حق الابتكار
تعددت النوازل المعاصرة التي شغلت بال الباحثين والمختصين، مما حدا بالفقيه المسلم أن يُدلي بدلوه في سبيل الوقوف على حكمها الشرعي، وكان من هذه النوازل تلك الحقوق التي سُميت بالحقوق المعنوية، وكل ما في حكمها كالاسم التجاري وحقوق الإنتاج العلمي (الذهني) وحقوق التأليف وحقوق الابتكار (حق الإبداع) التي هي موضوع حديثنا في هذا المطلب بعون الله وتوفيقه.
أما الاختراع في اللغة: فأصل الخرع يُطلق على الرخاوة في كل شيء، ويطلق كذلك على الشق، مما يعني أن الاختراع يُطلق على الاشتقاق، فيُقال خرعته أي شققته، ويُقال: أنشأه وابتدعه، واخترع الرجل كذبًا: أي اشتقه، واخترع فلان الباطل إذا اخترقه (١)، وبناءً على ذلك فإن الاختراع هو إحداث شيء على غير مثال سابق، ويكون المخترع هو من أحدث هذا الشيء وابتدعه (٢).
وفي الاصطلاح: "هو إخراج ما في الإمكان والعدم إلى الوجوب والوجود" (٣) وفي هذا التعريف ما يوضّح أن العامل المخترع يُجهد نفسه بتحويل الأفكار المتواجدة في ذهنه ومخيلته إلى محسوسٍ يتجسّد في الجهاز أو المختَرع الجديد، وفي هذا التعريف وما يشابهه ما يجعله عامًا، حيث يشمل غير الاختراعات فيشمل هذا التعريف القصائد الشعرية والأمور الثقافية، أما مفهوم الاختراع بمعناه المعاصر الذي يتعلق بالأمور الصناعية التي يخترعها العامل فهو:" كل ابتكار جديد قابل للاستعمال، سواء كان متعلقًا بمنتجات صناعية جديدة أم بطرق ووسائل مستخدمة أم بهما معًا" (٤) وقد أضاف بعض الفقهاء المعاصرين قيدًا مهمًا، وهو أن يكون هذا الاختراع أو الابتكار يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية فقال بعضهم:" كل ابتكار مباح، قابل للاستعمال، يتعلق بمنتجات صناعية، أو طرق
_________________
(١) ابن عباد، إسماعيل، المحيط في اللغة، تحقيق محمد حسم آل ياسين، ج١، ص١٢٤، ط١، ١٩٩٩م، عالم الكتب، بيروت، لبنان. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج٢، ص١٧٠، ابن منظور، لسان العرب، ج٤، ص٦٧، أبو البقاء، الكليات، ص٢٩
(٢) الشهراني، حسين، حقوق الاختراع والتأليف في الفقه الإسلامي، ص ٦١، ط١، ٢٠٠٤م، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية، أصل الكتاب رسالة ماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بإشراف الدكتور أحمد بن يوسف الدريويش، أُجيزت بتاريخ ٢٨/ ١٠/ ٢٠٠٢م.
(٣) أبو البقاء، الكليات، ص ٢٩.
(٤) الناهي، صلاح الدين، الوجيز في الملكية الصناعية والتجارية، ص ٨٦، بدون رقم طبعة، دار الفرقان للنشر والتوزيع، الأردن.
