تحديد الأجرة
تُعتبر الأجرة أحد أركان عقد الإجارة عند جمهور الفقهاء، والتي اعتبروا هذه الأركان ثلاثة هي على النحو الآتي:
١. العاقدان: وهما شخص المؤجر والمستأجر.
٢. المعقود عليه: ويكون بالمنفعة.
٣. الصيغة: وتتكون من الإيجاب والقبول. (١)
أما فقهاء الحنفية فقد اعتبروا الصيغة هي الركن الوحيد للإجارة، لأنها تُثبت حقيقة الإجارة، وبقية الأركان التي ذكرها الجمهور اعتبرها الحنفية شروطًا لتحقيق الماهية، (٢) ويرجع الخلاف بين الجمهور والحنفية إلى أن الجمهور يعتبرون الركن ما يتوقف عليه وجود الشيء، وإن لم يكن جزءًا من حقيقته، وبذلك يعدّونها ثلاثة (٣)، أما الحنفية فإنهم يرون الركن ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان داخلًا في الماهية، وماهية العقد هي الصيغة (٤).
وبما أن الأجرة هي أحد أركان عقد الإجارة - عند الجمهور- وتُعتبر عنصرًا أساسيًا من عناصر عقد العمل، بحيث لا يمكن أن تقوم للعقد قائمة بدونها، كما أنها تُعتبر أهم الحقوق التي يسعى العامل لأخذها في موعدها، لذلك جعلتها من أوائل الحقوق المادية التي يستحقها العامل.
وقد عرّف علماء اللغة الأجرة بأنها: الجزاء على العمل (٥).
أما علماء الشريعة فيرون أن الأجرة هي: "العوض الذي يدفعه المستأجر للمؤجر في مقابلة المنفعة التي يأخذها منه" (٦)، وقد وضح قانون العمل الفلسطيني المقصود بالأجرة بأنها:" الأجر
_________________
(١) الدسوقي، حاشية الدسوقي، ج٤، ص٢. البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج٢، ص٣٥١. الرملي، أحمد بن حمزة، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ج٥، ص٢٦٣، الطبعة الأخيرة، ١٩٨٤م، دار الفكر، بيروت، لبنان.
(٢) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٥، ص١٠٥.
(٣) الدسوقي، حاشية الدسوقي، ج٤، ص٢. البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج٢، ص٣٥١.
(٤) السرخسي، المبسوط، ج١٥، ص٧٤.
(٥) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص٣٤٢.
(٦) الدسوقي، حاشية الدسوقي، ج٤، ص٢. الشربيني، مغني المحتاج، ج٢، ص١٢. البهوتي، كشف القناع، ج٢، ص١٥٢. ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد، شرح فتح القدير للعاجز الفقير، ج١، ص٤٠، بدون رقم طبعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
[ ١٠٢ ]
الأساسي مضافًا إليه العلاوات والبدلات" (١)، وللأجرة أنواع، استقيتها من مجموع مطالعات، وهي على النحو الآتي:
١. أجرة النقود: وهي الأصل في الإجارات والأعمال، لأن النقود هي أكثر ما يستفيد منه العامل لقضاء حوائجه، ولاعتبار النقود أداة التبادل التجاري، ولا يمكن أن يقوم الاقتصاد المحلي والعالمي دون استخدام العملات النقدية.
٢. أجرة العروض: كأن يعمل العامل في مصنع مقابل حصوله على بعض السلع التي ينتجها هذا المصنع.
٣. أجرة النفقة: كأن يستأجر صاحب منشأة رجلًا يخدمه، مقابل إطعامه وكسوته، وقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من الأجرة على النحو الآتي:
أ. ذهب بعض فقهاء الحنفية (٢) في قول لهم، والحنابلة (٣)، والشافعية (٤) والمالكية (٥) إلى القول بعدم جواز هذا العقد؛ لأن الأجرة مجهولة جهالة فاحشة تفضي إلى المنازعة.
ب. ذهب فريق من فقهاء الحنفية (٦) إلى عدم جواز ذلك إلا في الظئر (٧) لورود النص القرآني في ذلك وهو قول الله - ﷾ -: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٨).
_________________
(١) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص١٠.
(٢) (أبو يوسف ومحمد رحمهما الله) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٥، ص١٢٧. ابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج٦، ص٥١. الكاساني، بدائع الصنائع، ج٤، ص١٩٣.
(٣) ابن قدامة، المغني، ج٦، ص٦٨. الشيباني، عبد القادر بن عمر، ابن ضويان، إبراهيم بن محمد، المعتمد في فقه الإمام أحمد، ج١، ص٥١٣، دار الخير، بيروت، لبنان.
(٤) الرافعي، الشرح الكبير، ج٦، ص٨٤.الشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي، ج٢، ص ٤٠٦.
(٥) الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج٤، ص٨. الصاوي، أحمد بن محمد، بلغة السالك إلى مذهب الإمام مالك، ج٢، ص ٢٧٠، الطبعة الأخيرة، ١٩٥٢م، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر.
(٦) أبو حنيفة ﵀، الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٥، ص١٢٧.السرخسي، المبسوط، ج١٥،ص ١١٩.
(٧) هي المرأة المرضعة لغير ولدها، الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص٤٣٢.
(٨) سورة البقرة، آية رقم ٢٣٣.
[ ١٠٣ ]
ت. وذهب بعض فقهاء الحنابلة إلى القول بالجواز المطلق (١)،حيث رُوي عن الرسول - ﷺ - أنه قال:" إن موسى آجر نفسه ثمان سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه" (٢) ومما يظهر لنا أن الحنابلة كان لهم ثلاثة أقوال في المسألة، وقد ذكر صاحب المغني أن إجماع الصحابة على هذا الأمر هو أحد أدلتهم على قولهم بالجواز المطلق. (٣)
والراجح- والله تعالى أعلم- هو الجواز، حيث جاء في المغني:" وكأن الكسوة عرفًا وهي كسوة الزوجات، وللإطعام عرفًا، وهو الإطعام في الكفارات فجاز إطلاقه" (٤) وقد تعارف الناس اليوم على أن يُقدّم المستأجر وجبات غذائية للأجير كالتي تُقدّم لأمثاله وتكفيه، أما الكسوة فقد تقدّم قول صاحب المغني بأنها للمرضعات، ويُمكن أن يُقاس عليها تلك العاملات في البيوت، وبالنسبة لكسوة الرجال من العاملين فيرى الباحث أن هذا راجع لعرف أهل المهنة، ويختلف ذلك باختلاف طبيعة العمل الذي يقوم به الأجير، فهناك من الأعمال التي تتسبب في تقطيع الملابس، ويمكن تقدير ذلك بكسوتين، واحدة في للصيف وأخرى في الشتاء.
