حق العامل على الدولة بتوفير فرصة عمل
لا شك أنّ مبادئ الاقتصاد الإسلامي تقوم على الحرية الاقتصادية، المنضبطة بالنُّظم الإسلامية، وأنّ العامل له الحق في اختيار العمل الذي يناسبه، ويتفق - ولو بنسبة متغيّرة- مع ميوله ورغبته، ولا بدّ من تقرير مبدأ هام، ألا وهو مساواة الناس في اختيار عملهم المناسب، فكلٌ مُيسّرٌ لما خُلق له، وكل الناس سواسية.
وإذا كان العمل واجبًا في نظر الشارع والسؤال محظورًا إلا لمن يحتاجه، والدولة الإسلامية ما قامت إلا لتحقيق ما يحبه الشارع، وإزالة ما يكرهه، فمن الطبيعي أن تقوم الدولة الإسلامية بتسهيل سُبل العمل والكسب للأفراد، فهذا بعض ما عليها للمواطنين فتوجِد العمل لمن يحتاجه، وتقوم بإيجاد المشاريع النافعة لتشغيل الأفراد، ولا تنفق موارد الدولة على التوافه من الأمور، وعلى ما لا ينفع، وحتى إذا اقتضى الأمر لتشغيل الأفراد أن تقوم بإقراضهم من خزينة الدولة، فالقرض جائز وهو من أفضل الصدقة.
ولأن الفرد المسلم في مجتمعه له حقوق كثيرة، منها إلزام الدولة بإيجاد عمل لكل قادر عليه، محاربة للفقر والبطالة، ولقد أسست السنة الفعلية للرسول - ﷺ - القاعدة المكينة، حينما جاءه رجل أنصاري ليسأله، فقال النبي - ﷺ -:" أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حِلسٌ (١) نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقدحٌ نشرب فيه الماء، قال النبي - ﷺ -:" ائتني بهما"، قال: فأتاه بهما، فأخذهما الرسول - ﷺ - بيده، ثم قال: "من يشتري هذين؟ " فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال النبي - ﷺ -:" من يزيد؟ مرتين أو ثلاثًا" فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، فأعطاهما الأنصاري، وقال:" اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر (قدّومًا) (٢) فأتني به، ففعل، فأخذه النبي - ﷺ - حتى نشر فيه عودًا بيده وقال:" اذهب واحتطب، ولا أراك خمسة عشر يومًا"، فجعل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فقال النبي - ﷺ -:" اشتر ببعضهما طعامًا، وببعضهما ثوبًا، هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألة نُكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة، لذي فقر مدقع، أو لذي غُرم مفظع، أو لذي دم موجع" (٣)،
وموضع الاستدلال من هذا الحديث أن الرسول - ﷺ - حرص على تأمين العمل لهذا
_________________
(١) كساء على ظهر البعير تحت البرذعة، ويبسط في البيت تحت كريم المتاع، الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص٥٣٨.
(٢) آلة للنجر والنحت، وجمعها قدائم، المصدر نفسه، ص ١١٤٧.
(٣) رواه أبو داود في سننه، ص٢٨٥، كتاب الزكاة، باب ما تجوز فيه المسألة، برقم (١٦٤١)، وقال عنه الشيخ الألباني: حديث ضعيف ..
[ ٧٥ ]
الأنصاري، ووضع له خطة إنتاجية (خمسة عشر يومًا)، استطاع من خلالها أن يوفّر للأنصاري الاكتفاء الذاتي، في ظلّ وجود رأس مالٍ بسيط (درهم واحد) (١)، ومن خلال التأمل في الحديث السالف الذكر (حديث الاحتطاب) يُمكن استنباط مايلي:
١. ينبغي على العامل القادر على العمل أن يرفع أمره إلى ولي الأمر، أو من ينوب عنه، وهو ما نصّ عليه قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (١٠) " على كل شخص قادر على العمل وراغب فيه أن يُسجّل اسمه في مكتب العمل الواقع في دائرة إقامته" (٢).
٢. يجب على الدولة أو ولي أمر المسلمين أو نائبه أو من يوكل إليه الأمر في الدول الحديثة أن ينظر فورًا -بدون تأخير- في أي طلب يُقدّم إليه، وأن لا تتراكم القوائم، وتُدخَل البيانات على أجهزة الحاسوب ثم تُهمل، ويبقى الناس ينتظرون حتى تأتي المشاريع التشغيلية من الشرق أو الغرب، بل تسعى الدول للتشغيل بمقابل محدود.