[ ١٩٩ ]
ووسائل مستخدمة، أو بهما معًا" (١)، أما الابتكار فقد عرّفه علماء اللغة بأنه كل من بادر إلى الشيء فقد أبكر إليه في أي وقت كان، أو لم يُسبق إلى هذا الشيء (٢)، واصطلاحًا الابتكار هو:" الصور الفكرية التي تفتقت عنها الملكة الراسخة في نفس العالم أو الأديب ونحوه مما يكون قد أبدعه ولم يسبقه إليه أحد" (٣)،
وهو يشمل" الحقوق الأدبية كحق المؤلف في استغلال كتابه، والصحفي في امتياز صحيفته، والفنان في أثره الفني من الفنون الجميلة، كما يشمل الحقوق الصناعية والتجارية مما يسمونه اليوم بالملكية الصناعية، كحق مخترع الآلة ومبتدع العلامة الفارقة التي نالت الثقة، ومبتدع العنوان التجاري الذي أحرز الشهرة" (٤) ولهذا فإن العامل الذي التزم بمقتضيات عقد العمل مع صاحب العمل قد تعتريه ظروف فيتوصل إلى اختراع لم يسبقه إليه أحد، وقد عرّف بعض الفقهاء المعاصرين حق الإبداع بقولهم:" حق مالي مبتكر، يرد على شيء غير مادي، يتميز بالسبق والتفوق والأصالة، واستقطاب أنظار الجمهور إليه" (٥)، ويُراد بالاختراع قانونًا:" الوصول إلى طرائق أو وسائل جديدة في أساليب النتاج الأمر الذي يترتب عليه تقدم سواء في مستوى الآلات والأدوات، وسواء على مستوى نوعية المواد المنتجة" (٦)، ونزيد للقارئ بيان أنواع هذه الابتكارات التي يتوصل إليها العمّال، فيمكننا تقسيمها باعتبارات مختلفة هي على النحو الآتي:
التقسيم الأول: باعتبار الأصالة والتبعية، حيث تتنوع إلى نوعين:
الأول: الاختراعات الأصلية، وتتمثل في الأمور التي لم يسبقه إليها أحد، ولم يعتمد على معطيات أو محاولات سابقة.
الثاني: الاختراعات التابعة أو المشتقة من اختراعات كبرى سابقة لها، كأن يقوم أحد العمال بتطوير جهاز صنعه وابتكره غيره، فيعمل على تطويره ليتحمل درجة حرارة أعلى، فمثل هذا النوع من التطوير
_________________
(١) الشهراني، حقوق الاختراع والتأليف، ص ٦٣.
(٢) الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، ج١، ص ١٥٧، تحقيق عبد الحميد هنداوي، ط١، ٢٠٠٣م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٣) الدريني، محمد فتحي، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، ج٢، ص ٦، ط٢، ٢٠٠٨م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان ..
(٤) الزرقا، مصطفى أحمد، المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي، ص٣٢، ط١، ١٩٩٩م، دار القلم، دمشق، سوريا.
(٥) الزحيلي، وهبة، المعاملات المالية المعاصرة، ص٨٥٠، ط٤، ٢٠٠م، دار الفكر، دمشق، سوريا.
(٦) زكي، محمود جمال الدين، عقد العمل في القانون المصري، ط٢، ١٩٨٢م، ص٢٠١، بدون دار نشر.
[ ٢٠٠ ]
مبنيٌ على اختراع سابق، وفي ذلك يقول أحد المتقدمين:" واعلم أن هذه الصنائع استخرجها الحكماء، ثم تعلم الناس منهم بعضها، وصارت وراثة بين الحكماء للعلماء، ومن العلماء للمتعلمين، ومن الأستاذين للتلامذة، ومن التلامذة للصناع، وكان ولا يزال لكل حرفة زعيم أو نقيب أو شيخ أو عريف، ويُسمى شيخ الحرف كلها بسلطان الحرافيش ثم كُنّي عنه احتشامًا بشيخ الحرف والصنائع" (١).
التقسيم الثاني: باعتبار النفع والضرر، حيث يُمكن تقسيم الاختراعات بهذا الاعتبار إلى نوعين:
الأول: اختراعات نافعة، ولا بدّ من الإشارة هنا أن معيار النفع هنا هو موافقة الشرع الإسلامي، فمن النفع أن يستفيد الناس من هذا الاختراع في حياتهم العامة، كاختراع وسائل المواصلات والاتصالات، وحتى لو انحرف بعض الناس في استخدام هذا النوع من الاختراعات فاستخدمها في الممنوع فإنها تأخذ حكم المنع.
