حق العامل في المعاملة الإنسانية
تماشيًا مع قوانين الرحمة بالإنسان التي أدّبنا الإسلام عليها، وانطلاقًا من قول الرسول - ﷺ -:" الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (١) ومن قول الرسول - ﷺ -:" من لا يرحم لا يُرحم " (٢) أردت إلقاء بعض الضوء على هذا الواجب، الذي أقرّه الإسلام للعامل، خصوصًا في ظل وجود كثير من الأعمال التي تتطلب من عاملها التواجد في حرّ الشمس، فهؤلاء العمّال هم بشرٌ مثلنا يتمتعون بإنسانية وآدمية يجب النظر والانتباه إليها، أجبرتهم ظروفهم المعيشية للعمل في البناء، والتنظيف وتحميل البضائع تحت لهيب الشمس، فيجب أن يُنظر إليهم بعين الرحمة والرأفة، لكونهم يتمتعون بإنسانية أعطاهم الله إياها، سواء كانوا مسلمين أو غير ذلك، وذلك لأن الإسلام لم يتجاهلهم، بل أوصى بأن لا يُكلَّف العامل فوق طاقته وقدرته، لقول الله - ﷾ -: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣)،
وقول الرسول الله - ﷺ -:" للمملوك طعامه وكسوته، ولا يُكلّف من الأعمال إلا ما يطيقه" (٤) وهذا الحديث وإن ورد في الرقيق إلا أنه يشمل العمّال، لأن الإسلام أتى لتحرير الرقاب من الظلم والاستعباد الذي كان سائدًا في الجاهلية، ولا بدّ أن يستشعر صاحب العمل رحمة الله بعباده، وكذلك قول الله - ﷾ -: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥).
وليس من الصعب - من وجهة نظري- أن يبدأ العامل عمله في ساعة مبكرة على أن يستريح في وقت الظهيرة، وهذا في الأعمال التي يصنفها أهل الخبرة من الأعمال الشاقة في وقتها المعيّن، ولا يتنافي مبدأ الرحمة الذي دعا الإسلام له مع مبدأ المساءلة والمحاسبة إذا قصّر العامل في عمله.
_________________
(١) رواه الترمذي في سننه، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الناس، ص٤٣٩، برقم (١٩٢٤)، وقال حديث حسن صحيح.
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الرحمة بالبهائم، ص١٥٢٥،برقم (٦٠١٣).ورواه مسلم في صحيحه، ص٩٨٧، كتاب الفضائل، باب رحمة النبي بالصبيان، برقم (٢٣١٩).
(٣) سورة البقرة، آية رقم ٢٨٦ ..
(٤) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل، ص٧٠٩، برقم (١١٦٢).
(٥) سورة التوبة، آية رقم ١٢٨.
[ ٧٩ ]
ويندرج تحت هذا الطلب التعامل مع العمّال بوجه طلق، لأن الابتسامة لا تكلّف الإنسان شيئًا، وفي نفس الوقت تُعطي التشجيع للعامل وترفع من معنوياته، وتزيده إقدامًا نحو العمل والإنتاج، ناهيك عن أن التبسم في وجوه الناس يحصل صاحبها على الأجر من الله - ﷾ - كلما ابتسم، لقول الرسول - ﷺ -:" تبسمك في وجه أخيك صدقة" (١) كما أن الابتسامة تولّد جوًا من الراحة النفسية في البيت والعمل والشارع، وتحلُّ كثيرًا من مشاكل الناس، وتزيد الألفة والمحبة بين الناس، لذا كان الرسول - ﷺ - من أكثر الناس تبسمًا لكل من يقابله في حياته، فأحد الصحابة يصف ملاقاة الرسول - ﷺ - له فيقول:" ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله - ﷺ - " (٢) وهذا يدلّ على أنّ الابتسامة ما كانت لتفارق شفتيه الطاهرتين، ومن دون تكلّف ومشقة، فيروي صحابي جليل فيقول:" ما حجبني النبي - ﷺ - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسّم في وجهي" (٣).
