وقت دفع الأجرة وتملكها
بما أن الأجرة ركن من أركان عقد الإجارة- عند جمهور الفقهاء- جاء الشرع الإسلامي بالتأكيد على وجوب الوفاء بها، وتمثل ذلك في قول الرسول - ﷺ -:" أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه" (١) وفيه دليل على وجوب إعطاء الأجير أجرته، بل والاستعجال في ذلك أولى من الإبطاء.
وقد اتفق الفقهاء على أن للعاقدين (الأجير والمستأجر) أن يتفقا على طريقة دفع الأجرة، فلهما الاتفاق على تعجيلها بعد الاتفاق وقبل الانتهاء من العمل، كما لهما الاتفاق على التأجيل بعد فراغ العامل من عمله، ولا يُمنعا من الاتفاق على تقسيطها حسب ما يتوافق عليه الطرفان (٢)، في حين اختلف الفقهاء في بعض الحالات، لما لتأخير الأجرة فيها من ممنوعات شرعية منها:
الحالة الأولى: إجارة الذمة، كمن يستأجر دابة موصوفة للركوب أو الحمل، أو يقول: ألزمت ذمتك خياطة هذا الثوب أو بناء الحائط (٣)،وكأن يقول رجل لأحمد- مثلًا-: اتفقت معك على أن تقوم بجلب شخص مواصفاته كذا ليقوم بالإشراف على علاجي لمدة شهر، وأدفع له أجرة كذا، وحينئذ يجوز أن يقوم أحمد بهذا الواجب أو أي شخص تتوافر فيه المواصفات المطلوبة، وفي هذا النوع من الإجارة يرى المالكية (٤) والشافعية (٥) أن الأجرة يجب أن تُسلّم في مجلس العقد، وإن كان المالكية (٦) أجازوا تأخير دفع الأجرة إذا شرع المستأجر في استيفاء المنفعة خلال ثلاثة أيام من تاريخ الاتفاق على العقد، وإن تأخر كان العقد باطلًا؛ لأن المستأجر إذا استوفى جزءًا من المنفعة عُدّ مستوفيًا للمنفعة.
الحالة الثانية: إذا كانت الأجرة عينًا، كأن تكون الأجرة سيارة مثلًا، ففي هذه الحالة يشترط الشافعية (٧) والحنابلة (٨) تعجيل الأجرة؛ لأن الأعيان لا يجوز تأجيلها لما في التأجيل من خوف التلف أو تغيّر
_________________
(١) سبق تخريجه ص ١٧.
(٢) الماوردي، الحاوي الكبير، ج٩، ص ٢١١. ابن قدامة، المغني، ج٦،ص١٦،الكاساني، بدائع الصنائع، ج٤، ص٢٠١.
(٣) النووي، روضة الطالبين وعمدة المفتين، ج٤، ص٣٤٤.
(٤) الحطّاب، مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، ج٦، ص٥٠٠.
(٥) الشيرازي، المهذّب، ج٢، ص٤٠٦.
(٦) الدسوقي، حاشية الدسوقي، ج٤، ص ٧.
(٧) الشربيني، محمد، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، ج٢، ص٧١، بدون رقم طبعة، دار الفكر، بيروت، لبنان.
(٨) ابن قدامة، المغني، ج٦، ص٥.
[ ١٢٥ ]
الأوصاف، وهو ما يسبب الخصومة والشقاق، أما إذا أطلق العاقدان وقت تسليم الأجرة، فتمّ العقد دون الاتفاق على وقت دفع الأجرة، فقد انقسم الفقهاء في وقت التسليم إلى فريقين:
الفريق الأول: ذهب الشافعية (١) والحنابلة (٢) إلى أن الأجرة تملك بالعقد ملكًا مراعى، ما يعني أنه كلما مضى جزء من الوقت اتضح أن المؤجر استقرّ ملكه على ما يقابل ذلك، ويستقر بذمة المستأجر إذا انتهت المدة أو استلم العمل، مستدلين بقياس الأجرة في الإجارة على الصداق في النكاح، فكما أن الصداق يجب بعقد النكاح، فكذا الأجرة تجب بعقد الإجارة.
