التظاهر والإضراب عن العمل
قررت الشريعة الإسلامية الغرّاء الوفاء بالالتزامات من كلا الطرفين، حيث قال الله - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (١)، ومن الوسائل التي يُمكن للعامل اتباعها للتعبير عن احتجاجه على صاحب العمل الإضراب عن العمل.
وقد عرّف علماء اللغة الإضراب بقولهم:" أضربت عن الشيء: كففت وأعرضت، وضرب عنه الذكر وأضرب عنه: صرفه، ويُقال: ضربت فلانًا عن فلان: أي كففته عنه" (٢) فالإضراب بهذا المعنى يتضمن معنى الكفّ، وكذلك الإعراض عن الشيء هو الامتناع عنه.
أما تعريف الإضراب في الاصطلاح فهو:" توقف أو امتناع العامل عن أداء مهامه التي وكّل بها، بدون سابق إذن من موكله أو رب العمل لغرض الحصول على إحدى حقوقه بالعدل" (٣)، أو هو:" اتفاق مجموعة من العمال فيما بينهم على الامتناع عن القيام بالعمل المتفق عليه لوجود نزاع عمالي، والغرض منه الحصول على حقوقهم التي تتعلق بشروط العمل أو ظروفه" (٤) ويتنوع الإضراب إلى أنواع ثلاثة هي:
النوع الأول: الإضراب عن الطعام، وغالبًا ما يكون هذا النوع داخل السجون والمعتقلات، وقد عايشته ولمست أثره الإيجابي في المعتقلات الإسرائيلية.
النوع الثاني: الإضراب العام، وغالبًا ما يلجأ إليه العمّال بعد إهدار صاحب العمل- وهو الدولة - حقوقهم.
النوع الثالث: الإضراب الفئوي، وتقوم به فئة معينة من الشعب، يجتمعون على مهنة واحدة، أو يعملون في وظيفة واحدة، وقد عايشنا إضراب المعلمين والعاملين في الجامعات الفلسطينية مرات عديدة، ونحن بصدد الحديث عن هذا النوع دون غيره من الأنواع، نظرًا لارتباطه بموضوع الرسالة.
ومن المقرر بداية أنه لا بدّ من مسوّغ لهذا الإضراب، ويمكن أن تتنوع المسوغات ومنها:
_________________
(١) سورة المائدة، آية رقم ١.
(٢) ابن منظور، لسان العرب، ج١، ص٥٤٧.
(٣) نصر عامر، الإضراب وأثره في الفقه الإسلامي، مقال منشور على موقع القلم على شبكة الانترنت http://www.alqlm.com/index.cfm?method=home.con&contentid=734
(٤) رمضان، الوسيط في شرح قانون العمل، ص٥٠٤.
[ ١٩٢ ]
١. سلب العامل أحد حقوقه التي سبق الحديث عنها أو غيرها.
٢. عدم حصول العامل على جدوى محققة بعد مطالبة العامل بحقوقه، سواء كان ذلك شفويًا أو كتابيًا، أو بأيٍ من الطرق المتاحة للعامل.
٣. سكوت الدولة وعدم تدخلها لإقامة العدل بين العمال وأصحاب العمل.
٤. عدم استجابة أصحاب العمل لتهديدات العمّال بالإضراب عن العمل.
٥. وجود فجوة فعلية وواسعة بين الأجر الذي يتقاضاه العامل ومتطلبات الحياة.
يُعتبر الإضراب من النوازل الفقهية، حيث ورد عن النبي - ﷺ - أحاديث تضع للباحث المعاصر قواعد عامة للتعامل مع تلك النوازل، كقوله:" ليُّ الواجد يُحلّ عرضه وعقوبته" (١)، وقوله - ﷺ -:" مطل الغني ظلم، ومن اتبع على مليء فليتبع" (٢) ويمكن أن نفهم من هذا الحديث: أن الظلم المالي لا يختص بأخذ مال الغير بغير حق، بل يدخل فيه كل اعتداء على مال الغير، أو على حقه بأي وجه يكون، فمن غصب مال الغير، أو سرقه، أو جحد حقًا عنده للغير، أو بعضه، أو ادّعى عليه ما ليس له من أصل الحق أو وصفه، أو ماطله بحقه من وقت إلى آخر، أو أدّى إليه أقل مما وجب له في ذمته - وصفًا أو قدرًا - فكل هؤلاء ظالمون بحسب أحوالهم. والظلم ظلمات يوم القيامة على أهله.