الثاني: اختراعات ضارة، وأيضا يُعتبر في الضرر الميزان الشرعي، إذ بميزان الشرع يُحكم على نفع الأشياء أو ضررها، كأداوات السرقة أو ما يُعتبر اليوم أسلحة الدمار الشامل، وقد صدر عن المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قرارًا حول الآلات التي يتم اختراعها، حيث جاء فيه:" إن كل أداة حديثة وصل إليها الإنسان بما علّمه الله، وسخّر له من وسائل؛ إذا كانت تخدم غرضًا شرعيًا أو واجبًا من واجبات الإسلام، وتحقق فيما لا يتحقق من دونها، تصبح مطلوبة بقدر درجة الأمر الذي تخدمه وتحققه من المطالب الشرعية، وفقًا للقاعدة الأصولية: ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب" (٢).
ولم تتحدث كتب الفقه الإسلامي القديمة عن حق الاختراع وغيره من الحقوق المعنوية؛ وذلك لأن المؤلفين لم يكونوا على خوف من سرقة منجزاتهم، وكذلك تشجيع الأمراء للعلماء، وبمعنى آخر كان الجو السائد هو احترام العلماء ومكافأتهم على منجزاتهم، كذلك نرى أنه قد جرى العرف على عدم وجود ما يُسمى اليوم بـ (مالية الابتكار) وإنما وجد ما يُعتبر من الأُعطيات والهبات، وهذه تعتبر من باب التبرعات، أما بداية استعمال هذا اللفظ من الناحية القانونية فقد بدأ منذ عام ١٨٨٦م في مؤتمر برن في سويسرا، حيث شاركت ثلاث وسبعون دولة كلها غربية إلا تونس والجزائر والمغرب ولبنان والهند، وقد نتج عن هذا المؤتمر توقيع اتفاقية دولية لحماية المصنفات الأدبية والفنية، وهذا على الصعيد القانوني، أما على سبيل الجهود الفقهية الإسلامية فكانت بذرتها في مجلة عالم الكتب الصادرة في الرياض بالمملكة العربية السعودية التي خصصت العدد الرابع من المجلد الثاني للعام ١٩٨٢م
_________________
(١) محمد كرد علي، خطط الشام، ج ٤، ص٢٢٩، طبعة عام ١٩٢٥م، المطبعة الحديثة، دمشق، سوريا، والكلام المنقول نسبه المؤلف لابن جماعة.
(٢) الدورة الثالثة المنعقدة من يوم ٢٣ - ٣٠ من شهر ربيع الآخر سنة ١٤٠٠ هجري.
[ ٢٠١ ]
للبحث في هذا الموضوع، ولم يقف الفقهاء المعاصرون على من تناول هذا الموضوع إلا ما وُجِد في كتاب الفروق تحت عنوان (منشأ شبهة القرافي في طبيعة حق المؤلف والرد عليه) (١)، وقد اجتهد المعاصرون من العلماء فكانت لهم المؤلفات الآتية:
١. حق الابتكار في الفقه الإسلامي للدكتور فتحي الدريني.
٢. حقوق التأليف والابتكار من وجهة نظر الفقه الإسلامي لعبد الله العماري.
٣. حكم الإسلام في حقوق التأليف والترجمة والتوزيع والنشر لأحمد الحجي الكردي.
٤. أمانة تحمل العلم لعبد الفتاح الحلو (٢)، ولبيان الحكم الشرعي في أحقية هذا الاختراع لا بدّ وأن نتحدث في ثلاثة مجالات:
المجال الأول: الحق الخاص، أو ما يسمى بحق النسبة، بمعنى أن يُنسب هذا الابتكار أو الاكتشاف لصاحبه، وهذا النوع من النسبة نراه موجودًا حتى في العصور القديمة.
