إحسان معاملة عملاء صاحب العمل
جاء الأمر بالإحسان من الله تعالى لجميع الكائنات، حيث قال الله - ﷾ -: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، وحيث فسّر العلماء إحسان العبد معاملته مع الله - ﷾ - ومع سائر المخلوقات، وهذا معنى قول الرسول - ﷺ -:" إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (٢).
والأمر بالإحسان يشمل القريب والبعيد، والمسلم والكافر، والمؤمن والعاصي، حتى وصل الأمر بالإحسان للبهائم حينما قال رسول الله - ﷺ -:" إن الله ﷿ كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا الِقتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبح، وليحدّ أحدكم إذا ذبح شفرته فليُرح ذبيحته" (٣)، وتحت هذه التوجيهات يندرج وجوب الإحسان إلى أصحاب العمل والزملاء فيه، بالإضافة إلى الإحسان إلى عملاء صاحب العمل (الزبون) (٤) لقول الرسول - ﷺ -:" خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه" (٥)، وقيمة كل امرئ ما يحسنه من الأعمال، كما يُنسب الشخص إلى ما يعمله من الأعمال الحسنة، وأيضًا من فطرة البشر أنهم يتقرّبون إلى الأشخاص الذين يحسنون لهم.
قد جاء أمر الله - ﷾ - بالإحسان في قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٦)، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويوضح ذلك قول الرسول - ﷺ -:"لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" (٧)، ومن مجالات الرفق مع المتعاملين أو مراجعة المنشأة الحثّ العام على التبسّم في وجوههم؛ لأن الهدي النبوي يحثّ على ذلك كما قال النبي - ﷺ -:" المؤمن يألف ويؤلَف، ولا خير فيمن لا
_________________
(١) سورة البقرة، آية رقم ١٩٥.
(٢) رواه البخاري في الأدب المفرد برقم (٢٧٣)، وقال عنه الألباني: حديث صحيح متصل من وجوه صحاح، الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج١، ص ١١٢، برقم (٤٥).
(٣) سبق تخريجه صفحة ٤٢.
(٤) المشتري من تاجر، الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، ج١، ص٢٦٩، بدون رقم طبعة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر.
(٥) رواه الترمذي في سننه، ص ٤٤٣، برقم (١٩٤٤) وقال عنه: حديث حسن غريب. أحمد بن حنبل، المسند، تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي وإبراهيم الزيبق، وقال عنه: صحيح على شرط مسلم، ج١١، ص ١٢٦، برقم (٦٥٦٦) ط٢، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
(٦) سورة البقرة، آية ٨٣.
(٧) مسلم، صحيح مسلم، كتاب البرّ، باب استحباب طلاقة الوجه، ص ١١٠٠، برقم (٢٦٢٦).
[ ٦٦ ]
يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس" (١) فالرفق والتبسّم وحُسن المعاشرة من أكثر الأمور تأليفًا للقلوب، وفي تحمّل غلاظة بعض المراجعين أو شدتهم أو سوء أدبهم في قضاء حوائجهم يأمر القرآن الكريم بحسن معاملتهم كما قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢).
وينبغي على العمّال الحرص الشديد على أخلاقيات التعامل مع المراجعين، مع التركيز على أصحاب الطباع الفظة، وهذه تنبع من قيم حسن العهد وأخلاق حسن التعامل، وهذا مصداق لقوله - ﷺ - عندما استقرض من عبد الله بن أبي ربيعة (٣) - ﵃ - أربعين ألفا، فجاءه - ﷺ - فدفعها له وقال: بارك الله في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء" (٤). كما قال - ﷺ -: "رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى" (٥)، وتتباين تعاملات العمّال مع العملاء، فالبعض يُهمل الأخلاقيات الأساسية في التعامل مع المراجعين من حيث حُسن مخاطبتهم وتذكيرهم بما يلزم لاستكمال تقديم الخدمة لهم، أما البعض الآخر فيلاحظ توفر الحد الأدنى من أخلاقيات التعامل من حيث الالتزام بها واستحضارها، وبالطبع فإن حسن التعامل مع العملاء يعدُّ أمرًا أساسيًا في الاحتفاظ بالجمهور في المعاملات المستقبلية، ومن ثمَّ لا بدّ من توعية المؤسسات العامة والخاصة بهذا الأمر، وقد يكون من المناسب استخدام التقنيات الحديثة من خلال تخصيص موقع الكتروني للاستفسار عن كافة الأمور ولتوعية المستثمرين بحقوقهم وواجباتهم.
