الراتب التقاعدي في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني
تُحدثنا كتب التاريخ أن الخليفة عمر بن الخطاب - ﵃ - رأى رجلًا عجوزًا ضرير البصر يستعطي الناس فسأله ما الذي ألجأك إلى هذا الحال؟ فيجيبه الرجل: إنها الحاجة والسنّ، فيأخذ عمر بيده إلى بيت المال ويقول للخازن: أنظر هذا وأمثاله فو الله ما أنصفناه إن أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهرم، ثم خصص للرجل مبلغًا ماليًا يحصل عليه كل شهر، وفي عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق - وكانوا من النصارى-: "وجعلت لهم، أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعِيل من بيت مال المسلمين هو وعياله (١).
وقد عرفت المملكة العربية السعودية أول نظام تقاعد سنة ١٩٤٤م، وكان هذا النوع من التأمين يهدف إلى تامين الموظف ومن يعولهم تجاه الحاجات الاقتصادية التي قد تنشأ عن فقد العامل دخله من عمله أو وظيفته بانتهاء خدمته.
ويُقصد بالتقاعد:" الاستغناء عن الخدمات المقدمة من الموظف بعد وصوله السن القانوني للتقاعد، حيث يتراوح السن القانوني في أغلب الدول ما بين سن (٦٠ - ٦٥ سنة) " (٢)، ويُمكن حصر أسباب التقاعد في:
١. عامل العمر.
٢. عامل المرض.
٣. عامل المدة القانونية.
أما الراتب الذي يستحقه العامل بعد تعرّضه لأحد الاحتمالات السابقة (راتب التقاعد) فيُمكن تعريف هذا المصطلح الحادث بأنه:" مبلغ من المال يستحقه بصفة دورية شهرية العامل أو الموظف الذي انتهت خدمته، على الدولة أو المؤسسة المختصة بالتأمينات الاجتماعية إذا تحققت فيه شروط معينة تتعلق بمدة الخدمة التي دفع عنها اشتراكات شهرية، وبالسن التي وصل إليها عند انتهاء خدمته، والأسباب التي أدّت إلى هذا الانتهاء، ويستحقه العامل طوال حياته، فإن توفي استحقه بنسب حددها
_________________
(١) أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، الخراج، ص ١٢٦، ١٤٤، طبعة عام ١٩٩م، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
(٢) الطائي وآخرون، إدارة الموارد البشرية، ص٥٠٥.
[ ١٨٣ ]
القانون طائفة من ورثته، كما يستحقها هؤلاء الورثة مباشرة إذا انتهت خدمة العامل بالوفاة، وتنتهي مدة استحقاقها للورثة ببلوغ سن معينة، أو أسباب أخرى محددة" (١).
وعرّفه بعض العلماء بقولهم:" مبلغ مالي يُصرف للموظف حال حياته بعد بلوغه سنًا معينة - يفترض غالبًا مظنة العجز والشيخوخة- وينتقل من بعد وفاته للمستحقين" (٢)، ولتكييفه الشرعي لا بد من الإشارة إلى أن الراتب التقاعدي ليس أجرًا مؤجل التسليم، بدليل أن هناك شروطًا لاستحقاقه، وهناك أسبابًا للحرمان منه، ولو كان جزءًا من الأجرة لكانت له صفاتها من حيث الاستحقاق المؤكد، وكذلك إمكانية المطالبة بهذا المال بمجرد تقديم العمل المطلوب منه، كما يجب أن تكون الأجرة معلومة، ومبلغ التقاعد غير معلوم، حيث لا سبيل لمعرفة مقداره وذلك لارتباطه بالباقي من عمر الإنسان بعد خروجه من الخدمة، وهو ما يعني أن تسميته راتبًا تسمية مجازية لمشابهته الراتب الشهري في الربط بفترات شهرية.
