التأمين في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني
جاء في تعريف التأمين لغة ما نصه:" أمن: الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق" (١)، وجاء في المفردات:" أمن: أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسمًا للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسمًا لما يؤمن عليه الإنسان" (٢)، سوف يظهر من هذين التعريفين أن لفظة التأمين تعود في اللغة إلى الأمن، والأمن والأمان تحدثان في النفس طمأنينة عند زوال ما تخشاه، أو تتوجس منه النفس، وهذا بالضبط ما يحدث للمؤمِن عند اتفاقه مع شركة التأمين.
وفي الاصطلاح القانوني يمكن تعريف عقد التأمين بأنه:" عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث او تحقق الخطر المبين بالعقد، وفي نظير ذلك قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن" (٣)، أما في الاصطلاح الفقهي فيمكن تعريفه بأنه:" ضمان بعوض في مقابل عوض" (٤).
ومن الفقهاء المعاصرين من عرّفه بقوله:" التأمين التزام طرف لآخر بتعويض نقدي يدفعه له أو لمن يُعيّنه، عند تحقق حادث احتمالي مبين في العقد، مقابل ما يدفعه له هذا الآخر من مبلغ نقدي في قسط أو نحوه" (٥)، وعرّفه آخرون كنظام بقولهم:" نظام تعاقدي يقوم على أساس المعاوضة، غايته
_________________
(١) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج ١، ص ١٣٥، مادة (أمن).
(٢) الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، تحقيق محمد سيد كيلاني، ص٢٥،طبعة عام ١٩٦١م، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.
(٣) العروان، ابراهيم بن عبد الرحمن، عقد التأمين التجاري وحكمه في الفقه الإسلامي، ص٦، ط١، ١٩٩٥م، بحث مقدم لمركز البحوث التربوية في كلية التربية، جامعة الملك سعود.
(٤) المصدر نفسه، ص٩.
(٥) ابن ثنيان، سليمان بن ابراهيم، التأمين وأحكامه، ص ٤٠، ط١، ١٩٩٣م، دار العواصم المتحدة، قبرص، بيروت، لبنان، أصل الكتاب رسالة علمية نال بها صاحبها رسالة الدكتوراة من جامعة الإمام محمد بن سعود.
[ ١٥١ ]
التعاون على ترميم أضرار المخاطر الطارئة بواسطة هيئات منظَّمة تزاول عقوده بصورة فنية قائمة على أُسس وقواعد إحصائية" (١)
ويتكون عقد التأمين من عناصر سبعة هي:
١. المؤمن (الطرف الذي يتعهد بدفع مبلغ التأمين عند تحقق الخطر المؤمن ضده).
٢. المستأمن (الطرف الذي يتعهد بدفع قسط التأمين المتفق عليه للمؤمن).
٣. مبلغ التأمين (العوض الذي يتم دفعه من قبل المؤمن عند تحقق الخطر).
٤. قسط التأمين (المبلغ الذي يتم دفعه من قبل المستأمن في مقابل التأمين).
٥. المستفيد (الذي يستحق مبلغ التأمين عند تحقق الخطر المؤمن ضده سواء كان المستأمن نفسه أو من يقوم مقامه).
٦. المؤمن ضده (الخطر أو الحادث الذي يُحتمل وقوعه).
٧. المؤمن عليه (الشيء الذي يُخشى عليه من الخطر المؤمن ضده خلال فترة العقد). (٢)
وقد اختلف الفقهاء في حكم التأمين التجاري، فانقسموا فيما بينهم إلى فريقين:
الفريق الأول: القائلون بالجواز (٣)، وقد استدلوا بأدلة أكثرها يستند إلى القياس منها:
١. الأصل كان في الشريعة إباحة العقود، والتأمين واحد من هذه العقود، لقول الله - ﷾ -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤)، وفي هذه الآية ما يدل على إباحة كل ما خلقه الله للناس، إلا ما ورد دليل على تحريمه، وقد يُناقش هذا الاستدلال بأن فيه حجة على قائليه لا لهم فيه حجة، وذلك لأن عقد التأمين يصطدم مباشرة بهذا الاستدلال، حيث قامت الأدلة التي توضح حُرمة الربا كما في قوله - ﷾ -: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ
_________________
(١) الزرقا، مصطفى، نظام التأمين - حقيقته والرأي الشرعي فيه -، ص١٩، ط١، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
(٢) السنهوري، عبد الرزاق، الوسيط في شرح القانون المدني، ج٧، ص١١٤٣، طبعة عام ١٩٦٤م، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر.
