة وأربع وتسعين، روى عن الإمام أحمد بن حنبل، وروى عنه الإمام مسلم والترمذي، قال عن نفسه: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين، له من المؤلفات: الجامع الصحيح والأدب المفرد، التاريخ الكبير، الأدب المفرد، القراءة خلف الإمام، توفي ليلة عيد الفطر سنة ٢٦٥هـ. السيوطي، طبقات الحفاظ، ص٢٥٣.
(٤) فرض الكفاية: هو "المتحتم المقصود حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله، فيتناول ما هو ديني كالصلاة، وما هو دنيوي كالصنائع المحتاج عليها" كما يُلام على تركه إذا تركه الكل. ابن أمير الحاج، التقرير والتحبير، ج٢، ص ١٣٥، ط٢، ١٩٨٣م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. الرازي، محمد بن عمر بن الحسين، المحصول في علم الأصول، ط١، ١٩٨٨م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
[ ٢٦ ]
الدنيا، كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب، فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد ممن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى، وسقط الفرض عن الآخرين، فلا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والنسج والسياسة بل الحجامة والخياطة" (١).
وكم هو لطيف أن نجد الرسول - ﷺ - يُكرم الصنّاع، فيستجيب لدعوة خيّاط يدعوه لطعام، فعن أنس بن مالك - ﵃ - يقول:" إن خيّاطًا دعا الرسول - ﷺ - لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله - ﷺ - إلى ذلك الطعام، فقرّب إلى رسول الله - ﷺ - خبزًا ومرقًا فيه دباء (القرع) وقديد (اللحم المجفف في الهواء والشمس)، فرأيت النبي - ﷺ - يتبع الدباء من حوالي القصعة، قال: فلم أزل أحبّ الدباء من يومئذ" (٢)
ويحترم الرسول - ﷺ - أصحاب المهن الشريفة على ضعف مردودها المالي، فقد قدمت امرأة تعمل في النسيج بُردة إلى النبي - ﷺ - فأخذها، حيث روى البخاري عن سهل بن سعد (٣) - ﷺ - قال: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - ببُردة فقالت: يا رسول الله إني نسجت لك هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي - ﷺ - محتاجًا إليها، فخرج إليها وإنها إزاره، فقال رجل من القوم: يا رسول الله أكسينيها، فقال - ﷺ -: نعم، فجلس النبي - ﷺ - في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه، لقد علمت أنه لا يردّ سائلًا، فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت" قال سعد: فكانت كفنه. (٤)
ولم يكن العمل في التجارة بمنأى عن اهتمام الشريعة الإسلامية، فقال الله - ﷾ -:" ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥)، ولقد امتن الله تعالى على أهل الجزيرة
_________________
(١) الغزالي، محمد محمد، إحياء علوم الدين وبذيله كتاب المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار للعراقي، ج١، ص٢٧،ط٣، دار الفكر، بيروت، لبنان.
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب ذِكر الخيّاط، ص ٤٩٦، برقم (٢٠٩٢).
(٣) من مشاهير الصحابة، يُقال إن اسمه كان حزنًا في الجاهلية فغيّره الرسول ﷺ إلى سعد، مات النبي - ﷺ - وهو ابن خمس عشرة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، وكان ذلك سنة ٩١هـ. ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج٢، ص١١٨.
(٤) رواه البخاري في صحيحه، ج٢، ص٧٨، كتاب الجنائز، باب من استعد للكفن.
(٥) سورة المزمل، آية رقم ٢٠.
[ ٢٧ ]
العربية، وكذلك على أهل مكة خاصة أن هيأ لهم طرق التجارة والسفر من أجلها، حيث جعل الله - ﷾ - مكة المكرمة مركزًا تجاريًا متوسطًا فقال - ﷾ -:" ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
وبالحديث عن أهمية العمل والعمال في الإسلام نستوقف القارئ الكريم لنعرض لعمل الرسول - ﷺ - في رعي الأغنام حيث روى البخاري﵀- أن رسول الله - ﷺ - قال:" ما بعث الله نبيًا إلا ورعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط (٢) لأهل مكة" (٣)، ومن الحِكَم اللافتة للنظر في رعي الرسول - ﷺ - للغنم دون غيرها من المهن ما يأتي:
١. أن يتحصّل للرسول - ﷺ - التمرّن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم.
٢. في مخالطة الأغنام يتحصّل الحِلم والشفقة بالرعية.