ثم إننا نتعلم من الحديث حُسن الاستيفاء، وأن من له الحق عليه أن يتّبع صاحبه بمعروف وتيسير، لا بإزعاج وتعسير، ولا يمتنع عليه إذا وجهه إلى جهة ليس عليه فيها مضرة ولا نقص، فإذا أحاله بحقه على قادر على الوفاء غير مماطل ولا ممانع فليتحوّل عليه، فإن هذا من حسن الاستيفاء والسماحة.
ولهذا ذكر الله تعالى الأمرين في قوله - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) وقد دعا النبي - ﷺ - لمن اتصف بهذا الوصف الجميل، فقال: "رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى (طلب
_________________
(١) رواه أبو داود في سننه، كتاب القضاء، باب في الدَّين هل يُحبس به، ص ٦٥١، برقم (٣٦٢٨) وحكم عليه الشيخ الألباني بأنه حديث صحيح، ورواه النسائي في سننه، كتاب البيوع، باب مطل الغني، ص٧١٤، برقم (٤٦٨٩).
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الحوالات، باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة، ص (٥٤١) برقم (٢٢٨٧)، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغني وصحة الحوالة واستحباب قبولها إذا أُحيل على مليء، ص (١٥٦٤) برقم (١٥٦٤).
(٣) سورة البقرة، آية رقم ١٧٨.
[ ١٩٣ ]
قضاء الحاجة) " (١)، فالسماحة في مباشرة المعاملة، وفي القضاء، يرجى لصاحبها كل خير ديني ودنيوي، لدخوله تحت هذه الدعوة المباركة التي لا بدّ من قبولها، وإذا كان مطلُ الغني ظلمًا وجب إلزامه بأداء الحق إذا شكاه غريمه، فإن أدّى وإلا عُزّر حتى يؤدي، أو يسمح غريمه، وهذا الحديث أصل في باب الحوالة، وأن من حُوّل بحقه على رجل مليء، فعليه أن يتحول، وليس له أن يمتنع، كما أن امتناع الموسر عن دفع ما عليه من التزامات مادية وكذلك مماطلته في الدفع يُحلُّ عرضه وعقوبته، فما بالنا إذا كان المماطل هو ربّ العمل، وهنا وجب على ولي الأمر التدخل لفضّ النزاع ومعاقبة رب العمل لمماطلته في الدفع، وقد انقسم العلماء المعاصرون في رأيهم الشرعي للإضراب إلى فريقين:
الفريق الأول: وهؤلاء منهم من أجاز التظاهر والإضراب عن العمل على إطلاقه (٢)،
وذلك لأن رب العمل أخلّ بالعقد، وفي هذا إشارة إلى الإضراب عن العمل الذي يكون بسبب عدم استلام العمال لرواتبهم، ومن هذا الفريق من أجاز الإضراب عن العمل ولكن بضوابط كعدم الإضرار بالمصلحة العامة، (٣) ومنهم من سئل الإضراب عن العمل لتحقيق بعض المطالب للعامل أو تحسين بعض الأوضاع فأجاب:" إن الإضراب إخلال في عقد العمل بين العامل من جهة، وصاحب العمل من جهة أخرى، ولقد دعى الله - ﷾ - في كتابه الكريم إلى الالتزام والوفاء بالعهود والمواثيق والعقود التي يقطعها الإنسان على نفسه تجاه الغير، ولا بدّ من أن يقوم العامل بجميع الأعمال الموكلة إليه على الوجه الذي يرضي الله تعالى، مصداقا لقوله - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (٤) وقد يصاحب
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقًا فليطلبه في عفاف، ص٤٩٢، برقم (٢٠٧٦).