المجال الثاني: الحق العام، أو ما يُطلق عليه حق الله تعالى في الابتكار، ويتمثل بحاجة الناس إلى الاستفادة منه، فلا يجوز أن يختص بمنفعته لنفسه أو لأهله.
المجال الثالث: الحق المادي في الابتكار - وهو موضوع البحث - ويتمثل في الامتيازات المالية للمؤلف أو المخترع لقاء ما اخترعه، ويُقسم هذا الحق عند العلماء إلى قسمين:
القسم الأول: الحق المالي في حياة المؤلف، ويعني ذلك أن يستفيد المؤلف من العائدات المالية طيلة حياته.
القسم الثاني: الحق المالي بعد الوفاة، فتعود كل العائدات المالية بعد وفاة المؤلف لورثته حسب الأنصبة الشرعية (٣)، ويرى الدكتور فتحي الدريني - رحمه الله تعالى - أن لا تزيد أقصى مدة استغلال هذا الابتكار عن ستين عامًا من تاريخ الوفاة، وذلك اعتبارًا بأقصى مدة للانتفاع بحق الحِكر الذي يعني حق القرار على الأرض الموقوفة للغرس أو البناء بطريق الإجارة الطويلة (٤)، ثم يصبح هذا الابتكار حقًا مشتركًا للأمة.
_________________
(١) أبو زيد، بكر، فقه النوازل، ج٢، ص١٢٣، ط١، ٢٠٠٦م، مؤسسة الرسالة، دمشق، سوريا.
(٢) المرجع نفسه، ج٢، ص ١٢٤.
(٣) المصدر نفسه، ج٢،ص ١٦٨.
(٤) الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، ص٧٣.
[ ٢٠٢ ]
ويرجع سبب اختلاف الفقهاء في حكم حق الابتكار إلى اختلافهم في طبيعة هذا الحق واختلافهم في اعتباره، هل هو حق شخصي أم هو حق عيني؟ فالحق الشخصي ما يثبت في الذمة ولا يثبت على شيء معيّن، أما الحق العيني فإنه يثبت على معيّن بذاته.
وبما أن من العلماء من قال " إن الغرض الأظهر من جميع الأموال هو منفعتها" (١)، كان لزامًا علينا بيان معنى المال عند الفقهاء، فالمال عند الحنفية" اسم لغير الآدمي، خلق لمصالح الآدمي وأمكن إحرازه والتصرف فيه" (٢)، حيث يتضح من هذا أن المال عند الحنفية عينٌ يُمكن إحرازه، فيخرج من ذلك المنافع كالسكن في الدار، حيث إن السكن في الدار لا يُعدّ مالًا لكون ذلك منفعة ولا يُمكن إحرازها، ويندرج من ذلك أن الابتكار لا يُعدّ مالًا بحدّ ذاته؛ لأنه منفعة للناس، إلا إذا اتفق العامل وصاحب العمل على الابتكار فإنه يصبح مالًا، وقد أجاز متأخرو الحنفية النزول عن حق الوظيفة بالمال، وهو حقٌ مجرد لا متقرر (٣)، أما جمهور الفقهاء فإنهم عرّفوا المال بأنه:" ما له قيمة يُباع بها، وهو أعيان أو منافع" (٤)، فيُفهم من ذلك أنهم اعتبروا المنافع مالًا بحدّ ذاتها، حيث يرى الشاطبي أن المال:" كل ما يقع عليه الملك ويستقل به المالك" (٥)، ونحن نرى أن من الفقهاء المالكية من يذكر للمال تعريفًا ينطبق على الابتكار العلمي، حيث يقول بعضهم:" ظاهر المال إذا أُطلق يشمل العين والعَرَض" (٦)،
وهذا التعريف متحقق في الابتكار الفكري لأنه صورة ذهنية، أو معانٍ عقلية متجردة، لا قيام لها بنفسها، ولا يمكن الإشارة إليها حسًا من حيث ذاتها إلا بعد إضافتها إلى صاحبها ومصدرها الذي اتخذته حيزًا ماديًا لها (٧)،وعند الشافعية المال:" كل ما له قيمة يُباع بها،
_________________
(١) العز بن عبد السلام، عز الدين، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج١، ص٢٠٠، بدون رقم طبعة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٢) ابن الهمام، فتح القدير، ج٦، ص٢٤٥. ابن نجيم،، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج٦، ص٤٣.
