حق العامل في تأدية الصلوات المفروضة
إقامة الصلاة المفروضة على العبد واجبة لا تهاون فيها، فالصلاة صلة بين العبد وربه - ﷾ -، ومناجاة لخالقه - ﷾ -، وهي الزاد الروحي الذي يُطفيء لهيب النفوس المتعطشة إلى نوره، فتنير القلوب، وتشرح الصدور، وتزيل الهموم، وللصلاة مكانة عظيمة في ديننا؛ إذ هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وأول ما يُحاسب عنه العبد يوم القيامة، وقد فرضها الله على نبيه - ﷺ - في أعلى مكان وصل إليه بشر (السماء السابعة)، وفي أشرف الليالي (ليلة الإسراء والمعراج)، فكانت واجبة على المسلم في كل حالاته، في السلم والحرب، والصحة والمرض، ولا تسقط عنه أبدًا إلا بزوال العقل.
فإذا تقرر هذا فإن العامل ينبغي له تأدية الصلوات المفروضة في مكان العمل، وأثناء الدوام الرسمي وبكامل الأجرة، وذلك حتى لا تفوته الفريضة، وحتى لو عارضه صاحب العمل، فله الحق في عصيان أوامر صاحب العمل، لأنه من المقرر أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وجاء في بعض كتب الشافعية:" ولو اكتراه لعمل مدة مثلًا فزمن الطهارة والصلوات فرائضها وسننها الراتبة مستثنى منها ولا تنتقص من الأُجرة شيئًا، وكذا سبت اليهود والأحد للنصارى إن اعتيد ذلك" (١)،وقد نص الحنابلة في كتبهم عند الحديث عن الأجير الخاص فقالوا:" وله فعل الصلاة في وقتها بسننها والعيد" (٢)، ولهم رواية أخرى مخالفة لهذه المذكورة وقد ذكرها صاحب الإنصاف عند حديثه عن الدليل الذي يقود البعير بالمستأجر، وقد ذكر أن الرواية الأولى هي الأصح في المذهب الحنبلي. (٣)
وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في تحديد الوقت الكافي الذي يُعطى للعامل لتأدية الصلوات المفروضة في وقت العمل، فقد أفتى الدكتور يوسف القرضاوي (٤) - بعدما أثنى على دوائر العمل التي تتيح للعمال
_________________
(١) البرماوي على شرح الغاية، ص١٨٠.
(٢) ابن مفلح، الفروع، ج٤، ص٣٣٦.
(٣) المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ج٦، ص٥٦.
(٤) ولد الدكتور يوسف القرضاوي في قرية صفت تراب، مركز المحلة الكبرى، وكان مولده في ٩/ ٩/١٩٢٦م، وأتم حفظ القرآن الكريم، وأتقن أحكام تجويده، وهو دون العاشرة من عمره، ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وفي سنة ١٩٦٠م حصل على الدراسة التمهيدية العليا المعادلة للماجستير في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين، وفي سنة ١٩٧٣م حصل على (الدكتوراة) بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من نفس الكلية، عن: "الزكاة وأثرها في حل المشاكل الاجتماعية". http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?.
[ ٩٣ ]
فرصة أداء الصلاة- بتقليل المدة التي تستغرقها الصلاة، ونصح الموظفين أن يذهبوا إلى العمل متوضئين، فإن تعذر عليهم هذا فليلبسوا جواربهم على وضوء؛ لأن هذا يقلل الوقت المستغرق للوضوء، كل هذا حتى لا تستغرق الصلاة أكثر من عشر دقائق، واعتبر التطويل والتمطيط في الوضوء وإقامة الصلاة وإقامة السنن ليس مطلوبًا في ساحة العمل، الذي تُحسب فيه كل دقيقة، لا سيما الأعمال غير الحكومية (١)، وإن كان الباحث يميل إلى أن الدكتور القرضاوي اعتبر ذلك أقرب إلى نصيحة العمّال منه للفتوى.
أما الشيخ عبد الله بن جبرين (٢) - رحمه الله تعالى - فقد اعترض على فتوى الدكتور القرضاوي متهمًا إياه بالخطأ فيها؛ لأن الصلاة مقدمة على الأعمال والوظائف، ومن شرط أصحاب العمل أن يسمحوا بأداء الصلاة بقدر نصف ساعة، وذلك لا يُخلُّ بالعمل، لأن المسلم قد يكون محتاجًا للطهارة قبل الصلاة، يُضاف إلى ذلك أداء ركعتين سنة قبلية ومثلها سنة بعدية، وقد استدلّ الشيخ ابن جبرين - ﵀- على ذلك بأن الرسول - ﷺ - أمر بلال بن رباح (٣) - ﵃ - بأن يجعل بين أذانه وإقامته قدر ما يفرغ الآكل من أكله، وقاضي الحاجة من حاجته (٤)،ويُضيف الشيخ أن صاحب العمل بإمكانه زيادة مدة العمل، وبإمكانه أيضًا معاتبة من يتهرب من مكان العمل بحجة أداء الصلاة، ويتحصّل من خروجه تعطيل مصالح العباد (٥).