ولا يجوز أن يتعمد صاحب العمل أن يظهر بمنظر العابس بحجة الجدية في العمل، وحث العمّال على العمل، وليجعل الجميع يخافون من قدومه، ناسيًا أنّ الدين الحنيف قد أمر بالرأفة والشفقة بالحيوان، فكيف هي بالإنسان؟ حيث قال الرسول - ﷺ -:" دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض" (٤) ومرّ الرسول - ﷺ - على حمار قد وُسِم في وجهه، فقال:" لعن الله الذي وسمه" (٥)، ولم يأت قانون العمل الفلسطيني على ذكر الرحمة والشفقة بالعامل، وكأنه ترك العلاقة جامدة، بعيدة عن الإنسانية.
والحديث عن الشفقة والرحمة يستلزم الحديث عن تشغيل الأطفال، حيث ما زالت هذه الظاهرة تثير كثيرًا من القلاقل لدى الناشطين الحقوقيين، نظرًا لما تخلفه من آثار سلبية على المجتمع عامة، وعلى الأطفال وأسرهم خاصة- حسب وجهة نظرهم- هذا مع اختلاف قوانين العمل في تحديد سنّ الطفل الذي يُسمح له بالعمل، حيث نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٩٣) على أنه"
_________________
(١) رواه الترمذي في سننه، ص٤٤٥،كتاب البر والصلة، باب ما جاء في صنائع المعروف، برقم (١٩٥٦)، وقال عنه: صحيح.
(٢) رواه الترمذي في سننه، ص ٨٢٨، كتاب المناقب عن رسول الله، باب بشاشة النبي، برقم (٣٦٤١)، وقال عنه: صحيح.
(٣) رواه البخاري في صحيحه، ص١٥٤٢،كتاب الأدب، باب التبسّم والضحك، رقم (٦٠٨٩).
(٤) رواه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب خمسٌ من الدواب فواسق يُقتلن في الحرم، ص ٨٠٩، برقم (٣٣١٨).
(٥) رواه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه، ص ٩١٣، برقم (٢١١٦).
[ ٨٠ ]
يُحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم سن الخامسة عشر" (١) ويشترك في هذا السن الذكر والأنثى لعدم وجود ما يدل على اختصاص هذا العمر بجنس معيّن دون غيره، أما قانون العمل المصري فقد نصّ في المادة رقم (٩٨) على أنه" يُعتبر طفلًا كل من لم يبلغ الرابعة عشر سنة، أو تجاوز سن إتمام التعليم الأساسي، ولم يبلغ ثماني عشرة سنة كاملة، ويلتزم كل صاحب عمل يستخدم طفلًا دون السادسة عشرة بمنحة بطاقة تثبت أنه يعمل لديه، وتلصق عليه صورة الطفل، وتُعتمد من مكتب القوى العاملة المختص" وفي المادة رقم (٩٩) " يُحظر تشغيل الأطفال من الإناث والذكور قبل بلوغهم سن إتمام التعليم الأساسي، أو بلغ أربع عشرة سنة أيهما أكبر، ومع ذلك يجوز تدريبهم متى بلغت سنهم اثنتي عشرة سنة" (٢) بينما نصّ قانون العمل الأردني في المادة رقم (٧٣) على أنه" لا يجوز بأي حال تشغيل الحدث الذي لم يكمل السادسة عشرة من عمره بأي صورة من الصور" (٣)، هذا كله يخصّ الأطفال من غير فروع صاحب العمل أو إخوانه، حيث نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٣) أنه:" تسري أحكام هذا القانون على جميع العمّال في فلسطين باستثناء أفراد أسرة صاحب العمل من الدرجة الأولى" (٤)
وفي الإسلام الأصل أن يأخذ الطفل حقه الكامل من الرعاية والعناية والرحمة والتربية، وألا نحوّل طفولته إلى رجولة مبكرة، فهذا يؤثر عليه سلبًا، ويحرمه من مرحلة مهمة من مراحل حياته، وهي مرحلة (الطفولة)، ولا بُدّ أن يلعب الطفل في سن الطفولة، ويتعلم ما وسعه التعلم، خصوصًا لو كان من الموهوبين الأذكياء، ولا يجوز ما تفعله بعض المجتمعات من حرمان للأطفال من التعليم، أو عدم إعانته على التعليم عند عدم استطاعته، وفي الشريعة الإسلامية فإن مرحلة الطفولة تنتهي ببلوغ الشاب ودخوله دائرة التكليفات الشرعية، وتحدثنا كتب التاريخ الإسلامي أن هناك من النماذج التي قام الصبيان (من منظور أهل القانون) بأعمال هامة وشاقة رغم أن أعمارهم أقل مما نصّت عليه القوانين المعاصرة، فقد تولى أسامة بن زيد (٥) - ﵃ - قيادة الجيش الأول بعد وفاة النبي - ﷺ - وهو دون
_________________
(١) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٣٩.
