عدم إفشاء أسرار العمل
السرّ لغة: ما يُكتم (١)،والإسرار خلاف الإعلان. قال الله - ﷾ -: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢) وقوله - ﷾ -: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) يعني كتموها.
واصطلاحًا هو: ما يُكتم كالسريرة والجماع والنكاح والزنا (٤)، أو ما يكتمه الإنسان في نفسه.
وضمن هذا التعريف مطلوبٌ من العامل عدم إفشاء أسرار عمله، ولكنّ القانون الفلسطيني كغيره من القوانين المجاورة سكت عن تعريف أسرار العمل التي ينبغي على العامل صيانتها، ويُمكن حصرها في جملةٍ من الأمور كالآتي:
أ. ما يتعلق بطريقة الإنتاج.
ب. المعاملات الرسمية للمنشأة.
ت. ما يتعلق بمدى نشاط المؤسسة.
ث. ما تعارف عليه أهل التخصص أنه من الأسرار.
ج. كلّ ما يترتب عليه الإضرار بالمنشاة أو زعزعة الثقة بها.
ويرى الباحث أن كل معلومة ذات قيمة يُمكن أن تمسّ بقدرة المؤسسة أو المنشاة على المنافسة يُمكن اعتبارها معلومة سرية، ولا يجوز للعامل البوح بها، سواء تعلقت هذه المعلومة بالأموال المعنوية أم المادية لصاحب العمل.
ويرجع هذا الواجب في الشريعة الإسلامية إلى مبدأ الكتمان والسرية، التي نصّت عليه الشريعة الإسلامية في المواضع الآتية:
١. قوله الله - ﷾ - في سورة يوسف: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (٥) حيث جاء في كتاب أحكام القرآن " وهو أصل في جواز ترك إظهار النعمة وكتمانها عند من يخشى حسده وكيده، وإن كان الله قد أمر بإظهاره يقول الله - ﷾ -: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ
_________________
(١) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص ٤٠٦.
(٢) سورة الملك، آية رقم ١٣.
(٣) سورة سبأ، آية رقم ٣٣.
(٤) أبو البقاء، الكليات، ص٥١٤.
(٥) سورة يوسف، آية رقم ٥.
[ ٦١ ]
رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١) " (٢)، فدلّ على أن للإنسان أن يكتم من أموره ما يخشى أن يؤدي ظهور الأعداء عليه إلى الإضرار به، حتى لو كان أمرًا مما يجب التصريح به في الأحوال العادية.
٢. قول الرسول - ﷺ -:" إذا حدّث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة" (٣) وموضع الاستدلال أنه لو كان هناك اثنان يتحدثان، فالتفت أحدهما يمينًا أو يسارًا، ليتأكد من أنه لا يوجد من يسمعه، فبمجرد هذا الالتفات أصبح هذا الكلام أمانة، وهو سرّ، وليس هناك حاجة أن يقول إن هذا سرّ فاحفظه.
٣. قول الرسول - ﷺ -:" لا ضرر ولا ضرار" (٤) وموضع الاستدلال أن صاحب العمل إذا شعر بأن أسرار عمله قد يعرفها الناس، فإنه يُحجم عن تشغيل العمال إلا بمعايير دقيقة، أو قد لا يثق بهم، فلا يُطلعهم على ما يريدون من معلومات بالقدر الكافي، وبهذا يفقد العمل نسبًا كثيرة من نسب النجاح، وفي ذلك ضرر واضح بالعامل وصاحب العمل.
٤. قول الرسول - ﷺ -:" استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود" (٥)، وفي هذا الحديث ما يُلزم العامل بوجوب المحافظة على أسرار عمله وإبقائها طيّ الكتمان.
٥. قول الرسول - ﷺ -:" كفى بالمرء إثمًا أن يحدّث بكل ما يسمع" (٦)، وفيه إشارة إلى وجود أسرار تُخفى عن الناس.
٦. ما جاء في كتاب أدب الدنيا والدين: "اعلم أن كتمان الأسرار من أقوى أسباب النجاح وأدوم لأحوال الصلاح" (٧).
_________________
(١) سورة الضحى، آية رقم ١١.
(٢) الجصاص، أحكام القرآن، ج٣، ص١٦٧.
(٣) رواه الترمذي في سننه، كتاب البر، باب ما جاء أن المجالس بالأمانة، ص٤٤٦، برقم (١٩٥٩)، وقال: حديث حسن. ورواه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في نقل الحديث، ص ٧٣٠، برقم (٤٨٦٨).
(٤) سبق تخريجه ص ٤٨.
(٥) الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ج٢٠،ص٩٤، بدون رقم طبعة، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، مصر. البيهقي، أحمد بن الحسين، شعب الإيمان، تحقيق محمد السعيد بن بسيوني زغلول، ج٥، ص٢٧٧، ط١، ٢٠٠٠م، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان. والحديث صحيح، الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ج٣، ص٤٣٦، برقم ١٤٥٣.
(٦) رواه مسلم في مقدمة صحيحه، ص٩.