(٣) ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، ج٤، ص ٢٠٥.
(٤) الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج ٣،ص ٤٤٢.الشربيني، مغني المحتاج، ج ٢،ص ٢٨٦. ابن قدامة، المغني ج٧،ص ٣٦٤.
(٥) الشاطبي، الموافقات، ج٢، ص١٧.
(٦) الرصاع، محمد، شرح حدود ابن عرفة (الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق ابن عرفة الوافية) تحقيق محمد أبو الأجفان والطاهر المعموري، ط١،ص ٣٨٠، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان ..
(٧) الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، ج٢، ص٢٥.
[ ٢٠٣ ]
ويُلزم متلفه ضمانه، وإن قلّت، وما لا يطرحه الناس" (١)، ويُصرّح الحنابلة بأن المال:" كل ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة" (٢)،ومما يُستفاد مما سبق أن منفعة الابتكار والإبداع تُعدُّ مالًا كالأعيان، وتدخل في الملك، لذلك انقسم العلماء المعاصرون عند مناقشتهم لمسألة حق العامل في ابتكاره إلى ثلاثة فرقاء:
الفريق الأول: وهو القائلون بالجواز (٣) (جواز أخذ العامل عوضًا عما ابتكره)، وهم على نهج من سبقهم من الفقهاء المالكية (٤) والشافعية (٥) الذين يرون أن حق الابتكار والتأليف وغيرها من الحقوق المعنوية من الحقوق التي تقبل المعاوضة المالية، واستدلوا على قولهم بمايلي:
أولًا: استدلوا بقول الرسول - ﷺ -:" إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (٦)، فيُستدل من الحديث الشريف أنه إذا ورد جواز أخذ العوض عن القرآن الكريم فإن أخذ العامل مقابل اختراعه أولى بالجواز أيضًا.
ثانيًا: قول الرسول - ﷺ -:" أطيب الكسب عمل الرجل بيده، وكل عمل مبرور" (٧) فكل عمل مباح يعمله الرجل فهو من أطيب الكسب.
ثالثا: الاستدلال بقاعدة" درء المفاسد أولى من جلب المصالح" حيث يمكن اعتبار المفسدة الناتجة عن ترك المؤلفات والابتكارات بلا حفظ وصيانة مفسدة وخصوصًا في ظل خراب بعض الذمم.
_________________
(١) السيوطي، الأشباه والنظائر، ص٩٧. الزركشي، محمد بن بهادر، المنثور في القواعد، تحقيق تيسير محمد أحمد فائق، ط١، ج٣، ص ٢٢٢،١٩٨٢م، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت.
(٢) ابن قدامة، المغني، ج٦، ض٣٥٨.
(٣) منهم الشيخ مصطفى الزرقاء، والدكتور محمد عثمان شبير، والدكتور محمد فتحي الدريني، والدكتور محمد سعيد البوطي، والدكتور وهبة الزحيلي، والأستاذ محمد تقي العثماني، ومجموعة من علماء القارة الهندية، مثل: الشيخ فتح محمد اللكنوي، والشيخ المفتي محمد كفاية الله، والشيخ نظام الدين، والشيخ عبد الرحيم اللاجبوري، الدكتور عماد الدين خليل، والأستاذ وهب غاوجي، والأستاذ عبد الحميد طهماز وغيرهم. مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي. الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج٣، ص ٢١، الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي، ج٢،ص.٢٩
(٤) ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج٢، ص٢٤٠.
(٥) السيوطي، الأشباه والنظائر، ص٢٥٨.
