التعويض في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني
جاء في كتب اللغة أن التعويض هو ضد البدل، والجمع أعواض، ويُقال: أعضت فلانًا إذا أعطيته بدل ما ذهب منه (١)، وقد دلّ على ذلك حديث أبي هريرة - ﵃ - عندما قال:" فلما أحل الله ذلك للمسلمين - يعني الجزية - عرفوا أنه قد عاوضهم أفضل ما خافوا" (٢) أي أبدلهم كسبًا طيبًا أفضل مما كانوا يخشون فوته، وقد قال الإمام الشافعي﵀ -:" سافر تجد عوضًا عمن تفارقه" (٣) أي بدلًا مكافئًا عمن تنأى عنه وتغترب، ومن اشتقاقات مادة العوض أيضًا التعويض وهو" اللفظ الذي نقصد الحديث عنه" حيث جاء في لسان العرب بعد أن ذكر المؤلف اشتقاقات كثيرة للفظ العوض:" والمستقبل التعويض" (٤)، أما في اصطلاح الفقهاء فلم أقف على ذكرٍ للفظ التعويض بعينه، وإنما استعملوا بدلًا منه لفظ الضمان، وقد تفاوتت تعاريف الفقهاء للضمان، فقد عرّف الحنفية الضمان بقولهم:" هو إيجاب مثل التالف إن أمكن أو قيمته، نفيًا للضرر بقدر الإمكان" (٥)، وهو عند الشافعية:" حق ثابت في ذمة الغير" (٦) وهو عند الحنابلة:" ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق" (٧) ويعتبر تعريف الحنابلة من الأبعد عن المعنى المطلوب كونه يخص لفظ الضمان بالكفالة، مع أن الحنابلة يستعملون لفظ الضمان في حالات التعويض بالمثل أو القيمة، ويرى الباحث أن تعريف الحنفية هو الأقرب للمعنى المراد من التعويض لأنه أبرز معنى الضرر.
وقد ذكر الإمام ابن القيم -﵀ - عبارات يمكن اعتبارها تعريفًا للتعويض فقال:" تغريم الجاني نظير ما أتلفه" (٨) وقال في موضع آخر:" العوض هو مقابلة المتلف من مال الآدمي" (٩)
_________________
(١) ابن منظور، لسان العرب، ج٩، ص ٥٥.
(٢) ابن الأثير، علي بن محمد بن عبد الكريم، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق محمود محمد الطناحي وطاهر أحمد الزاوي، ج٢، ص٣٢٠، بدون رقم طبعة، دار إحياء التراث، بيروت، لبنان.
(٣) الشافعي، محمد بن إدريس، ديوان الشافعي، ص٤٨،ط١، ١٩٩٦م، دار صادر، بيروت، لبنان.
(٤) ابن منظور، لسان العرب، ج٩، ص٥٥.
(٥) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٥، ص٢٢٣.
(٦) الشربيني، مغني المحتاج، ج٢، ص١٩٨.
(٧) ابن قدامة، المغني، ج٤، ص٥٩.
(٨) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج٢، ص١٥٢.
(٩) المصدر نفسه، ج٢، ص ١١٧.
[ ١٦٠ ]
ولم تذكر عبارات ابن القيم - ﵀ - محل الضرر الواجب فيه التعويض، ولكنها أفهمت القارئ أنها تختص بالضرر المالي.
وبما أن هذا المصطلح من المصطلحات الحديثة والتي لم تكن معروفة قديمًا اجتهد العلماء المعاصرون لبيان المقصود منه فقالوا:" التعويض هو ردّ بدل التالف" (١) أو هو:" جبر الضرر الذي يلحق المصاب" (٢) ومنهم من عرّفه بقوله:" هو تغطية الضرر الواقع بالتعدي أو الخطأ" (٣) ويمكن تعريفه بأنه " المال الذي يُحكم به على من أوقع ضررًا على غيره في نفس أو مال" (٤) ومن بين هذه التعاريف السالفة الذكر يميل الباحث إلى آخرها لسببين هما:
الأول: أن هذا التعريف اشترط صدور حكم من القاضي بالتعويض.
الثاني: أنه ذكر أنواع الضرر التي يجب فيها التعويض.
وتنقسم الأضرار التي تلحق بالغير إلى قسمين:
القسم الأول، وهي الأضرار التي تلحق بالأموال.
القسم الثاني، وهي الأضرار التي تلحق ببدن العامل (وهي محل دراستنا).
