متابعة العامل للعمل بنفسه
أمر الله - ﷾ - بالوفاء بالعهود والمواثيق حيث قال:" ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (١) والأمر هنا للوجوب، إذ لا قرينة صارفة له عن الوجوب، ولا فرق في الوجوب بين عاملٍ وآخر، فمن التزم بشيء بموجب عقد صحيح لزمه الوفاء، ومن المعلوم أن الموظف أو أي مستخدم بأجرة إنما استُؤجر ليقوم بالعمل بنفسه، وهذا على خلاف الأجير المشترك، الذي يعمل للمؤجر ولغيره، فإنه يجوز له أن يوكّل غيره بالعمل المتّفق عليه، ما لم يُشترط في العقد قيام الأجير المشترك بنفسه بالعمل، فقد جاء في كشاف القناع:" وإذا تقبّل الأجير عملًا في ذمته بأجرة، فلا بأس أن يقبله غيره بأقل منها- أي من أجرته-" (٢) وهذا يُمكن أن يتم بشرطين:
الأول: أن يلتزم المستأجر في جودة العمل.
الثاني: أن لا يكون المستأجر اشترط قيام الأجير المشترك بالعمل بنفسه دون غيره، وتقوم القرائن والعرف مقام الشرط.
هذا إذا كان الاتفاق ينصّ على قيام العامل بالعمل بنفسه دون إنابة آخر؛ لأن الإجارة المعيّنة بشخص معيّن تقتضي أن يقوم العامل بالعمل بنفسه، وقد جعل العلماء المعاصرون الإجارة المعيّنة ثلاث حالات:
الأولى: النصّ على أن يقوم الأجير بنفسه، وفي هذه الحالة لا يجوز للعامل أن يُنيب غيره للعمل، وذلك كالاتفاق بين الأجير وصاحب العمل على تصليح جزءٍ من البيت المهدّم، فلا يجوز للعامل استنابة أحد لذلك العمل، وإذا أناب غيره بالعمل الموكّل إليه لم يستحق الأجرة المسماة. (٣)
الثانية: النصّ في الاتفاق- صراحة أو ضمنًا - على أن يقوم العامل بالعمل بنفسه أو بغيره، فإذا وافق صاحب العمل جاز ذلك؛ لقول الرسول - ﷺ -:" الصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صلحًا حرّم حلالًا،
_________________
(١) سورة المائدة، آية رقم ١.
(٢) البهوتي، منصور بن يونس، كشاف القناع عن متن الإقناع، ج٣، ص٥٦٦،طبعة عام ١٩٨٢م، دار الفكر، بيروت، لبنان.
(٣) القردة داغي، الإجارة على منافع الأشخاص، ص ٥٥.
[ ٤٦ ]
أو أحلّ حرامًا، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرّم حلالًا، أو أحلّ حرامًا" (١)، ويدلّ هذا الحديث على وجوب الوفاء بالشروط المُتفق عليها.
الثالثة: أن يتم العقد بين الطرفين دون النصّ على هذا الواجب كتابة أو شفاهة - مما يعني بقاء الأمر على إطلاقه-، ففي هذه الحالة الأصل أن يقوم العامل بهذا الواجب بنفسه، وإن كان بعض الحنفية قد أجازوا الاستنابة، إذا كان المُناب عنه أحسن منه وأكثر خبرة. (٢)
ولم ينصّ قانون العمل الفلسطيني على هذا الواجب، بل نصّ عليه القانون المصري بقوله في المادة رقم (٥٦):" يجب على العامل أن يؤدي بنفسه الواجبات المنوطة به بدقة وأمانة، وذلك وفقًا لما هو محدد بالقانون وبلوائح العمل وعقود العمل الفردية والجماعية، وأن يُنجزها في الوقت المحدد، وأن يبذل فيها عناية الشخص المعتاد" (٣) وكذلك القانون الأردني الجديد الذي صدر عام ١٩٩٦م، نصّ في المادة رقم (١٩):" على العامل تأدية العمل بنفسه، وأن يبذل في تأديته عناية الشخص العادي، وأن يلتزم بأوامر صاحب العمل المتعلقة بتنفيذ العمل المتفق عليه، وذلك ضمن الحدود التي لا تعرّضه للخطر، أو تخالف أحكام القوانين المعمول بها أي الآداب العامة" (٤)، ولم تكن هذه المادة موجودة في القانون القديم الصادر عام ١٩٦٠م.
_________________
(١) رواه الترمذي في سننه، ص٣١٨، برقم (١٣٥٢)، وقال عنه: حديث صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه، ص ٤٠٢، برقم (٢٣٥٣).
(٢) ابن عابدين، ردّ المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، ج٦، ص١٨. المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، ج٣، ص١٢٧١.القرة داغي، الإجارة على منافع الأشخاص، ص٥٦.
(٣) سليم، عصام أنور، قانون العمل، ص ٤٩٧، ط٢، ٢٠٠٢م، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر.
(٤) أبو شنب، أحمد عبد الكريم، شرح قانون العمل الأردني الجديد، ص ١٤٦، ط١، ١٩٩٨م، دار الثقافة، عمّان، الأردن.
[ ٤٧ ]