(٣) الشيخ مصطفى الزرقا، الشيخ عبد الله صيام، الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف الأسبق في مصر، الشيخ عبد الحميد السايح، الشيخ علي الخفيف.
(٤) سورة البقرة، آية رقم ٢٩.
[ ١٥٢ ]
اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) ومعلوم أن عقد التامين يقوم على الربا.
٢. قياس التأمين على ضمان خطر الطريق، وهو أن يقول إنسان لآخر اسلك هذا الطريق فإنه آمن، فإن كان فيه من يُخيفك ويأخذ مالك فأنا ضامن، فإذا سلكه وأخذ ماله فإنه يضمن، وهذا قول الحنفية (٢)، ويُناقش هذا القياس بأنه قياس مع الفارق، حيث لا علة جامعة بين المقيس والمقيس عليه، فالعلة في ضمان خطر الطريق هي التغرير المتسبب في الإتلاف، أما العلة في عقد التأمين هي الالتزام بدفع أقساطه.
٣. قياس التأمين على الإجارة، فالحارس الأجير يحقق الأمان لمن استأجره، والتأمين يحقق الأمان للمؤمن لهم، وعند مناقشة هذا الاستدلال يتبين مايلي:
أ لا جامع بين الإجارة والتأمين، فالعلة في الإجارة هي حفظ المحروس، بينما العلة في التأمين هي الحصول على مبلغ التأمين عند تحقق الخطر.
ب أجرة الحارس هي مقابل ما يقوم به من عمل، أما الأقساط في عقد التأمين هي مقابل نقود مؤجلة، وهي مجهولة المقدار والأجل.
ت يضمن الحارس إذا تعدّى، وليس من المعقول أن نقول بضمان شركات التامين مع أنها لم تتعد.
٤. قياس التأمين على الوديعة وذلك بجامع المصلحة في كل منهما، فكما تستفيد الشركة من الأقساط لديها مقابل ضمانها المؤمن عليه يستفيد المودع إليه من أجرة حفظ الوديعة، ولكن لا وجه لقياس التأمين على الوديعة، لأن التأمين يقوم على المعاوضة الصرفة، أما الوديعة فتقوم على البرّ والحفظ تبرعًا.
٥. احتج المبيحون لعقد التأمين بأن المصلحة تقتضيه، على اعتبار أن التأمين يحقق مصلحة للناس، وفيه طمأنينة لأصحاب الأموال والتجارات، ويُجاب على هذا الاستدلال بما يلي:
أ التأمين لا مصلحة فيه، وإنما فيه مفسدة عظيمة حيث تكديس الأموال في يد قلة خاصة من الناس (شركة التأمين).
ب حتى لو سلمنا بأن التأمين فيه مصلحة، فإنها مصلحة مرسلة وهي أصلًا محل خلاف بين العلماء.
٦. ذهب المبيحون للتأمين إلى أنه قد عمّ وانتشر في العالم حتى أصبح عرفًا عامًا، ويُردّ على هذا الاستدلال بأن العُرف بحدّ ذاته ليس دليلًا مستقلًا، بل هو أصلُ يُستعان به على فهم النصوص
_________________
(١) سورة البقرة، آية رقم ٢٧٥.
(٢) ابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج٣، ص٢٧١.
[ ١٥٣ ]
الشرعية، كما أننا لو فرضنا أن التأمين صار عرفًا فإن إباحته بناءً على العرف يكون باطلًا، لأن العرف قد خالف أدلة شرعية تحرّم الربا والغرر وأكل أموال الناس بالباطل.