٤. الأجرة بالمنفعة: وهذا كأن يتفق رجلان على أن يُصلح أحدهما سيارة الأخر مقابل أن يحصل على أجرة هي منفعة، كأن يتعلم منه حرفة معينة في وقت معيّن.
٥. أجرة بالحصة، ولا تختص بعقد الإجارة وحدها، بل لها صلة ببعض العقود الأخرى، كالمزارعة، وعقد المضاربة، بحيث تكون أجرة العامل حصة محددة من الإنتاج، ويتم تحديدها عند العقد.
٦. أجرة المثل، وتكون حينما يترك العاقدان العقد دون تحديد مقدار الأجرة، ويتركانها للعرف، على أن لا يتفقا على شيء لم يقرّه الشارع الحكيم، فقد نصّ ابن تيمية -رحمه الله تعالى- على أن مردّ الأجور إلى العرف فقال:" والمرجع في الأجور إلى العرف، وكذلك في البيع" (٥)، وهذا عند ترك بيانها، ولأهمية نظام الأجور في أية مؤسسة فقد وضع علماء الإدارة العصرية مجموعة من الخصائص التي ينبغي أن يتمتع بها هذا النظام منها:
١. العدالة: حيث إنها شرط مهم لأي نظام سليم ومتوازن للأجور، وهي قسمان:
_________________
(١) المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ج٦، ص١٢.
(٢) رواه ابن ماجه في سننه، كتاب الرهون، باب إجارة الأجير على طعامه وبطنه، ص ٤١٧، برقم (٢٤٤٤) وحكم عليه الإمام الألباني بأنه حديث ضعيف جدًا.
(٣) ابن قدامة، المغني، ج٦، ص ٦٩.
(٤) المصدر نفسه، ج٦، ص٦٩.
(٥) ابن تيمية، أحمد، نظرية العقد، ص١٦٤، بدون رقم طبعة، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
[ ١٠٤ ]
الأول: العدالة الخارجية: وهي مقاربة الأجور مع تلك التي تمنحها مؤسسات مشابهة، ولنفس الموظف وبنفس المؤهلات.
العدالة الداخلية: وهي العدل في ذات الوظيفة وبين الوظائف المختلفة ضمن نفس المنشأة، بحيث يكون الراتب عادلًا في مكافأة المؤهلات والخبرة.
٢. الوضوح: ونقصد بذلك أن يتسم نظام الأجور بوضوح قواعده، بحيث يتمكن كل موظف من معرفة كيفية تحديد أجره.
٣. الشفافية: وتعني أن يكون هذا النظام مكشوفًا وليس سريًا.
٤. الاستقرار والثبات: بحيث يكون ثابتًا ومستقرًا، فلا يتم تغييره إلا عند توفر شروط موضوعية تستدعي ذلك التغيير.
٥. ارتباط الأجر بالأداء الفعلي للعامل. (١)
ومع أن عنصر الأجر يُعتبر من العناصر الأساسية والجوهرية في العقد إلا أنه لا يُلزم الطرفان بالاتفاق عليه قبل البدء في العمل، فإذا عمل العامل لدى صاحب العمل دون اتفاق على الأجرة مع انتفاء نية التبرع، ففي هذه الحالة أرست بعض القوانين العربية قواعد يُعتمد عليها في تحديد الأجرة:
الأولى: أجرة المثل.
الثانية: تحديد الأجرة طبقًا لعرف الجهة التشغيلية التابع لها.
الثالثة: تقدير الأجرة بمعرفة القضاء، وذلك في حالة فقدان القاضي لأجر المثل أو عرف المهنة. (٢)
وقد سبق أن ذكرنا أن عقد الإجارة من عقود المعاوضات، والأصل في هذا النوع من العقود أن يتم بتراضي العاقدين لقول الله - ﷾ - " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣) وهذا يعني أن موضع الاستدلال من الآية الكريمة أن الشرط الوحيد هو رضا الطرفين، وترك حرية الاتفاق بينهما على سعر البيع، أو سعر المنفعة، وقد اختلف الفقهاء في جواز تدخل ولي أمر المسلمين في تحديد سعر المبيع وهو ما يُعرف بالتسعير، الذي هو أمر السلطان أو نوابه، أو كل من يلي أمور المسلمين شيئًا أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيُمنع من الزيادة والنقصان بمصلحة (٤)، أو هو:" أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمر أهل السوق ألّا يبيعوا إلّا بسعر كذا فيمنعون من الزيادة
_________________
(١) الطائي وآخرون، إدارة الموارد البشرية، ص٣٥٢.
(٢) رمضان، الوسيط في شرح قانون العمل الأردني، ص١٣٦.
(٣) سورة النساء، آية رقم ٢٩.
(٤) المباركفوري، محمد عبد الرحمن عبد الرحيم، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ج٤، ص٤٣٤، ط١، ٢٠٠٥م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
[ ١٠٥ ]
عليه أو النقصان لمصلحة" (١)، ومن المعاصرين من عرّفه بقوله:" إجبار أرباب السلع أو المنافع الفائضة عن حاجتهم على بيعها بثمن أو أجر معيّن، بموجب أمر يُصدره موظف عام مختص بالوجه الشرعي، عند شدة حاجة الناس أو البلاد إليها" (٢)،
وقد اختلف الفقهاء في حكم التسعير على أربعة أقوال، أذكرها بإيجاز:
القول الأول: المنع، وهو قول الجمهور (٣) من الحنفية والشافعية والحنابلة وطائفة من المالكية، وقد استدلوا بقول الرسول - ﷺ - حينما غلا السعر على عهده فقيل له: يا رسول الله: لو سعّرت فقال:" إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعّر، وإني لأرجو أن ألقى الله ﷿ ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه من دم ولا مال" (٤) وموضع الاستدلال من هذا الحديث أن التسعير مظلمة، والظلم حرام لا يجوز، ثم إن المسلمين قد طلبوا من الرسول - ﷺ - التسعير، ولو كان جائزًا لأجابهم (٥)، كما أن الناس مسلطون على أموالهم، وليس لأحد أن يأخذها بغير طيب أنفسهم. (٦)
القول الثاني: الجواز في الأموال والأعمال إذا احتاج الناس إلى ذلك، وقال بذلك الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم- رحمهما الله-، واستدلوا بما ثبت في السنة أن سمرة بن جندب (٧) كانت له شجرة في
_________________
(١) الشوكاني، نيل الأوطار، ج٥، ص٢٤٨.