(٢) المفتون بالجواز: نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق، والدكتورة سعاد صالح عميدة كلية الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر، الدكتور حامد أبو طالب عضو مجمع البحوث الإسلامية وعميد كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر، على موقع إسلام أون لاين http://www.islamonline.net. الشيخ محمد علي فركوس من علماء الجزائر http://www.ferkous.com/rep/engine.php?. الشيخ سعد فضل من علماء الأزهر http://www.ikhwanonline.com/Article الموقع العالمي للاقتصاد الإسلامي على شبكة الانترنت http://www.isegs.com/forum
(٣) ورد هذا القيد في بحث بعنوان " الإضراب " للدكتور عبد الكريم زيدان على موقع جامعة الإيمان. http://www.jameataleman.org/ftawha/zadean/zftw6.htm
(٤) سورة المائدة، آية رقم ١.
[ ١٩٤ ]
الإضراب بعض المفاسد وأعمال الشغب ومظاهر العنف، وهذا ما لا يرتضيه الشارع بناءً على القاعدة الفقهية: درء المفاسد أولى من جلب المنافع، وهناك العديد من الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لتحقيق المطالب، وقد تكون أكثر فاعلية وجدوى من الإضراب، كالتظلّم لدى المسئولين ومخاطبتهم وجدالهم بالتي هي أحسن، والإنسان العاقل لا يترك بابًا وفق أسس سليمة شرعية، إلا ويطرقه، أما الانقطاع عن العمل بسبب عدم دفع الأجور والرواتب فهذا جائز، لأن رب العمل أخل بالعقد، فللعامل أن ينقطع عن العمل حتى يدفع له أجره" (١).
وقد استدل من قال بإباحة التظاهرات والإضرابات بالأمور الآتية:
أولًا: قال الله - ﷾ -: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (٢) فهذا يدل على أنه من ظُلم يجوز له أن يشتكى ويرفع صوته ويعلن ذلك، فكيف إن كان الظلم عامًّا ووقع على كثير من أبناء الأمة إن لم يقع على الأمة بأسرها، ألا يعطيها ذلك الحق في أن تعلن ذلك بشكل جماعيّ وفرديّ؟، لذلك يجوز للعمال إذا كانوا على الحق وقضيتهم عادلة أن يحتشدوا؛ ليعلنوا عن الظلم الذي وقع عليهم وأن يطالبوا برفعه.
ثانيًا: قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم (٣)، حيث علّق الإمام ابن القيم - ﵀ - على ذلك بقوله:" لمّا كانت المقاصد لا يُتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها" (٤).
ثالثًا: تعتبر هذه الاعتصامات والإضرابات من قبيل العادات وليس من قبيل العبادات، ولم يرد دليل شرعي يمنعها.
الفريق الثاني: وقد منع هذا الفريق الإضراب عن العمل لمبررات ساقها كل من أفتى بالمنع، فقد سئل الشيخ ابن عثيمين - ﵀- عن حكم الإضراب عن العمل في بلد مسلم للمطالبة بإسقاط النظام العلماني فأجاب -﵀-:" إن قضية الإضراب عن العمل سواء كان هذا العمل خاصًا أو بالمجال
_________________
(١) الشيخ محمد محمود النجدي، في كتابه رسائل ومسائل، ص ٤٨، عن موقعه الشخصي على شبكة الانترنت http://www.al-athary..net/index.php?option=com_content&task=
(٢) سورة النساء، آية رقم ١٤٨.
(٣) السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الشافعية، تحقيق محمد محمد تامر وحافظ عاشور حافظ، ج١، ص٦٠،ط٢، ٢٠٠٤م، دار السلام، القاهرة، مصر.
(٤) ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج٢، ص١٤٨.