ويقوم نظام التقاعد على الاحتمال كأي نظام تأميني آخر، فقد يُدفع للصندوق عن الموظف القليل، ثم يموت أو يعجز عن العمل، فيُدفع له أو لعائلته الكثير، وكذلك العكس، فقد يُدع للصندوق عن الموظف الكثير، ثم يموت ولا يكون له مستحق عنه حسب النظام، فلا يأخذ شيئًا مما دفع، ويتنوع الراتب التقاعدي إلى نوعين:
النوع الأول: الراتب التقاعدي الذي تلتزم به الدولة لموظفيها المدنيين والعسكريين.
النوع الثاني: الراتب الذي تعطيه المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.
ويُموّل صندوق التقاعد من مصدرين هما:
المصدر الأول: ما يُقتطع من راتب الموظف الذي ينطبق عليه النظام.
المصدر الثاني: ما تدفعه وزارة المالية إلى هذا الصندوق من مبالغ مماثلة لما يُقتطع من راتب الموظف، وقد وضّح الدكتور علي السالوس (٣) فكرة التقاعد وتكييفها الفقهي بقوله:"يُعتبر الراتب التقاعدي أحد أنواع التأمين الاجتماعي وليس تأمينًا خاصًا بشخص يخشى خطرًا معينًا، ولا يندرج تحت التأمين التجاري، وإنما هو تأمين عام لا يهدف إلى الربح، ولكن يهدف إلى مساعدة مجموعة من
_________________
(١) شبير وآخرون، أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة، ج١، ص٢٥٨.
(٢) أبو غدة، زكاة مكافأة نهاية الخدمة، ص ٤.
(٣) علي بن الشيخ أحمد علي السالوس.، ولد عام ١٣٥٣هـ ـ١٩٣٤م في مصر، يحمل الجنسية القطرية، يعمل أستاذًا للفقه والأصول بكلية الشريعة بجامعة قطر، وهو النائب الأول لرئيس مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، عضو بمجمع الفقه - منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، عضو بجمع الفقه برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، له أكثر من ثلاثين مؤلفًا. الترجمة مأخوذة من الموقع العالمي للإقتصاد الإسلامي http://isegs.com/forum/showthread.php?t=1075
[ ١٨٤ ]
الأفراد قد يكثر عددهم جدًا فيصل إلى الملايين، مثل ما تقوم به دول للتأمين على أبنائها من العمال والموظفين مما يُعرف بنظام التقاعد أو المعاشات، فتقتطع من الأجور والرواتب نسبة معينة، فإذا بلغ سن التقاعد أو وصل إلى المعاش يُصرف له معاش شهري، أو يأخذ مكافأة مالية تساعده في حياته، وكذلك ما يُعرف بالتأمينات الاجتماعية والتأمينات الصحية" (١)، ولبيان الحكم الشرعي في هذا النوع من الاستحقاقات الطبيعية للعامل، أعرض لوجهتي النظر في حكمه الشرعي:
الفريق الأول: وهم القائلون بحلّ معاشات التقاعد (٢)، وقد استدلوا بتعليلين هما:
التعليل الأول: أنه يظهر في نظام التقاعد التبرع، حيث عن الموظف متبرع بما يؤخذ من راتبه الشهري، وكذلك الدولة أو الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية متبرعة بما تدفعه لصندوق التقاعد عن موظفيها، كما أن الدولة ممثلة في ولي الأمر معنية برعاية الموظف وبمن يعول بعد نهاية خدمته وكبر سنه فما تقتطعه من مرتبه شهريًّا تضيف عليه نسبة تماثل لما اقتطعته منه أو نحوها وتقوم بتشغيلها وتنميتها ثم يصرف له كامل النسبتين بعد تقاعده، وإنما أتت شبهة الربا عند بعض الناس من حيث إن الموظف يدفع مالًا على أقساط قليلة فيأخذ أكثر منها عند تقاعده من الوظيفة، وليس كذلك، إذ حقيقة الأمر أن ما دفعته الدولة من نسبة هو تبرع وليس لقاء عمل، إذ مقابل العمل هو الراتب الشهري الذي يستلمه الموظف آخر الشهر، فهذا من الدولة شبيه بالمكافأة، وأيضًا مما يؤكد أن المعاش التقاعدي عقد تبرع لا معاوضة.