(٢) العبّادي، عبد السلام داود، الملكية في الشريعة الإسلامية، ج٢، ص٣٥٩، ط١، ٢٠٠٠م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان .. وقد ذكر المؤلف أن هذا التعريف للدكتور فتحي الدريني ذكره في مذكراته في التسعير والاحتكار التي ألقاها على طلبة كلية الشريعة بجامعة دمشق.
(٣) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج٤، ص١٦١.الكشناوي، أبو بكر بن حسن، أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك، ج٢، ص ٣٠٥،ط٢، مكتبة عيسى البابي الحلبي وأولاده. الماوردي، الحاوي الكبير، ج٧، ص٨٠. ابن قدامة، محمد بن أحمد، الشرح الكبير بهامش المغني، ج٤، ص٤٤، طبعة عام ١٩٧٢م، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان. ابن حزم، المحلّى، ج٩، ص٤٠. أبو يعلى، محمد بن الحسين الفراء، الأحكام السلطانية، تصحيح وتعليق محمد حامد الفقي، ص٣٠٣، ط٣، ١٩٧٤، دار الفكر، بيروت، لبنان.
(٤) رواه ابن ماجه في سننه، ص٣٧٨، برقم (٢٢٠٠) وقال عنه الشيخ الألباني: حديث صحيح. والترمذي في سننه، ص٣١١، برقم (١٣١٤) والهيثمي في مجمع الزوائد، ج٤، ص٩٩.
(٥) ابن قدامة، المغني، ج٤، ص١٦٤.
(٦) الماوردي، الحاوي الكبير، ج٦، ص١٦١.
(٧) ابن هلال الفراري، من علماء الصحابة، نزل بالبصرة، قال عنه ابن سيرين:" كان سمرة عظيم الأمانة صدوقًا" كان زياد ابن أبيه يستخلفه على البصرة إذا سافر إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا سافر إلى البصرة، وعُرف بشدته على الخوارج، حيث قتل منهم جماعة، توفي في سنة ٥٨هـ. الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج٣، ص ١٨٦.
[ ١٠٦ ]
حائط رجل من الأنصار، وكان صاحب الحائط يتضرر من دخول سمرة لشجرته، فشكا إلى النبي - ﷺ -، فطلب من سمرة أن يقبل بدلها، أو يتبرع بها، فلم يفعل. وعند ذلك أذن الرسول - ﷺ - لصاحب الحائط أن يقلعها، وقال لسمرة:" إنما أنت مضار (١) " (٢)
القول الثالث: المنع إذا باع الشخص بأكثر أو أقل من السوق، وقد روي هذا القول عن بعض المالكية (٣)، واستدلوا بما ورد عن عمر بن الخطاب - ﵁ - مرّ بحاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر:" إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا" (٤)، ولأن رفع الأسعار يؤدي إلى الإضرار بالمسلمين، وخفضها يؤدي إلى الإضرار بأهل السوق، وإلى الشغب والخصومة.
القول الرابع، جواز التسعير بشرط أن يوجد الضرر على المشترين (٥)، وروي عن بعض الحنفية. (٦)
وبعد ذكر مذاهب الفقهاء وأدلتهم يتبين أن التسعير تدبير تشريعي اجتهادي خاضع للمصلحة، ويقوم بهذا التدبير من يلي أمور الدولة أو الوظائف، كما أنه من التدابير التي تعالج الأزمات الاقتصادية،
_________________
(١) رواه أبو داود في سننه، ص ٦٥٢، برقم (٣٦٣٦) وحكم عليه الشيخ الألباني بأنه ضعيف. ابن رجب الحنبلي، أحمد، جامع العلوم والحكم، تحقيق عبد الله المنشاوي، ص ٣٤٥، ط١، ١٩٩٦م، مكتبة الإيمان، المنصورة، مصر، وحكم محقق الكتاب عليه بما حكم الشيخ الألباني.
(٢) ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، اعتنى به ورتّب مادته وبوّبها صالح أحمد الشامي، ص٤٣٣، ط١، ٢٠٠٢م، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج ٢٨،ص٩٣ وج٢٨، ص٧٧.
(٣) ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد، الكافي في فقه أهل المدينة، ج٢، ص٣٦٠، ط ٢، ١٩٩٢م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. ابن جزي، محمد بن أحمد، القوانين الفقهية، ص ٢٨١، بدون رقم طبعة، دار القلم، بيروت.
(٤) مالك بن أنس، الموطأ، تحقيق حامد أحمد الطاهر، ص٤٣٢، طبعة عام ٢٠٠٥م، دار الفجر، القاهرة، مصر، وحكم عليه محقق الموطأ بأن هذه الرواية معمول بها كون ابن المسيب أعلم الناس بقضايا عمر بن الخطاب - ﵁ - ابن القيم، الطرق الحكمية، ص٣٠٠.
(٥) الكاساني، بدائع الصنائع، ج٥، ص ١٢٩. النشوي، ناصر أحمد، الاحتكار والمحتكرون في الميزان الشرعي والقانون الوضعي، ص٣٠٢، ط١،، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، مصر.
(٦) الموصلي، الاختيار في تعليل المختار، ج٣، ١١٥.
[ ١٠٧ ]
وهو تدبير يُلجأ إليه لوقاية المجتمع من الاستغلال والاحتكار (١)، واختلاف الفقهاء في حكم التسعير يترتب عليه اختلافهم في الأشياء التي يجري فيها التسعير، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن التسعير يكون في القوتين (قوت الإنسان وقوت الحيوان) وغيرهما مما تعمُّ الحاجة إليه لجميع الناس وبذلك قال بعض الحنفية (٢)، وبه قال ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم رحمهما الله تعالى.