وخروجًا من الخلاف يرى الباحث أن الدكتور يوسف القرضاوي نظر إلى ضرورة أداء الواجبات والفرائض، على اعتبار أن أداء العمل بإتقان واجب من الواجبات، ويُمكن للعامل الذِّكر
_________________
(١) http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item
(٢) عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين من آل رشيد، ولد سنة ١٣٥٢هـ في إحدى قرى القويعية،، وحيث لم يكن هناك مدارس مستمرة تأخر في إكمال الدراسة، ولكنه أتقن القرآن وسنه اثنا عشر عامًا، وتعلم الكتابة وقواعد الإملاء، له من المؤلفات بحثه المقدم لنيل درجة الماجستير (أخبار الآحاد في الحديث النبوي)،وله (تحقيق شرح الزركشي على مختصر الخرقي) ونال به درجة الدكتوراة، توفي يوم الاثنين ٢٠/ ٧/١٤٣٠ هـ الموافق ١٣/ ٧/٢٠٠٩م. http://ibn-jebreen.com/index.php موقع الشيخ على الانترنت.
(٣) مؤذن رسول الله - ﷺ - وخازنه على بيت المال، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، شهد المشاهد كلها مع الرسول - ﷺ - وكان آخر أذانٍ له يوم توفي رسول الله - ﷺ -، توفي في دمشق سنة ٢٠ هـ، ودُفن عند الباب الصغير في مقبرة دمشق، وهو ابن بضع وستين سنة، العك، خالد عبد الرحمن، موسوعة عظماء حول الرسول،،ج ١،ص ٥٣١،ط١ ١٩٩١، دار النفائس، بيروت، لبنان.
(٤) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج١، ص١٥١.
(٥) http://www..ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=137406
[ ٩٤ ]
والاستغفار أثناء العمل، أما الشيخ ابن جبرين﵀ - فيرى ضرورة أداء العبادات تامّة بفرائضها ونوافلها، ويتبعها الاستغفار بعدها، وهذا قد يكلّف صاحب العمل الكثير، ومعلوم أنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، هذا على اعتبار التزام جميع العمّال بالنصف ساعة التي يُطالب بها الشيخ ابن جبرين -﵀-، كما يُمكن لصاحب العمل تقسيم وقت الراحة- الذي هو حق للعامل- حسب الصلوات التي يُصليها العامل في مكان العمل، بمعنى أن العامل إذا كان يعمل عملًا ويمكث فيه وقتًا يستغرق صلاة الظهر والعصر، فإن صاحب العمل يقسم وقت الراحة - ساعة مثلًا- إلى نصفين، النصف الأول وهو نصف ساعة يتمتع به العامل وقت صلاة الظهر، بحيث يصلي صلاة الظهر ويأخذ قسطًا من الراحة، ثم النصف الثاني يتمتع به العامل عند صلاة العصر يفعل ما فعله عند صلاة الظهر.
وهذا الذي سبق يتعلق بالصلوات المفروضة، وعلى اعتبار صلاة الجماعة من أفضل الفضائل التي حثّ الإسلام عليها في قول الرسول - ﷺ -:"صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تُب عليه، ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه" (١)، وإذا كان المسجد قريبًا لمكان العمل فالأولى أن تتم الصلاة في المسجد، مالم يتضرر صاحب العمل، وإذا كان المسجد بعيدًا فالصلاة في مقرّ العمل هو الواجب، لأن هذا هو المستطاع، والله - ﷾ - يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)،
ولم يتطرق قانون العمل الفلسطيني للحديث عن وقت الصلاة، بل أبقى ذلك لتقدير صاحب العمل، ويُمكن أن تؤدى الصلوات المفروضة بكل سهولة ويُسر، حيث يُنظم صاحب العمل طريقة مناسبة لطبيعة عمله، بحيث يقسم العمّال إلى قسمين، قسمٌ يُدير العمل، والقسم الآخر يُصلي، ثم يتناوب الفريقان على الصلاة والعمل، وهذا يختلف باختلاف طبيعة العمل الذي يقوم به العامل، فالعامل الذي يقوم بأعمال مكتبية، فهؤلاء يغلب على أعمالهم السهولة وتوفر أوقات الفراغ، وهذا النوع ينبغي عليهم الصلاة في وقتها، أما العمّال الذين تتطلب طبيعة أعمالهم المراقبة المستمرة للآلات، ينبغي على صاحب العمل تقسيم العمّال إلى قسمين، قسم يؤدي الصلاة، والقسم الآخر ينوب عنهم ويستقبل المراجعين، وبهذا لا تؤدي الصلاة إلى تعطيل العمل.
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، ص ٥٠٣، كتاب البيوع، باب ما ذُكر في الأسواق، برقم (٢١١٩). ورواه مسلم في صحيحه، ص ٢٥٨، كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة، برقم (٦٤٩).
(٢) سورة التغابن، آية رقم ١٦ ..
[ ٩٥ ]