التعليل الثاني: أن الدولة لا تمتلك ما اقتطعته من رواتب الموظفين، وإنما هو موقوف لهم لحين الحاجة، وهذا بخلاف التأمين التجاري الذي تمتلك شركة التأمين أقساط المؤمنين بمجرد دفعها للشركة.
الفريق الثاني: القائلون بالتحريم (٣)، وقد احتجوا بمايلي:
١. أن نظام التقاعد نوع من أنواع التأمين، ولا يختلف عن التأمين التجاري في أصله ومشروعيته، فهو يشتمل على الربا والغرر.
٢. يشتمل راتب التقاعد على ربا الفضل، وذلك لأن معاش التقاعد هو عبارة عن بيع نقود مجهولة المقدار بنقود مجهولة المقدار، وقد تكون أكثر منها أو أقل، كما أن هذا الراتب يشتمل على ربا النسيئة حيث إن أحد العوضين في رواتب المتقاعدين مؤجل إلى أجل غير مسمى.
_________________
(١) السالوس، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة والاقتصاد الإسلامي، ص٣٧٣.
(٢) أغلب العلماء المعاصرين ومنهم الدكتور علي السالوس. المرجع نفسه ص ٣٧٣.
(٣) منهم الشيخ عبد الرزاق عفيفي الذي رفض أن يأخذ أية مبالغ عندما تقاعد لأن المسألة عنده فيها شبهة ربا. http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=6798
[ ١٨٥ ]
٣. يُعتبر راتب التقاعد نوعًا من أنواع القمار، وذلك لأنها معاوضة تعتمد على الحظ، فقد يدفع الموظف أقساطًا يسيرة ثم يستحق مبالغ كبيرة والعكس.
٤. إن معاشات التقاعد مخالفة لقواعد الميراث الشرعية، لأنه إذا توفي الموظف يستحق راتبه من كان يعولهم قبل موته، وذلك حسب أنظمة التقاعد دون اعتبار لباقي الورثة. (١)
وبعد عرض فكرتي الإباحة والتحريم حول معاشات التقاعد، يميل الباحث - والله تعالى أعلم - لجواز هذا النوع من الرواتب للأسباب الآتية:
١. اندراج هذا النوع من أنواع الرواتب تحت باب التكافل والتضامن بين أفراد المجتمع المسلم، فقد عرف العرب مبكرًا هذه الفكرة فنشأت بصورة علمية عند ظهور الإسلام الذي يهدف للإقامة مجتمع الكفاية والعدل والمساواة.
٢. أن العمّال وجمهور الموظفين يعانون اليوم من قلة موارد دخلهم، ويعتمدون على الراتب الشهري الذي قلّما يدخرون منه، فيأتي راتب التقاعد ليسد حاجتهم في الوقت الذي غالبًا ما يعجزون عن العمل.
٣. غياب الدولة الإسلامية التي تتكفل في الغالب بتأمين الدخل للعاجزين عن العمل وبشكل مجاني، وهي ملزمة بذلك.
٤. في رواتب التقاعد تخفيف من نسبة الفقر والعوز المنتشرة والمتزايدة.
٥. في رواتب التقاعد احترام للموظف العامل ومكافأة له.
٦. ينبغي التنبيه إلى أمر غاية في الأهمية، ألا وهو استثمار هذه الأموال المقتطعة من رواتب الموظفين وتلك المدفوعة من الجهة المشغّلة، حيث لا يجوز استثمارها بالوسائل الربوية المنتشرة في زمننا المعاصر، ولا بدّ من الحرص على إبعادها عن الوسائل المحرمة الأخرى، قد صدرت فتاوى معاصرة حول موقف الموظف المسلم الذي يعلم أن راتبه التقاعدي يتم تشغيله في الربا من الحكومة، وهذا حرام على الدولة ولا دخل للموظف فيه، حيث لم يؤخذ رأيه في تشغيل ما يخصه، فهي المرابية وهي الظالمة، والموظف لم يرض بذلك بل هو مجبر عليه (٢)، كما يحرم الاشتراك في أي صندوق إذا كانت أمواله تشغل بطرق محرمة شرعًا مثل تشغيل الأموال في البنوك الربوية بالفائدة، ومثل المتاجرة بأسهم الشركات التي يحرم التعامل بأسهمها، ومثل تشغيل الأموال في البورصات العالمية لأن أكثر
_________________
(١) ابن ثنيان، التأمين وأحكامه، ص٢٦١ - ٢٦٢.