وقد فطنت بعض النظم والقوانين المعاصرة إلى أهمية هذا الأمر، فوضعت ضمن لوائحها المدنية ما يُلزم الموظف بآداب اللياقة والحدود النظامية التي تقتضيها أصول المخاطبة مع المراجعين - كالقانون السعودي-، الذي نص في المادة رقم (٦٥) على أن من واجبات العمال أن يلتزموا حسن
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير، ج٣، ص٣٠٩، وأورده الهيثمي في مجمع الزائد بدون الجملة الأخيرة، ج١٠، ص٢٧٣، وهو حديث صحيح. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الجامع الصغير وزياداته، ص ١١٣٠، برقم (٦٦٦٢)، ط٣، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.
(٢) سورة الأعراف، آية رقم ١٩٩.
(٣) كان يُلقّب بذي النور، ولّاه عمر القضاء أثناء معركة القادسية وبعثه لقتال الترك، استشهد في بلنجر (في القوقاز) بعد مضي ثمان سنين من خلافة عثمان، ودفن في بلاد الترك. ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج٢، ص٥٣٣.
(٤) رواه ابن ماجه في سننه، كتاب الصدقات، باب حسن القضاء، ص٤١٣، برقم (٢٤٢٤)، وحكم عليه الشيخ الألباني بأنه حديث حسن.
(٥) رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقًا فليطلبه في عفاف، ص ٤٩٢، برقم (٢٠٧٦).
[ ٦٧ ]
السلوك والأخلاق أثناء العمل (١)، كما أن من عناصر المعاملة الحسنة مع مراجعين المنشأة تحسين حاجات المراجعين والسعي الجادّ إلى حلّها، لقول الرسول - ﷺ -:" ما من إمام أو والٍ يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة، إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" (٢)، وقريب من هذا التوجيه النبوي ما يُطلق عليه اليوم (سياسة الباب المفتوح) التي تدعو إليها بعض المؤسسات، من تخصيص يومٍ من أيام الأسبوع أو وقت معيّن يُسمح فيه لجميع المراجعين بمقابلة أعلى سلطة في المنشأة (٣)، وقد أغفل قانون العمل الفلسطيني النصّ على هذا الأمر مع أهميته، وتركه للوائح الداخلية لكل منشأة، إلا أن قانون الخدمة المدنية الفلسطيني نصّ على هذا الأمر في المادة رقم (٦٦) على أن:" الوظائف العامة تكليف للقائمين بها، هدفها خدمة المواطنين تحقيقًا للمصلحة العامة طبقًا للقوانين واللوائح، وعلى الموظف مراعاة أحكام هذا القانون واللوائح وتنفيذها وأن يلتزم بمايلي:
١. تأدية العمل المنوط به بنفسه بدقة وأمانة، وأن يخصص وقت العمل الرسمي لأداء واجبات وظيفته، وأن يلتزم بالعمل في غير أوقات العمل الرسمية بناءً على تكليف من الجهة المختصة إذا اقتضت مصلحة العمل ذلك.
٢. أن يُحسن معاملة الجمهور وأن ينجز معاملاتهم في الوقت المحدد.
٣. احترام مواعيد العمل.
٤. المحافظة على الأموال والممتلكات العامة.
٥. احترام التسلسل الإداري في اتصالاته الوظيفية وتنفيذ ما يصدر إليه من أوامر وتعليمات في حدود القوانين واللوائح النافذة، ويتحمل كل مسئول مسؤولية الأوامر التي تصدر منه كما يكون مسئولًا عن حسن سير العمل في حدود اختصاصاته.
٦. أن يعمل على تنمية قدراته وكفاءاته العلمية والعملية والاطلاع على القوانين واللوائح والتعليمات المتعلقة بعمله والإحاطة بها وتقديم الاقتراحات التي يراها مفيدة لتحسين طرق العمل في الدائرة ورفع مستوى الأداء فيها" (٤)
_________________
(١) موقع وزارة العمل السعودية https://mol.gov.sa/ar/RulesAndRegulations
(٢) رواه الترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب ما جاء في إمام الرعية، ص ٣١٤، برقم (١٣٣٢)، وحكم عليه الشيخ الألباني بأنه حديث صحيح.
(٣) العمر، فؤاد، أخلاق العمل وسلوك العاملين في الخدمة العامة والرقابة عليها من منظور إسلامي، ط١، ١٩٩٩م، ص٣٥، بحث مقدم إلى المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية، جدة، السعودية.
(٤) الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، ديوان المظالم، قانون الخدمة المدنية واللوائح المنظمة له، ص٦٩.
[ ٦٨ ]