القول الثاني: ذهب بعض المالكية (ابن حبيب (٣) إلى أن التسعير ينحصر في المكيل والموزون، مأكولًا كان أو غير مأكول. (٤)
القول الثالث: وهو لابن عرفة (٥) من المالكية، وفيه أن التسعير لا يكون إلا في المأكول دون غيره (٦). والراجح-والله تعالى أعلم - أن التسعير يكون في القوتين وغيرهما مما تعمّ به حاجة الناس، نظرًا لأن هذا القول يتفق مع قواعد الشريعة العامة التي تسعى لرعاية مصالح الأمة ودفع الضرر والاستغلال عنهم، كما أن حاجة الناس إلى غير الأقوات قد تفوق حاجتهم إلى الأقوات (٧).
_________________
(١) العبّادي، الملكية في الشريعة الإسلامية، ج٢، ص٣٧٤. بتصرف
(٢) ابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج٦، ص٤٠٠. ابن تيمية، الحسبة في الإسلام، ص١٦، بدون رقم طبعة وبدون دار نشر. ابن القيّم، الطرق الحكمية، ص٢٤٤. وممن قال بذلك من العلماء المعاصرين الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في بحثه الموسوم (حكم التسعير) المنشور في مجلة البحوث الإسلامية، ص٩٤، اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، المملكة العربية السعودية.
(٣) عبد الملك بن حبيب بن سليمان القرطبي، عالم أندلسي، ولد سنة ١٧٠هـ، له من مؤلفاته: كتاب فضائل الصحابة وكتاب طبقات الفقهاء والتابعين، توفي سنة ٢٣٩هـ. القاضي عياض، ترتيب المدارك، تحقيق أحمد محمود، ج٣، ص٣٠، بدون رقم طبعة، مكتبة الحياة، بيروت، لبنان.
(٤) الباجي، سليمان، المنتقى شرح الموطأ، ج٥،ص١٥،ط٢، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، مصر.
(٥) محمد بن عرفة الورغمي التونسي، ولد سنة ٧١٦هـ، له كتاب مختصر في الفقه، توفي سنة ٨٠٣هـ. مخلوف، محمد، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، ص٢٢٦، طبعة عام ١٩٣٠م، المطبعة السلفية، القاهرة، مصر.
(٦) الباجي، المنتقى شرح الموطأ، ج٥، ص١٨.
(٧) الدريويش، أحمد بن يوسف بن أحمد، أحكام السوق في الإسلام وأثرها في الاقتصاد الإسلامي، ص٣٩٤، ط١، ١٩٨٩م، دار الكتب، الرياض، السعودية، أصل الكتاب رسالة دكتوراة من كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود، وقد نوقشت عام ١٩٨٤م، بإشراف الدكتور محمد بن أحمد الصالح.
[ ١٠٨ ]
وينطبق ما سبق بيانه على التسعير في بيع الأعيان والمنافع، أما تحديد الأجور فنعني به معرفة الأسس التي يُعرف بها أن أجرة العامل مقابل قيامه بعمل ما يساوي مبلغ معيّن، والتسعير في الإجارة تكون في حالين:
الأولى: التسعير في أجرة منافع الأعيان، ويُقصد به تحديد أسعار الإيجار لكل عين يصح الانتفاع بها وتأجيرها، كتحديد أسعار الإيجار للعقارات، أو تحديد تسعيرة لأجرة النقل والمواصلات كأجرة الطائرات أو السيارات أو السفن، وهذا النوع من التسعير جائز، حيث لا يخرج عن المصلحة العامة التي من أجلها أُبيح التسعير في السلع، خاصة إذا كان مبني على العدل، وقد صدرت الفتوى من مفتي عام المملكة العربية السعودية الأسبق (١)، بتحريم التسعير للعقارات في حال عدم الحاجة لذلك، وبهذا يظهر أن مناط الحكم في التسعير هو وجود المصلحة فمتى وجدت جاز، ومتى كان التسعير مضرًا أو محتويًا على شيء من الظلم فهو ممنوع.
الثانية: التسعير في أجرة منافع العمال (الأجير بنوعيه: العام والخاص) والتسعير على الأجير الخاص أو الأجير المشترك جائز، بل قد يكون هو الواجب والمتعيّن في بعض الأحيان، وهو الذي تقوم به بعض الدول، حماية لحقوق الأجراء، وحقوق المستأجرين لهم (٢)، يقول ابن تيمية ممثلًا للتسعير في أجرة العمال: "وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل، لا يمكّن المستعملون من ظلمهم، ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم، فهذا تسعير في الأعمال" (٣)،وقد أطلق ابن القيم﵀- على هذه العملية (التسعير في الأعمال)، حيث أفاد بأن الناس إذا احتاجوا إلى فلاحة قوم أو نسجهم أو بنائهم أصبحت هذه الأعمال مستحقة عليهم، ولولي الأمر أن يجبرهم على هذه الأعمال بعوض المثل، كما أن الجند المرابطون للجهاد إذا احتاجوا لفلاحة أرضهم فلولي الأمر أن يُلزم الفلاحين بالعمل فيها، كما يُلزم الجنود بأن لا يظلموا الفلاحين في دفع الأجور. (٤)
_________________
(١) الشيخ محمد بن إبراهيم.
(٢) السحيباني، عبد الله بن عمر، التسعير في ظل الأزمة المالية المعاصرة، بحث منشور على موقع الإسلام اليوم، http://www.islamtoday.net/bohooth/artshow، بتصرف يسير.
(٣) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج ٢٨، ص٨٦، ٨٧. ويقول أيضًا في الطحانين والخبازين: " الذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت، فهؤلاء يستحقون الأجرة، وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل، كغيرهم من الصناع ". المرجع نفسه، ج٢٨،٨٩.
(٤) ابن القيم، الطرق الحكمية، ص٢٣٨ بتصرف.
[ ١٠٩ ]
ويمكن أن نستدل على جواز التسعير في الأعمال بقول الله - ﷾ -: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وموضع الاستدلال أن التعاون على كل ما هو برّ يتفرع عنه إجبار صاحب العمل على إعطاء الأجير الأجرة العادلة تتناسب مع مقدار العمل الذي قام به مقارنًا بالجهد الذي بذله، كما يُستدلّ بقول الله - ﷾ -: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢) وفي ذلك إرساء لقواعد العدل في المجتمع، ومنعًا للخصومة والشقاق بين العامل وصاحب العمل، ومع ميلنا للقول بجواز تسعير الأجور إلا أن من العلماء المعاصرين من وضع شروطًا عامة للتسعير منها:
١. أن يكون التسعير بناءً على دراسة مستفيضة واستشارات علمية صادقة من الخبراء المنزَّهين عن أي مصلحة شخصية.