(٢) موقع وزارة القوى العاملة والهجرة المصرية http://www.manpower.gov
(٣) موقع وزارة العمل الأردنية على شبكة الانترنت http://www.mol.gov.jo/Default.aspx
(٤) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ١١.
(٥) أمه أم أيمن حاضنة رسول الله - ﷺ -، ولد بمكة المكرمة، هاجر وهو طفل مع أبيه زيد بن حارثة، سمّاه العلماء حِبّ رسول الله والحبُّ بن الحبّ، اشترك في غزوة بدر وأحد ومؤتة ومعظم الغزوات والسرايا، اعتزل الفتن التي حدثت بعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفان، سكن المزة وهي من أعمال دمشق، ثم عاد إلى المدينة المنورة، أشارت معظم الروايات إلى أن وفاته كانت سنة ٥٤هـ وكان له من العمر ٧٥ سنة. ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج١، ص٣٨.
[ ٨١ ]
السابعة عشرة، ليكون قائدًا على كبار الصحابة -﵃- (١)،وهناك أعمال من الممكن أن يؤديها الطفل، وهي الأعمال الطبيعية، كمن كان والده مزارعًا، فهو يأخذه معه إلى الحقل، في العطلات، أو في أوقات الفراغ، أو كان لوالده (ورشة) فيذهب معه، لكي يُتقن المهنة التي يمتهنها أبوه، عندئذ هذا لا يكون من باب العمل الممنوع، ويرى الباحث أن يُقيّد عمل الأطفال من نواحٍ:
١. الحاجة إلى العمل، وهذا حينما يكون الوالدان بحاجة إلى مصدر دخلٍ قصّرت الدولة في توفيره، إذ لا مانع من تشغيل الأطفال حسب قدرتهم، وفي أعمال تناسب مواهبهم.
٢. القدرة على العمل، فقد نجد لبعض الأطفال مواهب جسمية ونفسية يستطيعون معها أداء بعض الأعمال، لا سيما إذا كانت هذه الأعمال سهلة وميسورة، كالبيع مثلًا، ومما يُثير الشفقة والأسى ما تعرضه وسائل الإعلام من تشغيل الأطفال في أعمال شاقّة ينوء بها الكبار، أو ما يُسند إليهم من تنظيف السيارات على إشارات المرور، أو البيع على مفترقات الطرق وتحت أشعة الشمس الحارقة، والمحظور في استعمال هؤلاء الأطفال إنما هو استعمالهم في أعمال شاقة لا تتناسب مع قواهم البدنية، أو استعمالهم طوال ساعات النهار؛ لأن هذا الطفل له صبوة، وهو ميّال بطبعه للهو واللعب، ففي هذا العمل الشاق الطويل حرمان له من هذا اللهو أو اللعب الذي يحرص عليه الأطفال غالبًا. (٢)
٣. أن لا يكون العمل على حساب واجبات أكثر أهمية، كالتعليم أو أداء العبادات.