[ ١٩٥ ]
الحكومي لا أعلم له أصلًا من الشريعة ينبني عليه، ولا شك أنه يترتب عليه أضرار كثيرة حسب حجم هذا الإضراب شمولًا، وحسب حجم هذا الإضراب ضرورة، ولا شك أنه من أساليب الضغط على الحكومات" (١)، وهناك من ذهب بعيدًا ليعتبر المظاهرات والإضرابات من قبيل الإفساد في الأرض، لافتًا إلى أن هذه الأعمال حتى إذا لم تشهد أعملًا تخريبية فهي تصدّ عن ذكر الله. (٢)
ويرى الباحث - والله تعالى أعلم - أن الإضراب منه ما هو مشروع في مقصده ووسيلته، ومنه ما ليس كذلك، وبالتالي يٌعتبر لجوء العمال للمطالبة بحقوقٍ مهضومة أو مسلوبة، والتعبير عن ذلك بالطرق السلمية التي تخلو من التخريب والتدمير والتعطيل لمصالح العامة، من الأمور التي تُبيحها الشريعة الإسلامية، وقد استند الباحث في ترجيحه على الأمور الآتية:
أولًا: إن الإضراب عن العمل هو إخلال بالواجب، ويتنافى مع الوفاء بالعقد المأمور به في قول الله - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (٣)،وصاحب العمل مطالب بالوفاء بالتزاماته تجاه العامل حتى لا يضطر إلى الإضراب.
ثانيًا: ينبغي على العامل تسليم نفسه لصاحب العمل طيلة المدة المتفق عليها، وذلك للقيام بالأعمال الموكلة إليه وبما يُرضي الله - ﷾ -، كما يلتزم صاحب العمل بدفع الأجرة للعامل على النحو المتفق عليه.
ثالثًا: إذا أخلّ صاحب العمل بدفع رواتب موظفيه يتحرك العمّال بخطوات احتجاجية للتعبير عن تظلمهم من عدم دفع رواتبهم، وهذه الخطوات الأصل فيها الإباحة، ولكنها مشروطة بشروط منها عدم التأثير سلبًا على مصلحة العمل أو المصلحة العامة.
رابعًا: إذا أراد العمّال المطالبة بزيادة رواتبهم المتفق عليها جاز لهم ذلك، نظرًا لعدم وجود ما يمنعهم من ذلك، ولكن لا ينقطعوا عن العمل إلا إذا رفض صاحب العمل ذلك الطلب، وكان هناك حاجة ماسّة لزيادة الرواتب.
خامسًا: لا بدّ من اعتبار أمرين مهمين عند الإقدام على هذه الخطوة هما:
_________________
(١) ابن عثيمين، محمد بن صالح، الصحوة الإسلامية، ضوابط وتوجيهات، ص٢٨٩، ط٣، دار القاسم، الرياض، السعودية.
(٢) الشيخ صالح اللحيدان، رئيس المجلس الأعلى للقضاء في السعودية، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء. موقع أخبار العالم الإسلامي http://arabic.irib.ir/pages/news/detailnews.asp?idn=37069
(٣) سورة المائدة، آية رقم ١.
[ ١٩٦ ]
١. مشروعية هذه الوسيلة.
٢. مشروعية الغاية من هذه الوسيلة.
فإذا كانت الوسيلة إلى الإضراب مباحة، والغاية منه واجبة، فإن الوسيلة لتحقيق الغاية تصبح واجبة، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وخلاف ذلك إذا كانت الوسيلة محرّمة أو اتخذت لغاية غير مشروعة، وهو ما عبّر عنه الدكتور فتحي الدريني -﵀- أن استعمال الحق يعتمد على أمرين هما:"
الأول: طهارة الباعث وشرف النية، حتى لا يعبث الهوى أو المصلحة الخاصة في التصرف.
الثاني: النظر في مآل التصرف الصادر من صاحب هذا الحق. (١) "
سادسًا: لا يجوز للعامل الإضراب عن العمل للمطالبة بغير مستحقاته، فإذا ترتب على الإضراب عن العمل مفسدة أكبر من المنفعة المرجوّة فلا يجوز القيام بهذه الخطوة، كتعطيل المستشفيات عند امتناع الأطباء عن العمل أو إغلاق الصيدليات أمام المرضى، وفي هذه الحالات يكون درء المفاسد عن الناس أولى من جلب المنافع للعمّال، وقد قامت الشريعة الإسلامية أصلًا لتحقيق المصالح، حيث قال الإمام الشاطبي (٢) - رحمه الله تعالى -:" أنّا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد" (٣).