٢. أن يوجد الحرص الكامل من الدولة وأجهزتها المعنية على تحقيق مصالح العباد، وإلا كان التسعير ضربًا من العبث.
٣. لا يجوز الالتجاء إلى التسعير إلا إذا كانت الدولة قد اتخذت كافة الاحتياطات اللازمة للحيلولة دون تلاعب المحتكرين، ومن هم ورائهم ممن لهم مصلحة بذلك. (٣)
أما كيفية تحديد الأجور فيرى فقهاء الشريعة الإسلامية أن ذلك يتم بطريق أهل الخبرة والاختصاص، مضافًا إلى خبرتهم واختصاصهم أمانتهم، حيث ذكر صاحب رد المحتار على الدرّ المختار:" أن طريق علم القاضي بالزيادة أن يجتمع رجلان من أهل البصر والأمانة، فيؤخذ بقولهما معًا عند محمد وعندهما (٤) قول الواحد يكفي" (٥) ويعتبر في كل تجارة أهلها، وفي كل صنعة أهلها.
ونشير إلى أن علماء الإسلام تحدثوا عن لجان تحديد الأسعار والأجور، وعن أعضائها وكيفية اتخاذها للقرار منذ قديم العصور، فاشترطوا أن تضم اللجنة بين أعضائها:
أ. ولي أمر المسلمين، أومن يُنيبه عنه، مع التأكيد على امتيازه بالخبرة والاختصاص.
ب. من يُمثل رجال الأعمال والتجار وأصحاب الصناعات، حتى يعطوا رأيهم في السعر المناسب والعادل للسلعة، أو الخدمة التي يحصل عليها صاحب العمل.
_________________
(١) سورة المائدة، آية رقم٢.
(٢) سورة الشعراء، آية رقم ١٨٣.
(٣) النشوي، الاحتكار والمحتكرون في الميزان الشرعي والقانون الوضعي، ص٣٤٤.
(٤) أبو حنيفة وأبو يوسف.
(٥) حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج٦، ص٦٠٩.
[ ١١٠ ]
ت. من يمثل المستهلكين للسلع، أو المستفيدين من الأعمال، وينبغي لولي الأمر أن يُنازل هذه الأطراف ويفاوضهم، حتى يتوصل معهم إلى الأجرة العادلة والسعر العادل. (١)
ولقد تعرّض فقهاء الإسلام الذين كتبوا في الحسبة لموضوع الأجور وبيان حدّها الأدنى، مستنيرين بهدي الرسول - ﷺ - الذي حدده وكفله للعامل، بحيث ضمن له فرصة العيش في مستوى صاحب العمل، لقول الرسول - ﷺ -:" فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل " (٢) وموضع الاستدلال أن العامل ما دام يعيش في المجتمع والمحيط الذي يتواجد فيه صاحب العمل، وجب أن يعيش نفس الحياة الإنسانية المساوية لحياة صاحب العمل، وبالنسبة للحدّ الأعلى فلم يفرض له الإسلام مقدارًا معينًا، وإنما ربطه بالظروف التي تحيط بالمجتمع، مضافًا لذلك قدرة العامل وخبرته، ومؤهلاته العلمية، ولم يرد في قانون العمل الفلسطيني ما يُبين الحد الأدنى الذي لا يجوز أن يتقاضى العامل أقل منه، ولا حتى معيارًا لذلك، وتعليل ذلك سوء الأوضاع الاقتصادية التي تعصف بصاحب العمل وبالعامل، وبالتالي أهملت الحكومات المتتالية تحديد الحد الأدنى من الأجور، مع أن قانون العمل الفلسطيني جعل ذلك مسندًا للجنة الأجور، ثم عطف في المادة رقم (٨٧) من قانون العمل الفلسطيني على أنه تحديد الأجر الأدنى يصدر به قرار من مجلس الوزراء، والأصل أن يتم تحديد الحدّ الأدنى للأجور، بتشريع عام يسري على جميع العاملين الخاضعين لأحكام قانون العمل الفلسطيني، ثم إن تقدير أجرة العامل ليس بالمستحيل إذا أخلصت الأطراف المعنية النية، ويبقى أن تجتمع الأطراف الثلاثة الآتية لتقدير أجرة العامل، وهي:
أ. صاحب العمل، حتى لا يُجار عليه، ولا يُكلّف بدفع مبلغٍ أكثر ما تستحقه المنفعة المقدّمة إليه.
ب. مندوب عن المجتمع الذي يحرص أفراده على الحصول على السلع بثمن معتدل.
ت. العامل أو من يمثل طبقة العمّال، وهو الذي يحرص على الحياة الكريمة (٣)،وقد ذكر ابن قيم الجوزية (٤) - ﵀- ضرورة إضافة أحد القضاة إلى اللجنة. (٥)
_________________
(١) الباجي، المنتقى شرح الموطأ، ج٥، ص١١٩.
(٢) سبق تخريجه ص ٧٠.
(٣) الغزالي، محمد، حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة، ط١، ص١٣١، دار الدعوة للطباعة والنشر والتوزيع، الإسكندرية، مصر.
(٤) محمد بن أبي بكر بن أيوب، ولد سنة ٦٩١هـ بدمشق، من مؤلفاته زاد المعاد في هدى خير العباد، وإعلام الموقعين عن رب العالمين، وعدّ له محقق زاد المعاد ٩٥ مؤلفًا، توفي في ليلة الخميس الثالث عشر من شهر رجب سنة ٧٥١هـ. ابن كثير، إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، ج١٣، ص٥٥٠، مكتبة الإيمان مصر.
(٥) ابن القيم، الطرق الحكمية، ص ٢٣٧.
[ ١١١ ]
وهو أحدث ما توصلت إليه القوانين المعاصرة في تحديد الأسعار، حيث نصّ قانون العمل الفلسطيني على كادر يقوم بهذه المهمة، فجاء في المادة رقم (٨٦):" بناءً على توصية من الوزير يشكل مجلس الوزراء لجنة تسمّى (لجنة الأجور) من عددٍ متساوٍ من ممثلين عن الحكومة وعن أصحاب العمل وعن العمّال" (١)، وقد قرر مجلس الوزراء الفلسطيني تشكيل لجنة الأجور في جلسته المنعقدة بتاريخ:٢٢/ ٣/ ٢٠٠٤م:" تُشكَّل لجنة وطنية للأجور من خمسة عشر عضوًا يمثلون أطراف الإنتاج الثلاثة، وذلك على النحو التالي:
١. ممثلو الحكومة، وعددهم خمسة أعضاء، هم:
أ. وزير العمل، رئيسًا للجنة.