٣. أن تستفيد الدول من قدرات العاملين ومؤهلاتهم، وتستغلّ ذلك في النافع المفيد.
٤. لا بدّ من مراقبة العمّال ومحاسبتهم باستمرار، ثم يتبع ذلك تقويم الأنشطة التي يقوم بها العامل من أجل الشعور بالمسئولية.
٥. تُلزم الدولة بالقضاء على التسوّل، وذلك بإيجاد بديل مقابل ومتزامن، مع الدعوة لمنع التسوّل والبطالة.
ويتضمن هذا التخطيط النبوي كل الأشغال الأخرى، من الصناعة والزراعة والتجارة، بحيث يؤدّي إلى الكسب، من خلال هذا الواجب المُلقى على الدولة كان لها أن لا توجب الزكاة على آلات الحرفيين، وفي ذلك يقول صاحب الفتاوى الهندية:" وكذا كتب العلم إن كان من أهله، وآلات المحترفين التي ينتفع بنفسها، ولا يبقى أثرها في المعمول" (٣) وفي هذا النص ما يُبين حرص الإسلام على تشجيع العلم وأهله، كما فيه تشجيع الاحتراف والمحترفين.
وقد نصّ قانون العمل الفلسطيني على إلزام الدولة بتوفير فرص عمل لكل القادرين عليه، حيث نصّت المادة رقم (٢) منه أن" العمل حق لكل مواطن قادر عليه، تعمل السلطة الوطنية على توفيره
_________________
(١) العلي، صالح حميد، عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي والنُّظم الاقتصادية المعاصرة، ص ٢٢٨، ط١، ٢٠٠٠م، دار اليمامة للطباعة والنشر، دمشق، سوريا، أصل الكتاب رسالة ماجستير من كلية الشريعة، جامعة دمشق، بإشراف الدكتور محمد الزحيلي.
(٢) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ١٣.
(٣) نظام وجماعة من علماء الهند، الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، ج١، ص ١٧٢، ط٣، ١٩٧٣م، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
[ ٧٦ ]
على أساس تكافؤ الفرص ودون أي نوع من أنواع التمييز" (١)، ولكن الواقع يُبين غير ذلك، إذ تتزايد نسبة البطالة في فلسطين بشكل كبير، وهذا راجع إلى سوء توزيع فرص العمل، أو تقصير الدولة في العمل على توفيرها، وكم هي الحاجة ماسّة لاستبدال المساعدات الموسمية والهبات المقدمة من وزارة الشؤون الاجتماعية بدخلٍ ثابت -لو كان محدودا- بشرط أن يكون ذلك مقابل عملٍ يقدّمه العامل للدولة وللمجتمع، لا أن يُعطى بعض العمال الأعطيات والهبات وهم في بيوتهم، لأن ذلك ينعكس سلبًا على فهم الناس لطبيعة العمل، وتشير الإحصاءات الرسمية إلى ارتفاع معدل البطالة بين المشاركين (ذكورًا وإناثًا) في القوى العاملة في الضفة الغربية ما بين عامي ١٩٩٩م -٢٠٠٧م، والجدول الآتي يوضح ذلك (٢).
المحافظة والجنس ١٩٩٩م ٢٠٠٠م ٢٠٠١م ٢٠٠٢م ٢٠٠٣م ٢٠٠٤م ٢٠٠٥م ٢٠٠٦م ٢٠٠٧م
كلا الجنسين جنين ١٢.٥ ١٦.٦ ٣٧.٢ ٤٥.١ ٣٥.٥ ٢٨.٧ ٢٥.٣ ٢٣.٢ ١٩.٠
طوباس ١١.١ ١٦.٠ ٣٠.٩ ٣٩.٥ ٢٤.٨ ٢١.٩ ٢٠.١ ١٩.٥ ٢٠.٠
طولكرم ١٣.٨ ١٦.٧ ٢٠.٩ ٢٣.٦ ٢٤.٩ ٢٢.٤ ٢١.٩ ٢١.٩ ٢٠.٥
نابلس ٩.٢ ١١.٢ ٢٢.٩ ٢٩.٥ ٢٥.٨ ٢٠.٨ ١٨.١ ١٧.٦ ١٥.٦
قلقيلية ١٣.٥ ١٧.٧ ٣٢.٩ ٢٧.٠ ٢٢.٧ ٢٢.٢ ٢٠.٩ ١٦.٥ ١٦.٤
سلفيت ١٣.٩ ١٨.١ ٤٠.٧ ٢٩.١ ٢٣.٢ ١٨.٩ ٢١.٣ ١٧.٦ ١٨.٩
رام الله والبيرة ٥.٩ ٩.٦ ٢٦.٢ ٢٥.٩ ٢٠.٥ ١٩.٨ ١٥.٨ ١٦.٣ ١٦.٠
أريحا والأغوار ٦.١ ٧.٣ ١١.٤ ١٠.٩ ٩.٤ ١٣.٠ ١٣.٢ ١٤.٤ ٩.٨
القدس ٩.٨ ١١.٦ ١٥.٢ ٢٧.٨ ٢٢.٣ ٢٢.٨ ١٦.٨ ١٣.٢ ١٣.٤
بيت لحم ١٢.٠ ٩.٧ ١١.٥ ٢٠.٦ ١٨.٤ ٢١.١ ١٣.٥ ١٣.٧ ١٧.٥
الخليل ٦.٤ ١٠.٦ ١٦.١ ٢٦.٧ ٢٢.٣ ٢٥.٣ ٢٦.١ ٢٣.٣ ٢٢.٢
مجموع الضفة ٩.٥ ١٢.١ ٢١.٥ ٢٨.٢ ٢٣.٨ ٢٢.٩ ٢٠.٣ ١٨.٦ ١٧.٧
_________________
(١) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص١١.