الفريق الثاني: ذهب الحنفية (٣) والمالكية (٤) إلى أن الأجرة لا تملك بالعقد، وإنما تملك باستيفاء المنافع، واستدلوا بقول الله - ﷾ -: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (٥) وتدلّ هذه الآية على أن الأجرة تكون بعد الإرضاع؛ لأن الفاء للتعقيب، وردّوا على الفريق الأول بأن قياسهم فاسد؛ لأن علة الأصل لم توجد في الفرع، فعلة الصداق هي تسليم العوض، والمنفعة في عقد الإجارة لم تسلم عند العقد. (٦)
أما الفريق الأول فقد ردّوا استدلال الفريق الأول بأنه غير مسلّم به؛ لأن معنى الآية: فإذا بذلن الرضاع، ويُحتمل أيضًا آخر وهو الإيتاء عند الشروع في الرضاع، أو تسليم نفسها للإرضاع، ومما يوضح ذلك قول الله - ﷾ -:" ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٧) وموضع الاستدلال أن الإنسان إذا أراد قراءة القرآن فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليس المراد إذا انتهى من القراءة (٨)، وقد ذهب الظاهرية إلى أنه لا يجوز اشتراط تعجيل الأجرة ولا تعجيل شيء منها، ولا اشتراط تأخيرها إلى أجل ولا تأخير شيء منها كذلك. (٩)
_________________
(١) الأنصاري، زكريا، شرح روض الطالب من أسنى المطالب، ج٢، ص٤٠٩، بدون رقم طبعة، المكتبة الإسلامية، لصاحبها الحاج رياض الشيخ. الشيرازي،
(٢) ابن قدامة، المغني، ج٦، ص ١٤.
(٣) الكاساني، بدائع الصنائع، ج٤، ص١٧٦.
(٤) الصاوي، أحمد بن محمد، بُلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك على الشرح الصغير للدردير، ج٢، ص٢٦٦.
(٥) سورة الطلاق، آية رقم ٦.
(٦) الشريف، الإجارة الواردة على عمل الإنسان، ص٢٢١.
(٧) سورة النحل، آية رقم ٩٨.
(٨) الشريف، الإجارة الواردة على عمل الإنسان، ص٢٢٢.
(٩) ابن حزم، المحلّى، ج٥،ص١٨٣،مسألة ١٢٩٠.
[ ١٢٦ ]
ويترجح للباحث- والله أعلم- أن الأجرة لا تملك بالعقد، وإنما باستيفاء المنافع؛ وذلك لأن الآية صريحة وواضحة في وجوب تسليم الأجرة إذا استوفيت المنفعة، حيث جاء في تفسيرها:" فإن أرضعت استحقت أجر مثلها" (١) ولا اعتبار للاحتمالات الأخرى، ويؤيد هذا الترجيح قول الرسول - ﷺ -:" يغفر الله لأمتي في آخر ليلة من رمضان، فقيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفّى أجره إذا قضى عمله" (٢)،وقد نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٨٢):" يُدفع الأجر للعامل بالنقد المتداول قانونًا شريطة أن يتم الدفع وفقًا لمايلي:
أ. في أيام العمل ومكانه.
ب. في نهاية كل شهر للعاملين بأجر شهري.
ت. في نهاية كل أسبوع للعاملين على أساس وحدة الإنتاج أو الساعة أو المياومة أو الأسبوع" (٣)
_________________
(١) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج٦، ص ٢٤٦.
(٢) رواه أحمد في مسنده، ج١٣، ص ٢٩٥،، وقال عنه محقق المسند الشيخ شعيب الأرناؤوط بأن إسناده ضعيف جدًا ولكن بعض ألفاظه وردت من طرق أخرى صحيحة. البيهقي، شعب الإيمان، ج٣، ص٣٠٣.
(٣) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٣٤.
[ ١٢٧ ]