عدم الغياب عن العمل أثناء فترة العمل
تعدُّ الطريقة التي يتصرف فيها العامل في استغلال الوقت لأداء العمل على أكمل وجه، إحدى المظاهر الأساسية التي تُقاس بها درجة الحرص التي يبذلها في أداء العمل؛ لذا يقع بعض العمّال في الإثم من جرّاء تهاونهم في هذا الواجب، فيغادر بعضهم مكان العمل دون إذنٍ من صاحب العمل، وهذا من شأنه أن يُلحق ضررًا بالغًا بالعمل وصاحبه، من هنا جاء قول الرسول - ﷺ -:" لا ضرر ولا ضرار" (١)، فكل وقت يذهب هدرًا يمكن اعتباره ضررًا يلحق بصاحب العمل؛ لأن العامل استحق الأجرة مقابل تسليم نفسه للعمل طيلة الوقت، دون إهدار جزء من الوقت في غير العمل، إلا تلك الأوقات التي يستحقها العامل للراحة أو الصلاة، أو غير ذلك من الأعمال الضرورية، التي لا يُمكن القيام بها إلا في أوقات العمل، حيث نصّ الفقهاء على كراهة الحديث مع الآخرين أثناء العمل، حيث جاء في المغني:" وليس له محادثة غيره في حالة النسخ، ولا التشاغل بما يشغل سرّه، ويوجب غلطه، ولا لغيره تحديثه، وشغله، وكذلك كل الأعمال التي تخل بشغل السرّ والقلب، كالقصارة (صبغ الثياب) (٢) والنساجة وغيرها" (٣)، وقد اتفق الفقهاء على أن العامل إذا ترك العمل في بعض المدة المتفق عليها يعدُّ مخلًا بالتزامه، فعند الحنفية ينقص من أجر العامل بقدر تقصيره في عمله (٤)،
وعند المالكية إن عمل العامل مدة غيابه بأجرة، كانت تلك الأجرة لمستأجره الأول (صاحب العمل)، وخيّر صاحب العمل بين أجرة العامل عند مستأجره الثاني، وبين إسقاط حصة مدة غيابه من أجرته عنده، وأما إن عمل بالمجّان فيسقط من أجرته بقدر ما فوت على صاحب العمل (٥)،وعند الحنابلة إن حصل ضرر على
_________________
(١) رواه ابن ماجه في سننه، ص٤٠٠، برقم (٢٣٤١)، ورواه البيهقي في السنن الكبرى، ج٦، ص ٧٠، والطبراني في المعجم الكبير ج ٢، ص ٨١. وهو حديث صحيح، الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيءٌ من فقهها وفوائدها، ج ١، ص ٤٩٨، برقم (٢٥٠).
(٢) الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، ج١٣، ص٤٣١، مادة قصر، بدون رقم طبعة، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان.
(٣) ابن قدامة، المغني، ج ٦، ص٣٧.
(٤) ابن عابدين، ردّ المحتار على الدرّ المختار، ج٨،ص٩٦. المرغيناني، الهداية شرح البداية، ج٣، ص١٢٩٢ ..
(٥) الدردير، سيدي أحمد، الشرح الكبير، ج ٤،ص ٣٦، طبعة عام ٢٠٠٥م، دار الفكر، بيروت، لبنان. ابن مهنا، أحمد بن غنيم بن سالم، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ج٢، ص ١٨٥،ط١، ١٩٩٧م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
[ ٤٨ ]
المستأجر بسبب غياب العامل، فإن المستأجر يرجع على العامل بقيمة ما فوّت عليه، سواء أكان غيابه في عمل لنفسه أم لغيره، بأجرة أو بغيرها (١)، ولم تغفل الشريعة الإسلامية تحديد ضوابط الحضور والانصراف، فهذه مشكلة يعاني منها كثير من رؤساء الأقسام والمراقبين وغيرهم من المسئولين، وهو يؤثر بشكل غير مباشر في الأداء العام، ثم في كفاءة الدولة، فهناك عمال شغلهم الشاغل وهمّهم الكبير كيف يثبت حضوره بالكشف المخصص لذلك، أو بالبطاقة الإلكترونية، سواء أكان في بداية العمل أم آخره، فيوصي غيره بإثبات حضوره أو تسجيل اسمه، وغيرها من الوسائل غير المشروعة، فهذا عمل لا يجوز شرعًا، وعلى العامل الالتزام بوقت حضور العمل، وألا يتخذ وسائل غير مشروعة في حضوره وانصرافه، فقد قال النبي - ﷺ -:"من غشّ فليس مني" (٢)
وهذه الوسائل من الخيانة، وهي من صفات أهل النفاق، وينبه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (٣) - ﵀ - على ذلك فقال: "فالواجب على الموظف أن يؤدي الأمانة بصدق وإخلاص، وعناية وحفظ للوقت، حتى تبرأ الذمة، ويطيب الكسب، ويُرضي ربه وينصح لدولته" (٤).