(٦) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب الشروط في الرُّقية بفاتحة الكتاب، ص١٤٦٥،رقم ٥٧٣٧.
(٧) رواه الطبراني (٢١٤٠).الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيءٌ من فقهها، ج٢، ١٥٩، برقم٦٠٧.
[ ٢٠٤ ]
رابعًا: المصلحة المرسلة: ويمكن تخريج هذا الحق أيضًا على قاعدة المصالح المرسلة، ووجه المصلحة في حماية هذا الحق تشجيع الاختراع والإبداع، كي يعلم من يبذل جهده في الاختراع أنه سيختص باستئثاره، وسيكون محميًا من الذين يحاولون أن يأخذوا ثمرة ابتكاره وتفكيره، ويزاحموه في استغلالها (١)، فلا وجود لنصٍ يمنع اعتبار العوض للمبتكر، كما أنه لا وجود لنصٍ يُعطي المبتكر عوضًا، فيبقى الأمر في دائرة الأمور التي لم يرد دليل في جوازها ولا في حُرمتها.
خامسًا: العُرف: أن العرف العام جرى على اعتبار حق المؤلف في تأليفه وإبداعه. فأقر التعويض عنه، والجائزة عليه. ولو كان هذا الحق لا يصلح محلًا للتبادل والكسب الحلال لعُدّت الجائزة والتعويض عنه كسبًا محرمًا فقد تعارف الناس على أخذ المبتكر لقاء ابتكاره (٢)، ومما لا شك فيه أن حق المؤلف قد أصبح من المسلَّمات به في القوانين المعاصرة، وأن طباعة الكتاب أو تصويره بغير إذن صاحبه عدوان على حق المؤلف، ومن يفعل ذلك يتهرّب من المسؤولية، مما يدل على أن عمله ظلم موجب لإرضاء صاحب المؤَلف، والمسلم من أولى الناس برعاية حقوق العباد، كما يؤكد المجيزون بأن منشأ حق الابتكار هو العرف حيث يقول الدكتور الدريني - رحمه الله تعالى -: "حق الابتكار منشؤه العرف والمصلحة المرسلة المتعلقة بالحق الخاص أولًا، وبالحق العام ثانيًا، لأن إقرار الشارع للحق، إنما يكون بحكم، والحكم مستمد من مصادر التشريع التي منها العرف والمصلحة" (٣).
وقد طرح مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذا الأمر في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ - ٦ جمادى الأول ١٤٠٩هـ الموافق١٠ - ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨م، وبعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع الحقوق المعنوية، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
أولًا: الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار، هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العُرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتموّل الناس لها. وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا، فلا يجوز الاعتداء عليها.
ثانيًا: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية ونقل أي منها بِعِوَض مالي، إذا انتقى الغرر والتدليس والغش، باعتبار أن ذلك أصبح حقًا ماليًا.
_________________
(١) الورقي، سعود بن عبد الله، العرف وتطبيقاته المعاصرة، ص٤٠، بحث منشور على موقع الفقه الإسلامي http://www.islamfeqh.com/Nawazel/NawazelItem.aspx?NawazelItem
(٢) أبو زيد، فقه النوازل، ج٢، ص١٨٢، بتصرف.
(٣) بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، ج ٢،ص ٢٩.