(٢) فتوى للدكتور سعود الفنيسان، عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود، موقع الإسلام اليوم http://islamtoday.net/fatawa/quesshow-60-
[ ١٨٦ ]
تعاملاتها محرمة شرعًا (١)، ولا يجوز الانتفاع بتلك الأموال انتفاعًا شخصيًا كأن ينفقها الشخص على نفسه أو على أهله فهذه الأموال لا تحل للشخص أبدًا، ولا يحل له إنفاقها في مصالحه الشخصية كتسديد الضرائب المترتبة على المشترك أو في استخراج رخصة بناء. وعليه إنفاق تلك الأموال على الفقراء والمحتاجين والغارمين والمؤسسات الخيرية ومصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو مستشفى أو تجهيز شارع ونحو ذلك.
وقد أفتى بذلك طائفة من علماء العصر منهم فضيلة الشيخ العلامة مصطفى الزرقا -رحمة الله عليه- حيث قال:"لا يجوز الانتفاع بتلك الأموال انتفاعًا شخصيًا كأن ينفقها الشخص على نفسه أو على أهله فهذه الأموال لا تحل للشخص أبدًا، ولا يحل له إنفاقها في مصالحه الشخصية كتسديد الضرائب المترتبة على المشترك أو في استخراج رخصة بناء. وعليه إنفاق تلك الأموال على الفقراء والمحتاجين والغارمين والمؤسسات الخيرية ومصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو مستشفى أو تجهيز شارع ونحو ذلك" (٢)،وقد أفتى بذلك طائفة من علماء العصر فقالوا:" إن التدبير الصحيح الشرعي في هذه الفوائد أن يأخذها المودع من المصرف دون أن ينتفع بها في أي وجه من وجوه الانتفاع فعليه أن يأخذ تلك الفوائد التي يحتسبها له المصرف الربوي عن ودائعه ويوزعها على الفقراء حصرًا أو قصرًا لأنهم مصرفها الوحيد" (٣)، ويختلف الراتب التقاعدي عن مكافأة نهاية الخدمة في أمور جوهرية منها:
١. أن الملتزم بالراتب التقاعدي ليس صاحب العمل، وإنما المؤسسة العامة ذات الشخصية الاعتبارية، وهي الدولة أو المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.
٢. مكافأة نهاية الخدمة لا تستحق إلا للعامل الذي يدفع أقساطًا تقتطع من راتبه بصورة دورية، وفي بعض البلدان (الأردن) إذا كان صاحب العمل مؤسسة خاصة وجب عليها دفع أقساط إلى لمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تعادل ما يفرضه قانون العمل من مكافأة نهاية الخدمة، أما إذا كان رب العمل هو الدولة نفسها اقتُصر على موظفيها.
٣. إذا توفرت شروط معينة تتعلق بعمر الموظف وعدد الأشهر التي دفع أقساطها استحق الموظف راتبًا تقاعديًا له أو لبعض ورثته، فإذا تخلفت هذه الشروط استحق مبلغًا ماليًا يُحسب بطريقة محددة يُراعى فيها مدة خدمته وراتبه السنوي، وهو ما يسمى بمكافأة التقاعد.
_________________
(١) فتوى الدكتور حسام الدين عفانة، بتاريخ ٢/ ١١/٢٠٠٧م، http://www.yasaloonak.net
(٢) المصدر نفسه.
(٣) الشيخ مصطفى الزرقا، شبكة الشريعة التخصصية، http://sharee3a.com/vb/showthread
[ ١٨٧ ]