حق العامل في تأدية صلاة الجمعة
العمل يوم الجمعة من المباحات التي جاءت به عموم الأدلة من القرآن والسنة التي تُبيح العمل في كل الأوقات، أما العمل وقت النداء لصلاة الجمعة فقد جاء النهي عنه في قول الله - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وموضع الاستدلال أن الأمر بترك العمل والبيع وقت صلاة الجمعة، وفعل ذروا يُفيد الترك، وقول النبي - ﷺ -:" لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" (٢) وهنا يمكن أن يُثار التساؤل الآتي: هل يحق للعامل الذي اتفق مع صاحب العمل على العمل يوم الجمعة أن يذهب إلى المسجد، ليستمع خطبة الجمعة ثم يشهد الصلاة ويعود بعد ذلك إلى مكان عمله؟
وهذا التساؤل يخصّ الحرّاس في المنشآت وموظفي محطات الاتصالات والأطباء المناوبين في المشافي والمستوصفات الطبية، فإذا كان هؤلاء العمّال خارج البلد الذي تُقام فيه الجمعة، وهم بعيدون عن المسجد، فهؤلاء لا تلزمهم الجمعة، ويصلونها ظهرًا، وإن كان من الأولى أن يتكفل صاحب العمل بأن يوصلهم للمسجد إن كان ذلك ممكنًا؛ لأن في ذلك خيرٌ له ولهم.
ولكن إذا كان تركهم للعمل وقت صلاة الجمعة يترتب عليه الإضرار بالعمل أو صاحبه، كاحتمال أن تتعطّل الآلات، أو حدوث حرائق، ووجد في المصنع أو المنشأة جماعة من العمّال فإنهم يصلونها جماعة في مكان العمل، وقد سئلت اللجنة الدائمة عن موظفي الهاتف الذين يستمر عملهم يوم الجمعة وقت الصلاة، وإذا تركوا العمل توقفت الاتصالات اللاسلكية والهاتفية، فأجابت:" ولكن إذا وجد عذر شرعي لدى من تجب عليه الجمعة كأن يكون مسؤولًا مسؤولية مباشرة عن عمل يتصل بأمن الأمة، وحفظ مصالحها، يتطلب قيامه عليه وقت صلاة جمعة كحال رجال الأمن والمرور والمخابرات اللاسلكية والهاتفية ونحوهم، الذين عليهم النوبة وقت النداء الأخير لصلاة جمعة أو إقامة الصلاة جماعة، فإنه وأمثاله يعذر بذلك في ترك الجمعة والجماعة لعموم قول الله - ﷾ -: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)، وقول رسول الله - ﷺ -:" ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على
_________________
(١) سورة الجمعة، آية رقم ٩.
(٢) رواه مسلم في صحيحه، ص٣٣٤، كتاب الجمعة، باب التغليظ في ترك الجمعة، برقم (٨٦٥).
(٣) سورة التغابن، آية رقم ١٦.
[ ٩٦ ]
أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" (١)، ولأنه ليس بأقلّ عذرًا ممن يعذر بترك الجمعة والجماعة ما دام العذر قائمًا غير أن ذلك لا يسقط عنه فرض الظهر، بل عليه أن يصليها في وقتها، ومتى أمكن فعلها جماعة وجب ذلك كسائر الفروض الخمسة" (٢).
وقد اختلف الفقهاء في اتخاذ يوم الجمعة إجازة على قولين:
القول الأول: منهم من رأى في ذلك تشبهًا بالنصارى واليهود إذا كان على وجه التعبّد والتعظيم، كما يفعله أهل الكتابين، فكَرِه ترك الشغل يوم الجمعة، وأن يخصّ يوم الجمعة بذلك، خوفًا من التشبّه باليهود في السبت، وبالنصارى في الأحد، وممن قال بذلك الإمام مالك (٣) ﵀:" وبلغني أن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يكرهون أن يترك الرجل العمل يوم الجمعة" (٤)، وقال صاحب مواهب الجليل: " يُكره ترك العمل يوم الجمعة" (٥)، ولكنه أجاز ترك العمل من أجل الراحة. (٦)
القول الثاني: منهم من رأى أنه يومٌ يطالب فيه المسلمون بالتهيؤ لصلاة الجمعة، وما يتطلبه ذلك من النظافة والتطيّب والتبكير إلى المساجد، فناسب ذلك ترك العمل فيه، حيث جاء في الفتاوى الفقهية الكبرى:" حِكمة ترك التعليم وغيره من الأشغال يوم الجمعة أنه يوم عيد المؤمنين كما ورد، ويوم لا يناسبه أن يُفعل فيه الأشياء" (٧) ثم يذكر الأعمال التي تُناسب هذا اليوم من التبكير للمسجد والتنظيف بإزالة الأوساخ وجميع ما يُزال للفطرة، كحلق الرأس لمن اعتاد ذلك، ونتف الإبط، وقصّ الشارب،
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، ص ١٨٢٧، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن الرسول، برقم (٧٢٨٨). ورواه مسلم في صحيحه، ص ٥٤١، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، برقم (١٣٣٧) واللفظ له.
(٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ج٨، ص١٨٩. http://www.alifta.net/Search
(٣) مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان، إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأعلام، أخذ القراءة عن نافع بن أبي نعيم وسمع من الزهري، ولد عام ٩٥ هـ وتوفي في شهر ربيع الأول سنة ١٧٩هـ وعاش ٨٤ سنة. ابن خلكان، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، ج٤،ص١٣٥،دار صادر، بيروت.
(٤) مالك، المدونة، ج١،ص ٣٨٩.
(٥) الحطاب، محمد بن محمد بن عبد الرحمن، مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، ج٢، ص٥٤٨، ط١، ١٩٩٥ن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٦) المصدر نفسه، ج٢، ص٥٤٨.
(٧) الهيتمي، أحمد بن محمد بدر الدين بن محمد، في الفتاوى الفقهية الكبرى، ج٣، ص٢٣٥،بدون رق طبعة، دار الفكر، بيروت، لبنان.
[ ٩٧ ]
وقصّ الأظافر، والتطيّب، بل إن من الفقهاء من ذكر صلاة الجمعة كوقت لا يستحق المستأجر منفعة الأجير فجاء في كتاب المبدع في شرح المقنع عند الحديث عن الأجير الخاص ما نصّه:" أي يقع عليه العقد مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها سوى فعل الصلوات الخمس في أوقاتها بسننها، وصلاة الجمعة والعيد ولا يستنيب" (١)
ويرى الباحث أنه إذا وجدت مصلحة عامة للمسلمين، أو خاصة تضيع كسرقة المال أو احتراقه أو تلفه جاز التخلف عن صلاة الجمعة وصلاتها ظهرًا، بخلاف أن يكون السبب زيادة الربح أو زيادة الانتاج، أو غيرها من مصالح الدنيا، فإن هذا ليس بسبب يُجيز التخلّف عن الجمعة، ويدلّ على ذلك قول الرسول - ﷺ -:" من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونًا بها طبع الله على قلبه" (٢)، أما قانون العمل الفلسطيني فقد نصّ في المادة رقم (٧٣) على أن" يوم الجمعة هو يوم الراحة الأسبوعية إلا إذا كانت مصلحة العمل تقتضي تحديد يوم آخر بصورة منظمة" (٣)،
ولكن القانون لم يوضح في أيٍ من نصوصه كيفية التصرف وقت صلاة الجمعة، وترك العامل مقيّدًا برغبة صاحب العمل في سماحه له بالصلاة- خصوصًا إذا كان الثاني غير ملتزم بالصلاة-، ويرى الباحث أحقيّة العامل في الصلاة وسماع الخطبة، وفي ذلك تشجيع العمّال على العبادة والطاعة، ومن الممكن أن يتجنب صاحب العمل تعطيل العمل بتكليف من لا تجب عليه صلاة الجمعة- كالمرأة أو العامل غير المسلم- بإدارة العمل في وقت الصلاة، وننصح بأن يشترط العامل على صاحب العمل حضوره لصلاة الجمعة إذا عمل في ذلك اليوم.
_________________
(١) ابن مفلح، إبراهيم بن محمد، المبدع في شرح المقنع، ج٥، ص١٠٨،بدون رقم طبعة، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.
(٢) رواه الترمذي في سنه، كتاب الجمعة عن رسول الله، باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر، ص١٣٢برقم (٥٠٠) وقال عنه: حسن صحيح.
(٣) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٣٢.
[ ٩٨ ]