[ ٢٠٥ ]
ثالثًا: حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعًا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها. (١)
الفريق الثاني: وهم القائلون بمنع المبتكر من أخذ عوض ابتكاره، وهم بعض علماء الحنفية (٢) الذين تأثروا بقول متقدمي الحنفية القائلين بعدم اعتبار المنافع مالًا، ولكن بعض الحنفية نصّوا على أن المنفعة قد يؤخذ عنها عوضًا إذا ورد العقد عليها كعقد الإيجار (٣)،وقد استدلوا بالأدلة الآتية:
أولًا: استدلوا بقول الله - ﷾ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٤)، ولكن هذه الآية خارج محل النزاع لأنه ورد في تفسيرها بأن المقصود من كتمان ما أنزل الله هو إظهار الزيف وإخفاء الحق (٥)، كما ورد في سبب نزولها أن معاذ بن جبل ومعه جمعٌ من المسلمين سألوا يهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم، فأنزل الله هذه الآية. (٦)
ثانيًا: قول الرسول - ﷺ -:" من كتم علمًا يعلمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (٧) وبالرغم من أنه لا حق لعالم أن يكتم ما علمه الله إياه، إلا أن هذا لا يستدعي من العالم أو المبتكر أن يوزع اختراعه بالمجان أو بدون مقابل، وإنما يتقاضى لقاء اختراعه بالمثل.
ثالثًا: احتج المانعون بأن نشر الابتكار بلا مقابل يحقق مقصدًا من قاصد الشريعة الإسلامية وهو انتشار العلم بين الناس.
الفريق الثالث: من العلماء من نصح العلم أو العامل المبتكر بعدم أخذ مقابل اختراعه إذا لم تدعه الحاجة، وإن دعته أخذ بقدرها، وهذا من باب الورع وخروجًا من الخلاف، ولم يرجّح أصحاب هذا القول أيًا من القولين السالفين. (٨)
_________________
(١) مجلة المجمع، العدد الخامس، ج ٣، ص ٢٢٦٧.
(٢) منهم الدكتور أحمد الحجي الكردي في بحثه (حكم الإسلام في حقوق التأليف والنشر والترجمة) المنشور في مجلة هدي الإسلام الأردنية سنة ١٩٨١م، عدد ٢٥.
(٣) ابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج٤، ص٣.
(٤) سورة البقرة، آية رقم ١٥٩.
(٥) القرطبي، محمد بن احمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، خرّج أحاديثه عماد البارودي وخيري سعيد، بدون رقم طبعة، ج٢، ص ١٦٤، المكتبة التوفيقية، القاهرة، مصر.
(٦) السيوطي، لباب النقول في أسباب النزول، ص٣٤.
(٧) رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ص ٥٢، برقم (١١٨).
(٨) أبو زيد، فقه النوازل، ج٢، ص١٨٣.
[ ٢٠٦ ]
وبعد عرض وجهتي الجواز والمنع في حكم أخذ العامل عوض اختراعه الذي توصّل إليه أثناء عمله نقول:
١. قرر العلماء المعاصرون أحقية العامل في اختراعه.
٢. قرر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي أن اختراع العامل هو ملك له.
٣. يرى الباحث - والله تعالى أعلم - أن العامل إذا توصّل إلى الاختراع بلا اعتماد منه على معدات وآلات صاحب العمل، ولم يكن العمل في هذا الاختراع على حساب ساعات العمل فإن هذا الاختراع خالص للعامل نسبة وماليًا، ولكن هذا الحق ممكن أن يقوم ولي الأمر بتقييده في حالات منها:
أ تقييد حق المخترع في الإذن بنشر اختراعه وعرضه للناس، مع أن الإذن بنشر الاختراع هو حق خالص للمخترع، ولكن هذا الحق قد يُسلب من العامل المخترع ويُجبر على نشر اختراعه للناس، هذا إذا تعلقت مصالح الناس بهذا الاختراع، كمن يكتشف جهازًا طبيًا يُستخدم في علاج مرض معيّن، فإذا امتنع صاحب الاختراع عن طرحه للناس يُجبره ولي الأمر على ذلك.