ب. وزير المالية، نائبًا للرئيس.
ج. وزير الاقتصاد.
د. وزير التخطيط، عضوًا.
هـ. وزير العدل عضوًا.
٢. خمسة من ممثلي أصحاب العمل، يتم اختيارهم من نقابات أصحاب العمل.
٣. خمسة من ممثلي العمال، يتم اختيارهم من نقابات العمال. (٢)
أما عن طبيعة عمل هذه اللجنة والأساس التي تبني عليه قرارها بتحديد الأسعار، فقد اختلف الكاتبون في هذه المسألة، فكانوا على أربعة أقوال:
القول الأول: يرى أصحابه أن الأجر يُقدّر بقيمة المنفعة التي يحصل عليها صاحب العمل من العامل، دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى، ويخضع تقدير هذه المنفعة لأهل الخبرة، وهو ما تتحكم فيه نظرية العرض والطلب.
القول الثاني: وقد اعتمد أصحابه على أساسين في تحديد الأجرة هما:
الأساس الأول: قيمة العمل.
الأساس الثاني: ما يكفي العامل وأهله بالمعروف من غير بخل تقتير، ولا إسراف ومغالاة.
وقد أيّد هذا القول الشيخ محمد أبو زهرة (٣)
- ﵀- وذلك لأن الأجرة تكون في غالب الأحيان هي المصدر الوحيد الذي تستند عليها حياة العامل، وبالتالي إذا لم يوفّر العامل ما يكفيه أدّى ذلك إلى
_________________
(١) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٣٥.
(٢) http://www.dft.gov.ps موقع ديوان الفتوى والتشريع في السلطة الوطنية الفلسطينية.
(٣) محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد" المعروف بـ "أبي زهرة" المولود في المحلة الكبرى التابعة لمحافظة الغربية بمصر في٦ من ذي القعدة ١٣١٥هـ الموافق ٢٩ من مارس ١٨٩٨م، ونشأ في أسرة كريمة تحرص على العلم والتدين. التحق الشيخ بأحد الكتاتيب التي كانت منتشرة في أنحاء مصر تعلم الأطفال وتحفظهم القرآن الكريم، وقد حفظ القرآن الكريم، وأجاد تعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم انتقل إلى الجامع الأحمدي بمدينة طنطا، وكان إحدى منارات العلم في مصر تمتلئ ساحاته بحلق العلم التي يتصدرها فحول العلماء، وكان يطلق عليه الأزهر الثاني؛ لمكانته الرفيعة، توفي عام ١٩٧٤م. http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=74789
[ ١١٢ ]
تركه للعمل (١)، ويُفيد هذا القول بأن قيمة العمل لا تصلح أساسًا لتقدير الأجرة؛ لأن ذلك يؤدي إلى اختلاف أجرة العامل باختلاف الأسعار في السوق، وهو ما يجعل العامل تابعًا لسعر السوق، كما إن اعتبار الكفاية مقياسًا للأجور لا يصلح أيضًا، لانعدام العدالة في توزيع الثروات، إذ العامل الأعزب والمتزوج إذا بذلا نفس الجهد فأخذا أجرة كفاية لهم، لحق بالعامل الأعزب ظلم واضح، في حين كان النبي - ﷺ - يُعطي الآهل حظين، ويُعطي العزب حظًا واحدا (٢).
القول الثالث: حيث يعتمد تحديد الأجور على نوعين من أنواع العدالة:
النوع الأول: عدالة التوزيع، بحيث يأخذ عمّال المهنة الواحدة أجرًا واحدًا، وذلك إذا بذل الجميع جهدًا متقاربًا مع تقارب الكفاءة.
النوع الثاني: عدالة السعر، وهو ما يعني أن يأخذ العامل أجرًا متعادلًا مع الجهد الذي يبذله دون التأثر بالتيارات أو الاحتكارات التي تتحكم في السوق، مع تخوّف أصحاب هذا القول من احتكار أصحاب الأعمال وتحديد الأجرة بأقل من سعر المنفعة، لذلك ينبغي على الدولة أن تعمل على إبقاء سعر المنفعة فوق الحدّ الأدنى للأجور، الذي هو حدّ الكفاية للعامل، وينتج هذا عن تشغيل الأيدي العاملة العاطلة عن العمل، وزيادة الأجر عند هبوط قيمة النقد (٣)، ولم يختلف كثيرًا عن القول الأول؛ لأن أجرة المثل تقتضي عدالة التوزيع وعدالة السوق.
القول الرابع: الأجر على أساس مدة الخدمة، حيث اتبع هذا الأسلوب في تحديد الأجور عمر بن الخطاب - ﵃ - بعد أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وتوافدت الأموال الكثيرة لبيت مال المسلمين، ثم نتج عن هذا وجود جيش ثابت للدولة الإسلامية، الأمر الذي دعاه لإنشاء الدواوين التي تشبه الوزارات في العصر الحديث، فوضع معيارين للعطاء هما:
_________________
(١) أبو زهرة، محمد، النظام الاجتماعي، بدون رقم طبعة، ص٥٢، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان.
(٢) رواه أبو داود في سننه، كتاب الخراج، باب قسم الفيء برقم (٢٩٥٣) وقال عنه الألباني في تعليقه على سنن أبي داود: "حديث صحيح" ص٥٢٦.
(٣) شقفه، محمد نصر، أحكام العمل وحقوق العمال في الإسلام،، ص٨٢، بدون رقم طبعة، دار الإرشاد، القاهرة، مصر.
[ ١١٣ ]
المعيار الأول: مساهمة الجندي في الفتوحات الإسلامية حتى عهده، فقال:" ليس من قاتل رسول الله - ﷺ - كمن قاتل معه" (١).