(٧) الماوردي، علي بن محمد بن حبيب، أدب الدنيا والدين، تحقيق مصطفى السّقا، ص ٢٩٥، ط٤، ١٩٧٨م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
[ ٦٢ ]
٧. وفي السنة الفعلية ما ورد أن الرسول - ﷺ - كان يستعين بالكتمان في غزواته، وفي هجرته وفي شئونه المهمة، وقد ورد في سيرته أنه - ﷺ - دخل على أبي بكر - ﵁ - قُبيل هجرته إلى المدينة، وكان عنده قوم جلوس، فطلب - ﷺ - منه لشدة تحرزه في أمر الهجرة وكتمه أمرها عن كل أحد إلا خاصته - ﷺ -، أن يُخرج من عنده، حتى يحدثه في أمرها، فقال له أبو بكر - ﵁ - "إنما هم أهلك" (١).
٨. ومنها ما ورد في النهي عن النميمة، فقد أدخلوا فيها إفشاء الأسرار؛ حيث ورد عن ابن عباس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - مر بقبرين فقال:" إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، أما الآخر فكان يمشي بالنميمة " (٢)، وقد قال شارح أنوار البروق "فحقيقة النميمة إفشاء السر، وهتك الستر عما يكره كشفه، وحينئذٍ ينبغي السكوت عن حكاية كل شئ شوهد من أحوال الناس، إلا ما في حكايته نفع لمسلم، أو دفع ضُرّ، كما لو رأى من يتناول مال غيره، فعليه أن يشهد به، بخلاف ما لو رأى من يخفي مال نفسه فذكره، فهو نميمة وإفشاء للسر" (٣).
وقد نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٣٣):" يُلزم العامل بتأدية عمله بإخلاص وأمانة وبالمحافظة على أسرار العمل " (٤) ثم أعطى صاحب العمل الحق في إنهاء عقد العمل دون الرجوع للعامل، حيث نصّ في المادة رقم (٤٠):" لصاحب العمل إنهاء عقد العمل من طرف واحد دون إشعار مع حقه في مطالبة العامل بكافة الحقوق الأخرى، عند ارتكابه أيًا من المخالفات الآتية منها: إفشاء الأسرار الخاصة بالعمل التي من شأنها أن تسبب الضرر الجسيم" (٥).
لكن القانون الفلسطيني لم يُشر إلى كيفية التعامل مع هذه الأسرار بعد انتهاء عقد العمل، فلم يورد نصًا يوضّح ذلك، وهذا ما قد يدفع بعض العمال -سيئي النية- إلى قصد إنهاء عقد العمل، ليستعمل هذه الأسرار ضد صاحب العمل، وهذا بالتعاون مع منافسيه في العمل، وقد يُقدم العامل على بيع هذه الأسرار، وقد حدد شرّاح قانون العمل الفلسطيني نطاق الالتزام بالمحافظة على أسرار صاحب العمل في عدّة أمور منها:"
١. إن التزام العامل بالمحافظة على أسرار ربّ العمل لا يقتصر على عمل معيّن، بل يشمل أي عمل يؤديه العامل لربّ العمل، كما لا يقتصر على مدة العقد، بل يمتد حتى بعد انتهاء العقد، والحكمة من بقاء العامل مُلزمًا بعد انقضاء العقد أنه لو اقتصر التزام العامل مدة العقد لاستطاع العامل التحايل
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب التقنع، ص ١٤٨٣، برقم (٥٨٠٧).
(٢) رواه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب الاستبراء من البول، ص٨، برقم (٢٠)، وهو حديث صحيح. ورواه النسائي في سننه، كتاب الطهارة، باب التنزه عن البول، ص١٤، برقم (٣١).
(٣) القرافي، الفروق وأنوار البروق في أنواع الفروق، ج٤، ص ٣٦٤، الفرق (٢٥٤).
(٤) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ١٩.
(٥) المصدر نفسه، ص ٢٢.
[ ٦٣ ]
على التحريم عن طريق إنهائه لعقد العمل أو فسخه، ولأن رب العمل قد يكون مهددًا بصورة أقوى إذا انتهى عقد العمل بسبب خلاف بينه وبين العامل الذي قد يُسارع في إفشاء هذه الأسرار إضرارًا برب العمل، وهذا الأمر يندرج تحت الأمور التي يلتزم بها العامل ديانة لا قضاءً.
٢. إن العامل يظل مُلزمًا بالحفاظ على أسرار رب العمل ما دامت لها صفة السرية، ومن ثَمّ إذا زالت هذه الصفة بأن أُذيعت بين الناس فإن العامل يتحلل من هذا الالتزام، هذا ما لم تكن إذاعتها على سبيل الإشاعة والتشهير برب العمل.
٣. إن التزام العامل يقتصر على عدم إفشائه إلى الغير، ومن ثَمّ إذا قام العامل باستعمال هذه الأسرار لنفسه أو لحسابه الخاص بعد انتهاء عقد العمل فإنه لا يُعدُّ مخلًا بالتزامه، إلا إذا كانت هذه الأسرار تتمثل في اختراعات سُجّلت براءة اختراعها" (١).