الفريق الثاني: القائلون بالتحريم (١)، ومن أدلتهم:
١. أن التأمين قائم على الربا بنوعيه (ربا الفضل وربا النسيئة) وذلك يكون في حالة وقع الحادث فإن مبلغ التأمين المدفوع من الشركة إلى الشخص المؤمَّن له إما أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه من أقساط، وفي ذلك اجتماع لنوعي الربا، فربا الفضل يكون لعدم المساواة في المبلغ المدفوع، وربا النسيئة يكون في تأخير أحدهما عن الآخر، بمعنى أن التأمين عبارة عن مبادلة نقود بنقود متأخرة في الأجل، وزائدة في المقدار.
٢. اعتبر المحرّمون التأمين نوعًا من أنواع القمار، ولا يُمكن أن يقوم عقد التأمين إلا بوجود عنصري الخطر والاحتمال، وهما مقوّمات القمار.
٣. وجود الغرر في التأمين، حيث يمكن تعريف الغرر بأنه:" الخطر الذي استوى فيه طرف الوجود والعدم بمنزلة شك" (٢)، أو هو" ما تردد بين أمرين ليس أحدها أظهر" (٣)، والغرر محرم شرعًا بما رواه مسلم في صحيحه أن الرسول - ﷺ - "نهى عن بيع الحصاة (٤) وعن بيع الغرر" (٥)، وعقد التأمين عقد
_________________
(١) العلامة ابن عابدين، الشيخ محمد بخيت المطيعي، الشيخ محمد أبو زهرة، الشيخ محمد علي السايس، الشيخ محمد الضرير، الشيخ طه الديناري، الشيخ عبد الستار السيد، شيوخ الأزهر: محمد الأحمدي سليم مطر البشرى وحسونة النواوي، الشيخ نجم الدين الواعظ مفتي الديار العراقية، الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير، هيئة كبار العلماء في السعودية، المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، المجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي. موقع علماء الشريعة http://www.olamaashareah.net/nawah.php?tid=665
(٢) الكاساني، بدائع الصنائع، ج٥، ص١٦٣.
(٣) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج٢، ص١٤٥.
(٤) جاء في تأويل معنى بيع الحصاة ثلاثة تأويلات: الأولى: أن يقول البائع: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة. الثانية: أن يقول بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة. الثالثة: أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعًا. النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، ج٥، ص٣٢٩.
(٥) رواه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر، ص ٦٣٤، برقم (١٥١٣)
[ ١٥٤ ]
معاوضة يتوقف حصولها على أمر احتمالي، وهو وقوع الخطر، فإن وقع الخطر حصل المؤمَّن له على بدل الأقساط (مبلغ التأمين)، وإن لم يقع له حوادث لم يحصل على شيء ضاع ما دفعه من أقساط، وحتى لو وقع له حادث فإنه لا يدري كم سيكون مبلغ التأمين.
ولا ننكر وجود فريق ثالث (١) أباح بعض أنواع التأمين التجاري كالتأمين على الحياة، مستدلًا بأن عقد التأمين عقد مضاربة، فالمال من جانب المشتركين، والعمل من جانب الشركة والربح لهما (٢)،ويندرج تأمين العمال تحت التأمين على الأشخاص كأحد أنواع التأمين التجاري الذي يبرمه الشخص مع شركة التأمين ضد الأخطار التي تهدد بدنه كالموت أو فقدان أحد أعضاء جسمه مما يقعده عن العمل والكسب.