وقد أصدر علماء اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية فتوى بهذا الخصوص، حيث بيّنت أن خروج الموظف أثناء عمله للبيع والشراء لا يجوز، سواء أذن له من قبل المسؤول عن عمله أم لا؛ لما في ذلك من أمر مخالفة ولاة الأمر بمنع ذلك، ولما فيه من إضاعة عمله الذي اؤتمن عليه مما يترتب عليه إضاعة حقوق المسلمين المرتبطين بعمله، والإخلال بالقيام به على أكمل وجه (٥)
_________________
(١) المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق محمد حامد الفقي، ج٦، ص٧٠.ابن مفلح، محمد، الفروع، تحقيق حازم القاضي، ج٤، ص٣٣٦، ط١، ١٩٩٧م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٢) سبق تخريجه ص ٤١ ..
(٣) عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن باز، ولد في ذي الحجة سنة ١٣٣٠هـ/١٩١١م بمدينة الرياض، كان بصيرًا ثم أصابه مرض في عينيه عام ١٣٤٦هـ/١٩٢٧م، فضعف بصره، ثم فقده عام ١٣٥٠هـ/١٩٣١م، حفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ، عُيّن في القضاء عام ١٣٥٠هـ، توفي ﵀ عام ١١٤٢٠هـ/١٩٩٩م. http://www.binbaz.org.
(٤) http://www.binbaz.org.sa/life
(٥) فتاوى اللجنة الدائمة، http://www.alifta.com/Search/ResultDetails.aspx?lan
[ ٤٩ ]
وعلّق الشيخ العلامة محمد بن عثيمين (١) - رحمه الله تعالى - على المغادرة من مكان العمل مبكرًا، والتغيّب عن مكان العمل أثناء الدوام، فقال: "أن الموظف ملزم بالبقاء إلى انتهاء الدوام، فإنه لا يجوز لأحد أن يسرق من وقت الدوام شيئًا" (٢)، وسئل -﵀ - أيضًا:"النظام الذي هو الدوام الرسمي للدولة تجد البعض يأتي متأخرًا نصف ساعة أو ينصرف من العمل قبل انتهاء الدوام بنصف ساعة، وأحيانًا يتأخر ساعة أو أكثر، فما الحكم في ذلك؟ فأجاب: "الظاهر أن هذا لا يحتاج إلى جواب؛ لأن العوض يجب أن يكون في مقابل المعوض، فكما أن الموظف لا يرضى أن تنقص الدولة من راتبه شيئًا، فكذلك يجب ألا ينقص من حق الدولة شيئًا، فلا يجوز للإنسان أن يتأخر عن الدوام الرسمي، ولا أن يتقدم قبل انتهائه".
السائل: ولكن البعض يتحجج أنه لا يوجد عمل أصلًا؛ لأن العمل قليل؟ فقال الشيخ - ﵀ -: المهم أنت مربوط بزمن لا بعمل، يعني: قيل لك: هذا الراتب على أن تحضر من كذا إلى كذا، سواء كان هناك عمل، أو لم يكن هناك عمل، فما دامت المكافأة مربوطة بزمن " (٣)، وحتى يستقيم الأمر، ويبذل العامل الوقت الكافي في العمل دونما تهاون أو تقصير، فقد أعطت الشريعة الإسلامية، ثم القانون الفلسطيني فترةً للراحة اليومية، قدّرها بساعة خلال اليوم، بالإضافة للإجازة الأسبوعية كوقتٍ للراحة الأسبوعية، ومن هنا فإن التغيّب عن العمل، أو مغادرة مكان العمل دونما إذن، يعتبر خيانة من قِبل العامل لربّ العمل، ويلحق العامل إثمٌ عظيم، والضابط في ذلك قد يكون للعرف أو عادة المؤجرين وأصحاب العمل، فما تعارف عليه أصحاب العمل من وقت يُهدر دونما حساب منهم فهذا من المعفيّ عنه، وقانون العمل الفلسطيني لم يغفل عن المساحة الشخصية التي أعطاها للعامل في إمكانية التغيّب عن العمل، حتى بدون إذن مسبق أو طلب إجازة، حيث نصّت المادة رقم (٧٨) في الفقرة الثانية:" يجوز للعامل التغيّب عن العمل لسبب عارض مُثبت لمدة عشرة أيام في السنة، تُحسب من الإجازة السنوية على أن لا تتجاوز المدة ثلاثة أيام متتالية في المرة الواحدة" (٤)
_________________
(١) محمد بن صالح بن محمد بن سليمان آل عثيمين، ولد في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام ١٣٤٧هـ/١٩٢٨م في مدينة عنيزة في المملكة العربية السعودية، يُعَدُّ فضيلة الشيخ من الراسخين في العلم، تُوفي عام ١٤٢١هـ/٢٠٠٠م. http://www.ibnothaimeen.com
(٢) http://www.al-mahmoud.net/pro1/art/wrd/ بتصرف.
(٣) من لقاء الباب المفتوح http://www.islamqa.com/ar/ref/126121
(٤) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ٣٣.
[ ٥٠ ]