المعيار الثاني: تدرج الجنود في الإسلام وقرابتهم من رسول الله - ﷺ - فقال:" الرجل وقدمه، الرجل وبلاؤه، الرجل وعياله" (٢)
والراجح -والله تعالى أعلم- من أن أجرة المثل هي المعيار في تحديد الأجور، ويقدّر ذلك أهل الخبرة والاختصاص بإشراف الحاكم العادل، ولا بدّ من الإشارة هنا أن معيار الحدّ الأدنى للأجور في الفقه الإسلامي هو حدّ الكفاية المذكور في قول الرسول - ﷺ -:" من وليَ لنا عملًا وليس له منزلٌ فليتخذ منزلا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادمًا، أو ليست له دابة فليتخذ دابة، وإن أصاب شيئًا سوى ذلك فهو غالّ" (٣) وبما أن لجنة الأجور المنصوص عليها في قانون العمل الفلسطيني قد بقيت حبرًا على ورق لغاية كتابة هذه السطور ولم تباشر العمل في المهمة الأساسية التي من أجلها شُكّلت (تحديد الحدّ الأدنى للأجور) لذلك لم يُفصح القانون ولا أهله عن المعايير التي يُمكن اعتبارها في تحديد الأجور، لأنهم لم يحددوا الأجور أصلًا (٤)، ويُمكن اعتبار المعايير الآتية في تحديد الأجور:
المعيار الأول: حساب الأجر بالقطعة، حيث يتم حساب الأجر على أساس وحدة إنتاجية معينة، بحيث يتناسب ما يحصل عليه العامل من أجر مع عدد الوحدات الإنتاجية التي يحققها، فيزيد أجره بزيادتها، وينقص بنقصانها، وتُسمّى هذه الطريقة بطريقة حساب الأجر بالإنتاج، ومثال ذلك محاسبة العمال في مصنع النسيج بإعطائهم مبلغ من المال لكل متر من القماش يتم إنجازه.
المعيار الثاني: حساب الأجر بالزمن، ويُقصد بهذه الطريقة أنه يتم حساب الأجر على أساس وحدة زمنية معينة كالساعة أو اليوم أو الشهر، دون النظر إلى العمل او كمية الإنتاج التي يحققها العامل، ولا بدّ من التنبيه على عدم الخلط بين طريقة حساب الأجر بالزمن وبين وقت أداء الأجر، فقد يُدفع الأجر كل أسبوعين، ومع ذلك يكون محسوبًا على أساس الساعة أو اليوم.
المعيار الثالث: حساب الأجر بالطريحة، ويُقصد بذلك حساب الأجر على أساس الزمن والإنتاج معًا، فيتحدد أجر ثابت على أساس الزمن ويزداد هذا الأجر تبعًا لزيادة إنتاج العامل، وعندما تعرض الفقهاء لشرح المادة رقم (٣٦) من قانون العمل المصري وضعوا ثلاثة أسس لا بدّ من مراعاتها عند تقدير الأجرة:
_________________
(١) ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد، مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ص ٩٨، بدون رقم طبعة، مكتبة ابن خلدون، الإسكندرية، مصر
(٢) رواه أحمد في مسنده، ج١، ص٢٨٩، برقم (٢٩٢) وإسناده صحيح.
(٣) سبق تخريجه ص ٥١.
(٤) مدير مكتب عمل جنوب الخليل، كانون الأول، ٢٠٠٩م، اتصال شخصي.
[ ١١٤ ]
الأول: الأجر الأساسي الذي يتقاضاه العمال الآخرون الذين يقومون بعمل من نوع مماثل لدى صاحب العمل نفسه.
الثاني: عُرف المهنة في الجهة التي يؤدى فيها هذا العمل.
الثالث: مقتضيات العدالة، ويجب أن يؤخذ في الاعتبار مقدار الجهد الذي يبذله العامل مقارنًا بأعمال شبيهة، وكذا مقدار الربح الذي يحققه رب العمل نتيجة ما ينجزه العامل من أعمال (١).
وهناك في الشريعة الإسلامية بعض الأمور التي تلحق بالأجرة منها:
أولًا: توفير الطعام والشراب والمسكن للعامل، وذلك إذا تبرع بها صاحب العمل زيادة على الأجر المسمّى، وهذا التبرع يعدّ من الإحسان والمعروف الذي يرجو صاحب العمل به الثواب من الله تعالى، إضافة إلى ما يحققه من إخلاص العامل، وحرصه الزائد على العمل، وإذا اشترط العامل توفير تلك الاحتياجات في عقد العمل وجب الوفاء بذلك (٢)،أما إذا لم يشترطها العامل ولم يقتض العرف توفيرها وفرها العامل لنفسه. (٣)
ثانيًا: الأجر الإضافي بدل ساعات العمل الإضافية، ويمكن تعريف الأجر الإضافي ما يتقاضاه العامل مقابل ما يعمله من أعمال زائدة على اتفاقه مع صاحب العمل، فإذا عمل عملًا زائدًا بتكليف من صاحب العمل فلا يلزمه ذلك إلا برضاه (٤)،لأن العبرة بالاتفاق المبرم بينهما، لقول الرسول - ﷺ -:" المسلمون عند شروطهم" (٥)، أما إذا كان العمل الإضافي بدون تكليف من صاحب العمل، فإنه يُنظر في طبيعة هذا العمل، فإن كان ضروريًا ويلزم لمصلحة العمل، ولم يتمكن العامل من استئذان صاحب العمل، فإن العامل يستحق الأجر الإضافي وهو أجر المثل، وإذا كان العمل غير مفيد لصاحب العمل وكان بإمكانه طلب الإذن من صاحب العمل اعتبر متبرعًا ولا يستحق أجرا. (٦)
وقد حدد قانون العمل الفلسطيني ساعات العمل الأسبوعي بخمس وأربعين ساعة، حيث نصّ في المادة رقم (٦٨) بأن:" ساعات العمل الفعلي في الأسبوع خمس وأربعون ساعة" (٧) وبهذا فقد أبقى
_________________
(١) عبد الرحمن، أحمد شوقي، شرح قانون العمل الجديد والتأمينات الاجتماعية في الفقه والقضاء المصري والفرنسي، ص١٢، طبعة عام ٢٠٠٨م، مكتبة المعارف، الإسكندرية، مصر.
(٢) ابن قدامة، المغني، ج٦، ص٦٨.
(٣) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج٢، ص٣٥٣.
(٤) ابن قدامة، المغني، ج٦، ص٨، ابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج٦، ص٣٦.
(٥) سبق تخريجه، ص ١٦.
(٦) الشربيني، مغني المحتاج، ج٣، ص٤١٤. ابن رجب، عبد الرحمن، القواعد في الفقه الإسلامي، ص١٤٣، بدون رقم طبعة، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
(٧) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٣١.