التأمين لأضرار العمل: " هو نظام إجباري غالبًا، تشرف عليه الدولة، وغالبًا ما تقوم به، لا بقصد تحقيق الأرباح المادية المالية، يموّله أصحاب العمل غالبًا، وقد تشترك معهم الحكومة بمساهمات دورية موحدة أو مختلفة في المقدار أو النسبة، ليحصل المؤمن عليه إذا أصيب بضرر من عمله على العلاج حتى شفائه أو استقرار حالته، أو لمدة محدودة أو بكلفة محدودة، وعلى التأهيل للعمل إن احتاج إليه، وعلى تعويض عن عجزه الجزئي أو الكلي الذي حدث له، وليحصل هو أو معالوه عند انقطاع دخله بسبب إصابته أو موته بها على قدر موحد، أو نسبة من دخله مرة واحدة أو بصفة دورية أو بعض ذلك" (٣)، وصورة هذا النوع من التأمين أنه يُقتطع من راتب العامل نسبة أقل من النسبة التي تقتطع من راتب الموظف - نظرًا لقلة دخل فئة العمال- فيُقتطع -على سبيل المثال- نسبة ٥% مثلًا من راتب العامل، ويساهم صاحب العمل بنسبة ١٠% ليكون المجموع ١٥% من كامل راتب العامل، ونظرًا لارتباط التأمين العمالي بنظام التقاعد واشتراكهما في الهيئة تقريبًا، لأنهما فرعان لنوع واحد من أنواع التأمين (التأمين الاجتماعي) كونهما من عقود المعاوضة، وقد نص قانون العمل الفلسطيني على أنه:"يجب على صاحب العمل أن يؤمن جميع عماله عن إصابات العمل لدى الجهات المرخصة في فلسطين" (٤) ولكن دون توضيح نسبة الاقتطاع من راتب العامل وما يدفعه المشغّل، مما يعني ترك الأمر بيد صاحب العمل.
وقد صدرت العديد من الفتاوى الصادرة عن المجامع الفقهية المعاصرة بشأن التأمين التجاري منها:
_________________
(١) الشيخ عبد الوهاب خلاف.
(٢) آل محمود، عبد اللطيف محمود، التأمين الاجتماعي في ضوء الشريعة الإسلامية، ص٣٠٦، ط١، ١٩٩٤م، دار النفائس، بيروت، لبنان
(٣) آل محمود، التأمين الاجتماعي في ضوء الشريعة الإسلامية، ص٢٨٥.
(٤) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ٤٧.
[ ١٥٥ ]
أولًا: قرار اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية، وهذا نصه بسؤاله:" ما حكم التأمين: مثل التأمين على السيارة، والتأمين على البضائع والعمال والمصانع، كما أن التأمين أحيانا يكون باختيار الشخص، وأحيانا يجبر عليه بشرط من البائع، كأن يشترط البائع أن تؤمن على السيارة التي يبيعها لك بالتقسيط، وكذلك الذي يرسل لك بضاعة من الخارج، وإذا كان هناك ما هو مباح وما هو محرم، وهل يعتبر التأمين من أنواع الربا؟
الجواب: ما ذكر في السؤال هو من التأمين التجاري، والتأمين التجاري محرم؛ لما يشتمل عليه من الغرر والجهالة اللذين لا يعفى عنهما، والمقامرة، وأكل المال بالباطل، والربا، وكل هذا دلت الأدلة على تحريمه" (١)
ثانيًا: قرر المجمع الفقهي الإسلامي، في دورته الأولي المنعقدة في ١٠ شعبان ١٣٩٨هـ بمكة المكرمة بمقر رابطة العالم الإسلامي، بعد ما اطلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك، وبعد ما اطلع أيضًا على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة بمدينة الرياض بتاريخ ٤/ ٤/١٣٧٩هـ. بقراره رقم (٥٥) من التحريم للتأمين التجاري بأنواعه. وبعد الدراسة الوافية، وتداول الرأي في ذلك، قرر مجلس المجمع الفقهي بالأكثرية- عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا- تحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه، سواء كان على النفس، أو البضائع التجارية، أو غير ذلك. (٢)
ثالثًا: قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهذا نصّه:" إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، المنعقد في مؤتمره بجدة من ١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٥هـ، الموافق ٢٢ - ٢٨ (ديسمبر) ١٩٨م، وبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع حول التأمين وإعادة التأمين، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
١. أن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولذا فهو حرام شرعًا.