(٢) الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني http://www.pcbs.gov.ps/Portals/_PCBS
[ ٧٧ ]
ومما ينبغي التنبيه إليه أن تتاح لجميع العمّال فرصٌ متساوية، وليس من العدل أن تُتاح فرص العمل لأصحاب الشهادات العليا، ويحرم العوام منها، ومن الأمثلة العملية على تكافؤ الفرص ما رواه المؤرخون عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (١) - ﵀- أن أحد ولاته كتب إليه أن أناسًا من العمّال الذين قبله اقتطعوا من مال الله مالاّ عظيمًا، وطلب الإذن منه لاستخراجه من أيديهم بالقوة والعذاب، فردّ عليه قائلًا:" أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر، كأني لك جُنة من عذاب الله، وكأن رضائي يُنجيك من سخط الله، فانظر، فمن قامت عليه البينة فخذه بما قامت عليه به، ومن أقرّ لك بشيء فخذه بما أقرّ به، ومن أنكر فاستحلفه بالله، وخلّ سبيله، فو الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحبّ إليّ من أن ألقى الله بدمائهم" (٢)،
وهذا يدل على حرص عمر بن عبد العزيز - ﵀- على توزيع فرص الغنى بين أبناء المسلمين، ويُقاس عليه توزيع فرص العمل بين أبناء المسلمين، وهنا نتساءل أين العدل من توزيع فرص العمل في أيامنا؟ بل وأين توزيع فرص الشبع بين المسلمين؟ من أجل ذلك ينبغي أن يُعرف أن توفير فرص العمل للجميع هو حق إنساني يستحقه الإنسان، بصفته الإنسانية المحضة، لا بصفته من أبناء طبقة خاصة أو أسرة معيّنة، (٣) وقد نصّ الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان في المادة رقم (١٣):" العمل حق تكفله الدولة والمجتمع لكل قادر عليه، وللإنسان حرية اختيار العمل اللائق به، مما يحقق به مصلحته ومصلحة المجتمع، وللعامل حقه في الأمن، والسلامة، وفي الضمانات الاجتماعية الأخرى كافة، ولا يجوز تكليفه بما لا يطيقه أو إكراهه أو استغلاله أو الإضرار به" (٤).
_________________
(١) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، كان أبوه من خيار بني أمية وبقي أميرًا لمصر أكثر من عشرين سنة، أمه لأم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب - ﵃ -، الراجح أنه ولد سنة ٦١هـ في المدينة المنورة زمن يزيد، يُقال له أشج بني مروان؛ لأن فرسًا ضربه في وجهه، تزوج فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، توفي يوم الجمعة لعشر ليالٍ بقين من شهر رجب سنة ١٠١هـ، وقد استمرت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وكان عمره يوم وفاته ٤٠سنة. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، طبقات الحفاظ، ص٥٣، ط٢، ١٩٩٤م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٢) ابن الجوزي، عبد الرحمن، سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص ١٠٤، ط١، ١٩٨٤م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان ..
(٣) القرضاوي، يوسف، دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، ص٣٦٩، ط١، ١٩٩٥م، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر.
(٤) الألفي، أسامة، حقوق الإنسان وواجباته في الإسلام، ص٨٣، بدون رقم طبعة، دار الوفاء، الإسكندرية، مصر.
[ ٧٨ ]