ب تقييد حق المخترع في نشر اختراعه إذا اشتمل اختراعه على مفاسد شرعية، لأن المصلحة العامة تتطلب ذلك المنع، كالعامل الذي يبتكر نوع من الفيروسات التي تُصيب أجهزة الحاسوب، والتي يتمكن المخترع من خلالها من اختراق أجهزة الآخرين والاطلاع على أسرارهم. (١)
٤. إذا استخدم العامل معدات صاحب العمل أو أيًا من ممتلكاته فإن في ذلك إساءة للعمل، ويُلزم العامل جرّاء ذلك بتعويض صاحب العمل (٢)، ولا بدّ من إخراج فئة من الناس من دائرة النزاع وهم الموظفون الذين تم التعاقد معهم على البحث والتنقيب وإجراء التجارب العلمية للوصول إلى ابتكارات تخدم الناس والمجتمع، فهؤلاء العمال لا يستحقون تعويضًا عن ابتكاراتهم، لن العقد تم بناءً على هذه الغاية، ويبقى نسبة الاختراع في هذه الحالة التي يرى الباحث -والله تعالى أعلم- أنها من حق العامل.
ومن الناحية القانونية لم يذكر قانون العمل الفلسطيني نصوصًا ولا إشارات تتحدث عن أحكام الابتكار بعكس بقية القوانين- كالقانون الأردني - التي فصّلت الحديث في هذا الموضوع فقرر حقين للعامل:
الحق الأول: الحق الأدبي، والذي هو نسبة هذا الاختراع للعامل نفسه وليس لصاحب العمل.
الحق الثاني: الحق المالي، وهو ما يستحقه العامل لقاء هذا الاختراع، وهناك ثلاثة أنواع من الاختراعات:
_________________
(١) المشهراني، حقوق الاختراع والتأليف في الفقه الإسلامي، ص٣٠٧، بتصرف.
(٢) موقع الإسلام اليوم http://islamtoday.net/fatawa/queslist-60-125-1.htm
[ ٢٠٧ ]
الأول: الاختراع الحر الذي توصل إليه العامل منفصلًا عن العمل المعقود عليه زمانيًا ومكانيًا، وفي هذا النوع يستقل العامل بهذا الاختراع أدبيًا وماليًا.
الثاني: اختراع الخدمة، وهو الاختراع الذي توصل إليه العامل خلال عملٍ استنفذ من العامل جهده ووقته، في حين استحق العامل أجرًا على هذا العمل، وكان صاحب العمل يتولى إمداد العامل بالمواد الخام والآلات وكل مستلزمات هذا الاختراع، وهذا النوع من الاختراعات من حق صاحب العمل، ولكن لا يمتد حقه إلى الحق الأدبي، بل يقتصر حقه على الحق المالي للاختراع.
النوع الثالث: الاختراع العرضي، وهذا ما يتوصل إليه الباحث دون تخصيص جهدٍ ووقت للبحث عنه مع استعانة العامل بآلات وأدوات صاحب العمل، وهو يقف في منزلة بين النوع الأول والثاني من الاختراعات، وهذا النوع ينفرد العامل باستغلاله، لكن صاحب العمل يُعطى فيه حقًا إذ١ اشترط ذلك في العقد. (١)
أما القانون المدني الأردني فقد نظمت المادة رقم (٨٢٠) كيفية التعامل مع اختراعات العمال فجاء فيها:" إذا وفق العامل إلى اختراع أو اكتشاف جديد أثناء عمله فلا حق لصاحب العمل فيه إلا في الأحوال الآتية:
١. إذا كانت طبيعة العمل المتفق عليه تستهدف هذه الغاية.
٢. إذا اتُفِق في العقد صراحة على أن يكون له الحق في كل ما يهتدي إليه العامل من اختراعات.
٣. إذا توصل العامل إلى اختراعه بواسطة ما وضعه صاحب العمل تحت يده من مواد أو أدوات أو منشآت أو أية وسيلة أخرى لاستخدامه لهذه الغاية" (٢)
_________________
(١) إلياس، يوسف، الوجيز في شرح قانون العمل، ص٧٠، طبعة عام ١٩٨٨م، هيئة المعارف الفنية في وزارة التعليم العالي، الرصافة، العراق.
(٢) http://www.barasy.com/forum/showthread.php?t=1889
[ ٢٠٨ ]