وهنا ينبغي التنويه والتساؤل: هل يستحق المشارك في الإضراب أجرة عن المدة التي شارك فيها؟
ويرى الباحث - والله تعالى أعلم - أن الإضراب المشروع في مقصده ووسيلته يستحق العامل فيه الأجر كاملًا، وإذا لم يكن الإضراب مشروعًا لا يستحق أجر المدة التي انقطع فيها عن العمل.
وقد راعى قانون العمل الفلسطيني حق العامل في المشاركة في الإضراب عن العمل، فنصّ في المادة رقم (٦٦) على أنه:" وفقًا لأحكام القانون الإضراب حق مكفول للعمال للدفاع عن مصالحهم" (٤)، في حين سرد بعض التفصيلات التي نوافقه على بعضها ونختلف معه في البعض الآخر، فمثلًا اشترط قانون العمل الفلسطيني على ضرورة توجيه تنبيه كتابي من قِبل العمال إلى إدارة المنشأة أو المؤسسة وإلى الوزارة المعنية قبل أسبوعين، وهنا نوافق على المبدأ حفاظًا على مصلحة
_________________
(١) الدريني، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، ص١٧٤.
(٢) إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشاطبي، من أهل غرناطة، من أئمة المالكية، له من الكتب الموافقات في أصول الفقه، توفي سنة ٧٩٠هـ. المراغي، عبد الله مصطفى، الفتح المبين في طبقات الأصوليين، ج٣، ص ٢٠٥، ط٢، ١٩٧٤م، مكتبة محمد أمين دمج وشركاؤه، بيروت، لبنان.
(٣) الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج٢، ص٢٦٢.
(٤) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٢٦.
[ ١٩٧ ]
العمل وصاحبه، ولكنّ اشتراط ذلك بأن يكون قبل أسبوعين فيه إطالة لانتظار العامل، أما بيان الأسباب فهذا جيد حتى تكون إدارة المنشاة لديها تصور عن مطالب العمّال.
ثم إن اشترط القانون أن يكون التنبيه الكتابي الذي يوجَه إلى المنشأة أن يكون موقعًا من ٥١% من عدد العمّال يناقض تخويل العمّال من يمثلهم، فإذا اتفق العمّال على من يُمثلهم فما الحاجة بعد ذلك لتوقيع أكثر من نصف العمال؟ بل ينبغي الاكتفاء بقرار اللجنة الممثلة للعمال، كما أن القانون منع الإضراب خلال إجراءات النظر في النزاع الجماعي وهذا حفاظًا على مصلحة العمل، أما إيقاف الإضراب بعد عرض النزاع على جهة الاختصاص فهذا إفشال لخطوة الإضراب والاحتجاج، وذلك لاحتمالية استمرار النظر في النزاع أشهر أو سنوات، كما أنه يُحظر على العمّال استئناف إضراب جديد لوجود الخصومة، وقد نصّت المادة رقم (٦٧) من قانون العمل الفلسطيني على أنه:"
١ - يجب توجيه تنبيه كتابي من قبل الطرف المعني بالإضراب أو الإغلاق إلى الطرف الأخر وإلى الوزارة قبل أسبوعين من اتخاذ الإجراء موضحا أسباب الإضراب أو الإغلاق.
٢ - يكون التنبيه قبل أربعة أسابيع في المرافق العامة.
٣ - في حال الإضراب يكون التنبيه الكتابي موقعا من ٥١% من عدد العاملين في المنشأة علي الأقل وفي حال الإغلاق أثناء إجراءات النظر في النزاع الجماعي.
٤ - لا يجوز الإضراب أو الإغلاق أثناء إجراءات النظر في النزاع الجماعي.
٥ - يترتب علي عرض نزاع العمل الجماعي على جهة الاختصاص وقف الإضراب أو الإغلاق" (١)
_________________
(١) المصدر نفسه، ص ٣٠.
[ ١٩٨ ]