رابعًا: فتوى خاصة بالتأمين الصحي صادرة عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، هذا نصّها:" إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، المنعقد في دورته السادسة عشرة بدبي في ٣٠ صفر - ٥ ربيع الأول ١٤٢٦هـ، الموافق ٩ - ١٤ (إبريل) ٢٠٠٥م، وبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع التأمين الصحي، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
_________________
(١) الفتوى رقم (٢٢٣٣)، المجلد رقم ١٥، ص ٢٤٩، http://www.alifta.com/Fatawa/.
(٢) مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي http://www.themwl.org
[ ١٥٦ ]
١. تعريف التأمين الصحي: عقد التأمين الصحي: اتفاق يلتزم بموجبه شخص أو مؤسسة تتعهد برعايته، بدفع مبلغ محدد أو عدد من الأقساط لجهة معينة على أن تلتزم تلك الجهة بتغطية العلاج أو تغطية تكاليفه، خلال مدة معينة.
٢. أساليب التأمين الصحي: التأمين الصحي، إما أن يتم عن طريق مؤسسة علاجية، أو عن طريق شركة تأمين تقوم بدور الوسيط بين المستأمن وبين المؤسسة العلاجية.
٣. حكم التأمين الصحي:
أ إذا كان التأمين الصحي مباشرًا مع المؤسسة العلاجية فإنه جائز شرعًا بالضوابط التي تجعل الغرر يسيرًا مغتفرًا، مع توافر الحاجة التي تُنزل منزلة الضرورة؛ لتعلق ذلك بحفظ النفس والعقل والنسل وهي من الضروريات التي جاءت الشريعة بصيانتها، ومن الضوابط المشار إليها:
· وضع مواصفات دقيقة؛ تحدد التزامات كل من الطرفين.
· دراسة الحالة الصحية للمستأمن والاحتمالات التي يمكن التعرض لها.
· أن تكون المطالبات المالية من المؤسسة العلاجية إلى الجهة، مرتبطة بالأعمال التي تم تقديمها، وليس بمبالغ افتراضية كما يقع في شركات التأمين التجارية.
ب إذا كان التأمين الصحي عن طريق شركة تأمين إسلامي (تعاوني أو تكافلي)، تزاول نشاطها وفق الضوابط الشرعية التي أقرها المجمع في قراره رقم ٩ (٩/ ٢) بشأن التأمين وإعادة التأمين، فهو جائز.
ج- إذا كان التأمين الصحي، عن طريق شركة تأمين تجاري فهو غير جائز، كما نص على ذلك قرار المجمع أعلاه.
٤. الإشراف والرقابة: على الجهات المختصة القيام بالإشراف والرقابة على عمليات التأمين الصحي، بما يحقق العدالة ويرفع الغبن والاستغلال وحماية المستأمنين (١).
خامسًا: قرر مجمع البحوث الإسلامية في المؤتمر الثالث أن ما يندرج تحت التأمين التعاوني والاجتماعي من التأمين الصحي والبطالة والشيخوخة وإصابة العمل وما إليها بجوازه. (٢)
ولم تمنع الشريعة الإسلامية معاملة إلا وأوجدت البديل الإسلامي لها، وهنا قد عالج الفقه الإسلامي هذه النازلة بإيجاد ما يُسمى اليوم (بالتأمين التكافلي) والذي أجازته معظم المجامع الفقهية المعاصرة، ولتوضيح فكرته أنقل نص الفتوى الصادرة عن هيئة كبار العلماء وكذلك اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية حول شركة التكافل للتأمين الإسلامي:"الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: ففي الدورة العاشرة لمجلس هيئة كبار العلماء، المنعقدة بمدينة الرياض في شهر ربيع
_________________
(١) موقع لواء الشريعة http://www.shareah.com/index.php?/records/view/action
(٢) السالوس، علي أحمد، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة والاقتصاد الإسلامي، ص٣٧٩، ط١٠، ٢٠٠٨م، دار الثقافة، الدوحة، قطر.