ويتابع مكتب الإحصاء المركزي في السلطة الفلسطينية منذ عام ٢٠٠٤ م تطوّر تشغيل الأطفال في المناطق الفلسطينية، مع أن هذه المعطيات لا يتم نشرها للجمهور إلا أن مديرة مركز فرع أبحاث قطاع العمال في المكتب قدمت النتائج التالية:
١. في سنة ٢٠٠٤م تم تشغيل حوالي ٤٣٠٠٠ طفل في جيل ٥ - ١٧سنة.
٢. في سنة ٢٠٠٧م ارتفع العدد إلى حوالي ٤٧٠٠٠ طفل.
٣. في النصف الأول من عام ٢٠٠٨م وصل العدد إلى حوالي ٥٣٥٠٠طفل.
٤. حوالي ٤،٦ % من الشباب الفلسطينيين الذين تبلغ أعمارهم اقل من ١٨ سنة يعملون.
٥. التركيز الأعلى لتشغيل الأطفال هو في الضفة الغربية، خصوصًا في أريحا وغور الأردن (٢٣،٥%).
٦. حوالي ١٩٠٠ طفل يعملون في المستوطنات الإسرائيلية، والطلب على العمال في ازدياد.
٧. متوسط الأجرة اليومية هو ٤١،٩٠ شيقل، ومتوسط أسبوع العمل لدى الأطفال هو ٣٠ ساعة. (٣)
_________________
(١) المصدر نفسه، ص ٢٩.
(٢) http://www.islamonline.net/servlet/Satellite
(٣) http://www.kavlaoved.org.il/media-view_ar.asp موقع للعامل على شبكة الانترنت.
[ ٨٢ ]
ولأن الإنسان بإنسانيته محور الشرائع السماوية التي أنزلها الله - ﷾ - على جميع الأنبياء والرسل من لدن آدم ﵇، وصولًا إلى خاتم الأنبياء محمد - ﷺ -، اعتنت الشريعة الإسلامية بالإنسان أيًا كانت صفته، مسلمًا أو كافرًا، ذكرًا أو أنثى، لذلك جاء النبي - ﷺ - رحمة للعالمين جميعا، كما في قوله - ﷾ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (١).
ولا تقف حماية الدولة للفرد عند حدّ حمايته من الاعتداء على حياته وجسمه وعرضه، بل تمتد إلى حماية كرامته وعزته من الإهانة والإذلال، فلا تُذله هي ولا تسمح بإذلاله، لأن المسلم يجب أن يكون عزيزًا لقول الله - ﷾ -: ﴿ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ولا خير في الذليل المهين، ولن يصلح لحمل رسالة الإسلام إلا الحرّ العزيز، ومن ثم فإن الدولة الإسلامية تُربّى في المسلم معاني العزة، كما أراد الله، فعمر بن الخطاب كان يؤدّب ولاته، ويأمرهم بالحضور في موسم الحج، فإذا اجتمعوا خطب في الناس وقال لهم:" ألا إني والله ما أُرسل إليكم عمّالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أُرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسننكم، فمن فُعل به غير ذلك فليرفعه إليّ، فو الذي نفسي بيده إذًا لأُقصّنّه منه، فوثب عمرو بن العاص - ﵃ - (٣) فقال: يا أمير المؤمنين إن كان رجل من المسلمين على رعيّةٍ فأدّب رعيته أئنك لمقتصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده، إذن لأُقصّنّه منه، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يُقصّ من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتُذلوهم، ولاتمنعوهم حقوقهم فتُكفّروهم، ولا تنزلوهم الغياض (٤)
فتضيعوهم" (٥).
ومعنى هذا أن الراعي إذا أدّب أحدًا من رعيته- ولو بالضرب المشروع- فلا قصاص فيه بالإجماع، إذ هو واجب، أو مستحب، أو جائز (٦)،ولقد أعزّ الله - ﷾ - العامل ورعاه، وكرّمه وأعلى درجته،
_________________
(١) سورة الأنبياء، آية رقم ١٠٧.
(٢) سورة المنافقون، آية رقم ٨.