٣. إذا صبر راعي الغنم على رعيها وجمعها بعد التفرّق في المرعى، بالرغم من اختلاف طباعها، ينعكس ذلك على جمع شتات الأمة بعد تمزقها.
٤. في نقل الغنم من مسرح إلى مسرح واختيار المكان الأجود عُشبًا تمرين لراعي الأمة أن يقود أمته إلى كل خير.
٥. في رعي الغنم يصاحب الراعي حذرٌ شديد على أغنامه من سطوة السباع والوحوش، وذلك يتنزّل على خوف القائد على أمته من الأعداء المتربصين.
٦. الغنم أسهل انقيادًا لأوامر الراعي من الإبل والبقر، وفي ذلك إشارة إلى أن الأمة المحمدية أسهل خُلُقًا وألين طاعة للأمير (٤).
لكل ذلك كانت إرادة الله تعالى للأنبياء السابقين، ولخاتمهم ﷺ العمل في رعي الأغنام، لما في ذلك من تواضعهم لربهم والتصريح بمنته عليهم، كل هذا مع ما في رعي الأغنام من مشقة وصعوبة على النفس.
وقد عددت بعضًا من المهن التي عُرفت زمن الرسول - ﷺ - والصحابة الكرام﵃- هي:
_________________
(١) سورة القصص، آية رقم ٥٧.
(٢) القيراط هو جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشر، في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جزءًا من أربعة وعشرين، وفُسّر أيضًا بأنه جبل أحد. ابن الأثير، مجد الدين المبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق محمود محمد الطناجي، ج٤،ص٤٢،طبعة عام ١٩٧٩م، دار الفكر، بيروت، لبنان.
(٣) رواه البخاري في صحيحه، ج٣، ص١١٦.
(٤) ابن حجر، فتح الباري، ج١٥، ص ١٣٩.
[ ٢٨ ]
١. التجارة: واشتهر فيها المهاجرون والأنصار، والدليل على ذلك ما قاله أبو هريرة - ﵃ -:" إنكم تقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله - ﷺ - بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخوتي من المهاجرين كان يُشغلهم صفقٌ (١) بالأسواق وكنت ألزم رسول الله - ﷺ - على ملء بطني فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا، وكان يُشغل إخوتي الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصفة، أعي حين ينسون، وقد قال رسول الله - ﷺ - في حديث يحدثه إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول، فبسطت نَمِرَة (بُردة) عليّ، حتى إذا قضى رسول الله - ﷺ - مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول الله - ﷺ - تلك من شيء." (٢).
٢. الزراعة: لقول الرسول - ﷺ -:" ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (٣).
٣. تجارة القماش: وقد عمل بها أبو بكر الصديق (٤) - ﵃ -، فلما استُخلِف أصبح غاديًا إلى السوق على رأسه أثواب يتجر فيها، فمنعه كبار الصحابة وفرضوا له كل يوم شطر شاة. (٥)
٤. بيع الماء والحطب: حيث جاء ناس إلى النبي - ﷺ - فقالوا: ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يُقال لهم القرّاء فيهم حرام بن ملحان (٦)، يقرؤون القرآن ويتدارسونه بالليل، وكانوا بالليل يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصُفّة والفقراء" (٧)
_________________
(١) الصفق: التبايع، ابن الأثير، غريب الحديث والأثر، ج٣ ص ٣٨.
(٢) رواه البخاري في صحيحه، ج٣، ص٦٩، كتاب البيوع، باب ما جاء في قول الله تعالى:" فإذا قضيت الصلاة".
(٣) رواه البخاري في صحيحه (واللفظ له)، ج٣، ص٦٦،كتاب الحرث والمغارسة، باب فضل الغرس.
(٤) عبد الله بن عامر، أسلم والده يوم الفتح، أمه سُلمى بنت صخر بن عامر ابنة عم أبيه، ولد بعد عام الفيل بسنتين، توفي يوم الاثنين، في جمادى الأولى، سنة ١١هـ، ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج٣، ص١٠٩١.
(٥) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج٤،ص ٤٠٥،بتصرف.
(٦) شهد بدرًا مع أخيه سليم بن ملحان، خال أنس بن مالك، لما طُعن يوم بئر معونة قال: فزت ورب الكعبة، قتله عامر بن الطفيل، أخو أم سليم بنت ملحان وأم حرام بنت ملحان. ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج١،ص ٣٣٧.