[ ١٥٧ ]
الأول، عام ١٣٩٧هـ، اطلع المجلس على ما أعده جماعة من الخبراء، فيما يصلح أن يكون بديلا من التأمين التجاري، والأسس التي يقوم عليها لتحقيق الأهداف التعاونية الشرعية، التي أنشئ من أجلها، وصلاحيته أن يكون بديلا شرعا عن التأمين التجاري بجميع أنواعه. وبعد استماع المجلس إلى ما دعت الحاجة إلى قراءته مما أعد في ذلك، وبعد الدراسة والمناقشة وتداول الرأي قرر المجلس -ما عدا فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع - جوازه، وإمكان الاكتفاء به عن التأمين التجاري في تحقيق ما تحتاجه الأمة من التعاون على وفق قواعد الشريعة الإسلامية، للأمور الآتية:
الأول: أن التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية، تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحا من أموال غيرهم، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر.
الثاني: خلو التأمين التعاوني من الربا بنوعيه: ربا الفضل، وربا النسأ، فليس عقود المساهمين ربوية، ولا يستغلون ما جمع من الأقساط في معاملات ربوية.
الثالث: أنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني بتحديد ما يعود عليهم من النفع؛ لأنهم متبرعون، فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة بخلاف التأمين التجاري، فإنه عقد معاوضة مالية تجارية.
الرابع: قيام جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جمع من الأقساط لتحقيق الغرض الذي من أجله أنشئ هذا التعاون، سواء كان القيام بذلك تبرعا أو مقابل أجر معين (١).
وقد جاء قانون العمل الفلسطيني ليُلزم صاحب العمل بتأمين العمال ضد إصابات العمال، فنصّ في المادة رقم (١١٦) على أنه:" يجب على صاحب العمل أن يؤمن جميع عماله عن إصابات العمل لدى الجهات المرخصة في فلسطين" (٢)، ويجد الباحث في هذه المادة حاجة للتوضيح بحيث يشمل التأمين الوقاية والعلاج من المخاطر الآتية:
١. المخاطر الميكانيكية، وهي التي تنشأ عن الاصطدام أو الاتصال بين جسم العامل وين جسم صلب، كمخاطر المباني والأجهزة والآلات، ويدخل في ذلك مخاطر الانهيار.
٢. المخاطر الطبيعية: وهي كل ما يؤثر على سلامة العامل وصحته نتيجة لعوامل خطر أو ضرر طبيعي كالحرارة والرطوبة والبرودة، أو الإشعاعات الضارة أو زيادة أو نقص الضغط الجوي.
_________________
(١) http://www.alifta.com/Fatawa/fatawacoeval.aspx?View
(٢) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ٤٩.
[ ١٥٨ ]
٣. المخاطر الكيماوية: وهي ما تحدث من تأثير مواد كيماوية تتسرب إلى جسم العامل، كالغازات والأبخرة.
٤. المخاطر السلبية: وهي التي ينشأ الضرر أو الخطر من عدم توافرها كوسائل الإنقاذ أو الإسعاف، كما أنها لم تبين التزامات شركة التامين أو المؤمن عليه، وهنا في ظل هذه الحاجة وتعطيل تطبيق نظام التأمينات الاجتماعية الفلسطيني يبقى الرجوع لمجلة الأحكام العدلية أو النظام الخاص بشركات التأمين.
والذي يترجح لدى الباحث - والله تعالى أعلم - حرمة التأمين التجاري، وجواز التامين التعاوني بديلًا عنه، وإن اضطر العامل لقبول التامين التجاري نظرًا لأنه ملزم به في كثير من المنشآت فلا بأس في ذلك، وفي حال استحقاق العامل مبلغًا من التامين بدلًا من إصابة أو علاج فليأخذ ما يساوي الذي دفعه من أقساط، أما التأمين الصحي فلا بأس من استفادة العامل منه في مصاريف العلاج له ولأسرته.
[ ١٥٩ ]