(٣) أسلم قبل الفتح، وذلك في صفر سنة ٨هـ، كان يقول: أذكر الليلة التي ولد فيها عمر بن الخطاب، ولي إمرة مصر زمن عمر - ﵃ - وهو الذي فتحها، لحق معاوية في فتنته مع علي، كان شديد الحياء من رسول الله - ﷺ -، مات سنة ٤٣هـ على الصحيح من كلام أهل التراجم. ابن حجر الإصابة في تمييز الصحابة، ج٣، ص٤.
(٤) الغياض: جمع غيضة، وهي الشجر الملتف، لنهم إذا نزلوها تفرقوا فيها فتمكّن منهم العدو، ابن منظور، لسان العرب، باب الغين، ج٧،ص ٢٠٢ ..
(٥) رواه أحمد في مسنده، ج١، ص٢٨٦، برقم (٢٨٦) وحكم عليه محقق المسند شعيب الأرنؤوط بأن إسناده حسن.
(٦) ابن تيمية، أحمد، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، ص١٣٢، ط١، ١٩٨٣م، دار الآفاق الجديدة، بيروت، لبنان.
[ ٨٣ ]
وقرر حقوقه التي كانت مُنتهكة منذ خلق البشرية، فأرسى للعمل قواعده، وبيّن للعامل حقوقه، وأسند لصاحب العمل واجباته، كلُّ ذلك باعتبار الناس جميعًا مواطنين في المجتمع، والقصد من ذلك تحقيق العدالة الاجتماعية، بالإضافة للحياة الكريمة.
من هنا دعا الإسلام أصحاب العمل إلى معاملة العمّال معاملة إنسانية كريمة، ودعا كذلك إلى الشفقة عليهم والرأفة بهم، فلا طغيان ولا تجبر في العلاقة التشغيلية بين أطراف العمل، ولنا في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة، حيث كان يأكل مع كلّ طبقات المجتمع، والعمّال طبقة منهم -ولا شك- فقال - ﷺ -:" من لاءمكم (وافقكم) (١) من خدمكم فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ومن لم يلاءمكم منهم فبيعوا ولا تعذّبوا خلق الله" (٢) وهذا غاية التعامل اللطيف الإنساني من النبي - ﷺ - مع الخدم، الذين هم بمقام العمّال، ويقول - ﷺ -:" إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يُجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه وليَ حرَّه (عند الطبخ) وعلاجه (عند تحصيل آلاته) " (٣)،
وقبل وضع القدر على النار، ويؤخذ من هذا أن في معنى الطباخ حامل الطعام، لوجود المعنى فيه وهو تعلّق نفسه به، بل يؤخذ منه الاستحباب في مطلق خدم المرء ممن يعاني ذلك (٤)، ولا شك أن سوء معاملة العمّال يعود بالضرر المباشر على صاحب العمل، لقول الله - ﷾ -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٥).
ومن خلال ما سبق من النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة يتبين لنا جُملة من الحقوق الإنسانية المترتبة على صاحب العمل منها:
١. أن يُعامل العامل معاملة حسنة، ويحلم عليه إذا بدر منه أية أخطاء، انطلاقًا من قول الله - ﷾ -: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦).
_________________
(١) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ص١١٥٦.
(٢) ابن حنبل، أحمد، المسند، شرحه ووضع فهارسه أحمد محمد شاكر، ج١٦، ص ٦، برقم (٢١٤٠٧)، ط١، ١٩٩٥م، دار الحديث، القاهرة، مصر. ورواه أبو داود في سننه، ص ٩٣٣، برقم (٥١٦١) وقال عنه صحيح.
(٣) رواه البخاري في صحيحه، ص ١٤٠١، كتاب الأطعمة، باب الأكل مع الخادم، برقم (٥٤٦٠) ..
(٤) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج ٩، ص ٥٨٢،كتاب الأطعمة، باب الأكل مع الخادم٥١٤٤
(٥) سورة آل عمران، آية رقم ١٥٨.
(٦) سورة آل عمران، آية رقم ١٣٤.