(٧) رواه البخاري في صحيحه، ج، ص ٣٥، كتاب الجهاد، باب العون بالمدد.
[ ٢٩ ]
٥. ترميم البيوت: حيث مرّ النبي - ﷺ - بعبد الله بن عمر (١) - ﵃ - وهو يُصلح خصًّا (بيت يُعمل من الخشب والقصب) (٢) له فقال النبي - ﷺ -: ما هذا؟ قال: أُصلح خصًّا لنا يا رسول الله، قال: الأمر أسرع من ذلك" (٣).
٦. الخياطة: وقد سبق المثال على شيوع مهنة الخياطة.
٧. الحدادة: وهي مهنة خباب بن الأرت (٤) - ﵃ -. (٥)
٨. الصيد: حيث قال الله - ﷾ -: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٦) وعن أبي هريرة -﵁ - قال: سأل رجل رسول الله - ﷺ - يومًا فقال: يا رسول الله: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر فقال الرسول - ﷺ -:" هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٧) وواضح أن هذا الرجل كان صيادًا، حيث لم يُعرف أن أناسًا ركبوا البحر للأغراض العسكرية أو التجارية، فلم يبق إلا الصيد ليركب الناس البحر من أجله.
٩. العطارة، حيث بوّب لها البخاري﵀- لهذه المهنة بابًا تحت كتاب البيوع.
١٠. الصرافة.
١١. الصيدلة.
١٢. السمسرة.
_________________
(١) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، ولد سنة ٣ للبعثة، هاجر وهو ابن عشر سنين، عُرض على النبي ﷺ ببدر فاستصغره ثم بأُحد كذلك ثم أجازه بالخندق، مات سنة ٨٤ للهجرة، وكان عمره ٧٨ سنة. ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج٢، ص٤٦٨
(٢) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج٣، ص٣٧.
(٣) رواه البخاري في الأدب المفرد، ص ١٩٨. أبو داود، سنن أبي داود، ص٧٨٣.
(٤) سُبي في الجاهلية فبيع في مكة، فكان مولى أم أنمار الخزاعية، كان من المستضعفين، أول من أظهر إسلامه، وعُذّب عذابًا شديدًا، شهد المشاهد كلها، آخى الرسول - ﷺ - بينه وبين جبر بن عتيك، كان يعمل السيوف في الجاهلية، مرض مرضًا شديدًا حتى كاد أن يتمنى الموت مات سنة ٣٧هـ. ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج١، ص٥٤٩.
(٥) رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، ذكر القين والحداد، ص٤٩٦، برقم (٢٠٩١).
(٦) سورة المائدة، آية رقم ٩٦.
(٧) أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، ص٢٠، برقم (٨٣)، وقال الألباني عنه: حديث صحيح. النسائي، أحمد بن شعيب بن علي، سنن النسائي، كتاب الطهارة، باب ماء البحر، حكم على أحاديث الشيخ الألباني وقال عنه: صحيح، اعتنى به مشهور حسن آل سلمان، ص ١٧،ط١، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية.
[ ٣٠ ]
١٣. الصبّاغ.
١٤. التصوير. (١)
وفي ختام حديثنا عن مكانة العمل والعامل، يكفي العامل شرفًا أن الله - ﷾ - ذكر العمل في القرآن الكريم في (٣٦٠ آية) وردت (١٩٠آية) تحدثت عن الفعل، وهي تتضمن أحكامًا شاملة للعمل وتقدير العامل وعقوبته ومثوبته (٢)، ويكفي العامل فخرًا أن الرسول - ﷺ - جعل العمل عبادة وطاعة لله تعالى (٣).
_________________
(١) المهن الخمسة الأخيرة ذكرها صاحب كتاب التراتيب الإدارية. الكتاني، محمد عبد الحي، نظام الحكومة النبوية المسمّى التراتيب الإدارية، تحقيق الدكتور عبد الله الخالدي، ج٢، الصفحات، ٤٤، ٦٢، ط٢، دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت، لبنان.
(٢) السباعي، مصطفى، اشتراكية الإسلام، ص ١٧٠، ط٢،١٩٦٠م، بدون دار نشر.
(٣) القرشي، باقر الشريف، العمل وحقوق العامل في الإسلام، ص ١٥٣، ط٤، ١٩٧٩م، دار التعارف، بيروت، لبنان.
[ ٣١ ]