[ ١١٥ ]
القانون الباب مفتوحًا لأطراف الإنتاج بالاتفاق على ساعات عمل إضافية، فنص في المادة رقم (٧١) بأنه:" يجوز لطرفي الإنتاج الاتفاق على ساعات عمل إضافية لا تتجاوز اثنتي عشرة ساعة في الأسبوع، يُدفع للعامل أجر ساعة ونصف عن كل ساعة عمل إضافية" (١)، ومما يؤخذ على هذا النص:
١. لم يحدد لطرفي الإنتاج ساعات العمل الفعلية اليومية، بمعنى هل يمكن لطرفي الإنتاج أن يعمل العامل - على سبيل المثال- خمس ساعات إضافية أم لا؟.
٢. لم يحدد القانون عدد الأيام التي يمكن للعامل أن يعمل فيها عملًا إضافيًا، وهو ما يعني جواز عمل العامل طوال السنة ساعات إضافية، وهو ما يلحق ضررًا بالغًا بصحة العامل وقدرته على العطاء والإنتاج.
٣. صحيح أن القانون حدد أجرة ساعات العمل الإضافي بما يساوي أجر ساعة ونصف من ساعات العمل اليومي في غير أيام العطلة أو الراحة، لكنه لم يوضح أجر ساعات العمل الإضافي في أيام العطلة أو الراحة الأسبوعية.
ويرى الباحث أن تحديد ساعات العمل بخمس وأربعين ساعة في الأحوال العادية قد جرى العرف بذلك، وإذا اشتُرط ذلك بين المتعاقدين فهو شرط معتبر عند فقهاء الشريعة الإسلامية، لأن هذا التحديد لم يكن معروفًا عندهم، حيث إن هناك من الأعمال ما يستطيع العامل العمل فيها طوال اليوم كالسائق مثلًا، وهناك من الأعمال التي لا يستطيع العامل الاستمرار فيها أكثر من ساعات معينة، وإذا استأجر الرجل أجيرًا للعمل يومًا، فإن الأجير يعمل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (٢)، باستثناء أوقات الصلاة والأكل وقضاء الحاجة.
ثالثًا: الإكرامية، والتي هي في نظر الباحث ما يُعطى للأجير مقابل الجهد الزائد الذي يبذله زيادة على العقد، كالتزامه بدقة العمل، وإتقانه لعمله، وقد رأينا فقهاء الشريعة الإسلامية يعتبرون الإكرامية جزءًا من الأجرة، ويحق للعامل المطالبة بها إذا جرى العرف بها، ففقهاء الحنفية يرون أن معلم القرآن يُعطى ما عُرف في زمانهم بالحَلوة المرسومة عند ختم القرآن الكريم كله زيادة على الأجرة (٣)، والمالكية أيضًا يعتبرونها حقًا للمعلم إذا جرت بها العادة، ويسمونها (الإصرافة) (٤)،كما اعتبرها بعض فقهاء الإسلام أمرًا مستحبًا وعملًا يُثاب صاحب العمل عليه، لأنه من حق المجتهد والمخلص في عمله أن يكرّم ليزيد
_________________
(١) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ٣١.
(٢) ابن قدامة، المغني، ج٦، ص١٠.
(٣) شيخي زادة، عبد الرحمن محمد الكليوبي، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، تحقيق خليل عمران المنصور، طبعة عام ١٩٩٨م، ج٣، ص ٥٣٤، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٤) النفراوي، الفواكه الدواني، ج٢، ص١٨٦.
[ ١١٦ ]
من اجتهاده وإخلاصه، وقد دلّ على ذلك قول الرسول - ﷺ -:" من قتل قتيلًا فله سلبه" (١) ففي هذا الحديث تشجيع على الجهاد في سبيل الله، ويُقاس على ذلك تشجيع العامل على الإنتاج والإتقان، ولم يأت القانون على ذكر الهبات والإكراميات كتشجيع للعامل على عمله، بل أبقى الأمر بيد صاحب العمل وراجع إليه.
وقد أجاد من شرح قانون العمل الأردني حينما ذكر سبعة ملحقات للأجرة هي على النحو الآتي:
أولًا: العمولة التي يُقصد بها ما يُدفع للعامل في صورة نسبة مئوية من قيمة الصفقات التجارية التي يقوم بعقدها أو المساهمة بعقدها لمصلحة المؤسسة.
ثانيًا: الوهبة، وهي المبالغ المالية النقدية الزهيدة، التي يحصل عليها العامل من عملاء المنشأة الذين تربطهم برب العمل علاقة عمل مباشرة مقابل عمل يؤديه إليهم، دون أن تقوم رابطة عقدية بينه وبينهم.
ثالثًا: المنحة، ويُقصد بها مبلغ من النقود يدفعه رب العمل للعامل في مناسبات معيّنة كالأعياد أو مرتب الشهر الثالث عشر الذي تصرفه بعض المنشآت لعمالها.
رابعًا: حصة الأرباح، وتتحقق باتفاق رب العمل مع عماله، أو بعضهم على أن يكون لهم حصة من الأرباح التي تحققها المنشأة.
خامسًا: البدلات، ويُقصد بها المبالغ المالية التي يدفعها صاحب العمل للعمال عوضًا عما تكبدوه من نفقات في سبيل تنفيذ العمل، كالانتقال أو السفر أو الطعام أو الأدوات والملابس التي تخص العمل.
سادسًا: العلاوة، ويُراد بها مبلغ من النقود أو أي شيء آخر يُعطى للعامل زيادة على أجره.
سابعًا: المكافأة، وهي ما يدفعه رب العمل من مبالغ نقدية لبعض عماله تقديرًا لهم على عمل مميز قاموا بأدائه، وما سبق من ملحقات نصّ عليها القانون الأردني، ولكلٍ منها أحكامه وشروطه وضوابطه المتعلق به. (٢)
_________________
(١) رواه الترمذي في سننه، كتاب السير، باب ما جاء فيمن قتل قتيلًا فله سلبه، ص٣٧٠، برقم ١٥٦٢، وهو حديث صحيح، ورواه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب السلب يُعطى القاتل، ص٤٧٩، برقم (٢٧١٨).
(٢) رمضان، الوسيط في شرح قانون العمل الأردني الجديد، ص١٥٤ - ١٦٤ بتصرف.
[ ١١٧ ]