لذلك كله يجب التفريق بين ما هو سرّ وما هو خبرة وتكوين مهني، وهو ما يصعب من الناحية العملية، بحيث يكون إطلاق حظر الإفادة من السر بعد انقضاء علاقة العمل قيدًا على حرية العمل، ثم ينبغي التفريق بين إفشاء الأسرار للغير أو الإستفادة منها لحسابه الخاص أثناء العقد أو بعد انقضائه، لذا كان لزامًا على صاحب العمل حماية هذه الأسرار بعد انتهاء العقد، وذلك بالنصّ في عقد العمل على منع العامل من إفشاء الأسرار بعد انتهاء العقد، وأن يتم تعديل القانون ليتضمن نصًا قانونيًا، يُلزم العامل بالمحافظة على هذه الأسرار بعد انتهاء عقد العمل، وإلزام العامل بهذا الواجب يقتضيه مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود.
ومن المقرر أن كتمان هذه الأسرار لا يدخل تحت حُرمة كتمان العلم، وهو ما ذمّه القرآن الكريم في قول الله - ﷾ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴿١٥٩﴾ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، ولا يدخل كتمان أسرار العمل تحت وعيد الرسول - ﷺ - في قوله:" من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" (٣)؛ لأن المقصود من الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف هو ذمّ كتم الأحكام الشرعية، وما تتوقف عليه حياة الناس، ويؤيد ذلك سبب نزول الآية، حيث جاء في
_________________
(١) مشاقي، حسين، شرح أحكام قانون العمل الفلسطيني، ص٢٦.
(٢) سورة البقرة، الآيتان ١٥٩و١٦٠.
(٣) رواه ابن ماجه في سننه، كتاب اتباع سنة الرسول - ﷺ -، باب من سئل عن علم فكتمه، ص٦٣، برقم (٢٦١)،والترمذي في سسنه، كتاب العلم، باب ما جاء في كتمان العلم، ص ٥٩٧، برقم (٢٦٤٩) وقال عنه: صحيح.
[ ٦٤ ]
نزولها أن بعض الصحابة سألوا أحبار اليهود عن بعض ما جاء في التوراة فكتموهم إياه ورفضوا إخبارهم. (١)
والحديث عن أسرار العمل وضرورة الحفاظ عليها يستلزم منا الحديث عن منافسة العامل لصاحب العمل باستغلال هذه الأسرار، فإذا كان صاحب العمل يخشى منافسة العامل له فمن حقه أن يورد في عقد العمل شرطًا يمنع به العامل من منافسته، وهو ما يُعدُّ قيدًا على حرية العمل، وقد وضع شرّاح القانون شروطًا لصحة هذا القيد هي على النحو الآتي:
الشرط الأول: وجود مصلحة مشروعة لرب العمل من اشتراط عدم المنافسة، وتتحقق المصلحة إذا كان العمل الموكول للعامل يُتيح له الإطلاع على أسرار رب العمل، وترتيبًا على ذلك إذا كان العامل يعمل في أعمالٍ لا تمكنه من الإطلاع على أسرار العمل أو الاتصال بعملاء صاحب العمل، فإنه بذلك يكون بمنزلة الأجنبي من حيث منافسة رب العمل، وذلك كأن يكون العامل يعمل في قسم النظافة داخل المنشأة أو في قسم الاستقبال، ففي مثل هذه الحالات لا يجوز لصاحب العمل أن يشترط عليه عدم المنافسة.
الشرط الثاني: أن يقتصر شرط المنع من حيث الزمان والمكان ونوع العمل على القدر الضروري لحماية مصالح رب العمل المشروعة، وهو ما يتطلب توافر ثلاثة أمور في هذا الشرط هي:
١. المنع الزماني: كأن يكون المنع محددًا بزمن معيّن، ويتمثل ذلك باشتراط صاحب العمل على عامله عدم المنافسة طيلة عمله لديه فقط، أو بعد انتهاء العقد بينهما بمدة معيّنة، أما إذا كان المنع أبدًا فإن ذلك يُعتبر تعسفًا.
٢. المنع المكاني: بحيث يكون شرط المنع شاملًا لمنطقة جغرافية محدودة، وقد تكون المنطقة هي نفس المنطقة التي يمتد فيها نشاط صاحب العمل التجاري، وبالتالي إذا كان المنع مطلقًا كان ذلك تعسفًا أيضا.
٣. المنع من حيث نوعية العمل: ويجوز أن يكون شرط المنع - من حيث هذا القيد- مقتصرًا على الأعمال التي يقوم بها العامل عند صاحب العمل.
الشرط الثالث: أن لا يقترن الاتفاق بشرط جزائي مبالغ فيه، وعلة منع الاقتران حتى لا يبقى العامل مجبرًا على البقاء في خدمة صاحب العمل. (٢)
_________________
(١) السيوطي، جلال الدين، لُباب النقول في أسباب النزول، تحقيق محمد محمد تامر، ص٣٤، ط١، دار العنان، القاهر، مصر.
(٢) مشاقي، شرح أحكام قانون العمل الفلسطيني، ص ٢١. أبو شنب، شرح قانون العمل الجديد، ص١٥٨.
[ ٦٥ ]