[ ٨٤ ]
٢. أن يتواضع معه، فلا يتكبّر عليه؛ لأن ذلك يُشعرهم بالطمأنينة، وعدم الحرج من العسر والمشقة والفقر، كما أن التكبّر عليهم يُشعرهم بالذّل والاحتقار، وأن لا قيمة لهم في المجتمع، مما يُسبب لهم الكآبة في المعيشة، وفي الكلمات المستعملة في مخاطبة العمّال قال - ﷺ -: " لا يقل أحدكم عبدي وأمتي بل ليقل فتاي وفتاتي " (١) هذا وإن كان لفظ الحديث يختصّ بالعبيد إلا أنه يُستفاد منه حُسن اختيار الكلمات مع العمّال، وقد ذمّ الله - ﷾ - المتكبرين من الناس، ومدح التواضع والمتواضعين، ووعدهم بحُسن الجزاء، فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
٣.على صاحب العمل أن يهتم بأخلاق العمّال، لما في ذلك من مصلحةٍ راجعةٍ على العمل وقدرة الإنتاج، ولم ينصّ قانون العمل الفلسطيني على ضرورة معاملة العامل معاملة كريمة تليق بإنسانيته، وإنما جعل تحقير العامل سببًا من أسباب ترك العامل لعمله بعد إشعار صاحب العمل بذلك، حيث نصّت المادة رقم (٤٢) من القانون على أنه يجوز للعامل ترك العمل بعد إشعار صاحب العمل في حالات خمس منها" اعتداء صاحب العمل أو من يمثله على العامل أثناء العمل أو بسببه بالضرب أو التحقير" (٣)، ومما يؤخذ على هذا النصّ مايلي:
١. حبّذا لو سُبق هذا النص بنصٍّ يمنع صاحب العمل من إهانة العامل ابتداءً، أو يُلزم صاحب العمل باحترام العامل.
٢. أن ينصّ القانون على أن الإهانة المعتبرة هي أثناء فترة العمل، أو تكون بسببه، وهنا قد يثور التساؤل الآتي: ماذا عن إهانة العامل خارج أوقات الدوام الرسمي؟ أو كانت الإهانة بغير سبب العمل؟.
٣. هل يبقى العامل منتظرًا حتى تصدر الإهانة الجارحة بحقه، ثم يترك العمل؟ أم أن الخشونة في التعامل بذاتها هي إهانة؟.
٤. لا يوجد معيار محدد في القانون لبيان الإهانة التي يستطيع العامل ترك العمل، مع احتفاظه بحقوقه، ويرجع ذلك للقاضي عند التقاضي، ومما يُذكر لقانون العمل السعودي - دون غيره حسب علمي- أنه أشار في المادة رقم (٦١) " يُمنع صاحب العمل عن تشغيل العامل سُخرة، وأن لا
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق، ص٦١١، برقم (٢٥٥٢)،ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الألفاظ من الأدب، باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيّد، ص٩٦٢، برقم (٢٢٤٩)
(٢) سورة الشعراء، آية رقم ٢١٥.
(٣) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ٢٢.
[ ٨٥ ]
يحتجز دون سند قضائي أجر العامل أو جزء منه، وأن لا يعامل عماله بالاحترام اللائق، وان يمتنع عن كل قول أو فعل يمس كرامتهم ودينهم". (١)
كما يجب التنبيه إلى أن هناك من مظاهر الرحمة ينبغي على صاحب العمل مراعاتها وعي على النحو الآتي:
١. مشاركة العامل في أفراحه وأتراحه، لما في ذلك من تقوية لأواصر المحبة والإخاء.
٢. مراعاة حالة العامل الصحية عند المرض وحتى بعد عودة العامل من الإجازة المرضية،
٣. عدم استغلال حاجة العامل للعمل وتعمد تشغيله بأجر أقل مما يستحقه.
_________________
(١) موقع وزارة العمل السعودية، http://www.mol.gov.sa/ar/Documents/p33-48.pdf
[ ٨٦ ]