فمن خلال اندماج العامل في عمله يمكن أن يتعرض جسمه لبعض الإصابات من جرح أو تشويه أو تعطيل لمعنى من المعاني، أو قد يؤدي الحادث به إلى العجز عن العمل والكسب، وهو ما يستوجب التعويض في بعض هذه الحالات، ومما لا شك فيه أن أضرار العمل لا تهم العامل المصاب أو صاحب العمل فقط، بل تهمّ المجتمع بدرجة كبيرة لأسباب متعددة من أهمها:"
١. أن المجتمع كله يستفيد من جهود العاملين فيه، سواء كانوا في القطاع العام أو القطاع الخاص، فالرقي والتقدم واستمرار الحركة في المجتمع لا تتأتّى إلا من جهود جميع الأفراد العاملين سواء كان العمل بالعضل أو بالفكر.
_________________
(١) المحمصاني، صبحي، النظرية العامة للموجبات والعقود في الشريعة الإسلامية، ج١، ص١٥٨، ط٢، دار العلم للملاين، بيروت، لبنان.
(٢) سيد أمين محمد، المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير في الفقه الإسلامي المقارن، ص١١٥، طبعة عام ٢٠٠١م، بدون دار نشر، القاهرة.
(٣) الزحيلي، وهبة، نظرية الضمان، ص٨٧، ط١، دار الفكر، بيروت.
(٤) بوساق، محمد بن المدني، التعويض عن الضرر في الفقه الإسلامي، ص١٥٥، ط١، ١٩٩٩م، دار اشبيليا، الرياض، السعودية.
[ ١٦١ ]
٢. أنّ مخاطر العمل ليست من خلق صاحبه، سواء كان فردًا أو مؤسسة أو دولة، وإنما هي من مستلزمات الحياة المعاصرة.
٣. أنّ صاحب العمل ينتفع مباشرة بمجهود العامل إذ يعود عليه بمردود مالي يمكنه من المساهمة في التبعات المالية للعامل ولأسرته إن لم يتحملها جميعًا.
٤. عدم كفالة العامل المصاب وأسرته، مثل البطالة، يُعرّض المجتمع إلى كثير من الأخطار الاجتماعية والأخلاقية، فتنتشر الجرائم ويضطرب الأمن.
٥. عدم الاضطرابات العمالية واللجوء إلى الإفساد والتخريب إذا لم يعوَّض المتضرر، إذ أن كل عامل يضع نفسه موضع العامل المصاب" (١)
ونجد أن العلماء اختلفوا فيما بينهم في تصنيف البدل المالي الذي يأخذه المتضرر في جسمه مقابل ما يلحقه من ضرر، فهل هو من قبيل العقوبة الواقعة على صاحب العمل؟ أم هو تعويض للعامل وجبرٌ له من إصابته؟ وقد غلّبت جانب التعويض على العقوبة، لذا سأقتصر على الجانب المالي مقابل الضرر الجسمي، دون الحديث عن القصاص وغيره من العقوبات، ولا بأس من الإشارة إلى التعويض عن النفس باختصار.
ونشير هنا إلى أن العامل لا يستحق تعويضًا إذا كانت إصابته ناتجة عن تقصير في استعمال وسائل الوقاية التي وفرّها صاحب العمل، حيث إن تغريم صاحب العمل دون تغرير منه أو تسبب فيترتب عليه مضار كثيرة: منها الحكم بما لم يلزمه به الشارع فيكون ظلمًا، ومنها أنه تحليل لما حرّم الله من أكل أموال الناس بالباطل، ومنها أنه إدخال للحرام في بطون القصار وغيرهم، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله وهو شرٌّ مستطير (٢)،وقد شمل مشروع قانون السلامة والصحة المهنية مسؤوليات العامل في المنشأة التي تضم:
١. اتباع القوانين والتعليمات الخاصة بالسلامة والصحة المهنية من خلال التدريب والإشراف المقدمة من قبل صاحب العمل.
٢. على العامل المسؤولية باتباع تعليمات صاحب العمل بخصوص الفحص الطبي الدوري.
٣. العامل مسؤول عن أي إهمال الذي يؤدي إلى تعريض نفسه أو أي شخص آخر للمخاطر ويحق له ترك عمله في حالة وجود خطر على حياته ولا يحق لصاحب العمل معاقبته.
_________________
(١) آل محمود، عبد اللطيف محمود، التامين الاجتماعي في ضوء الشريعة الإسلامية، ص٢٦١،ط١،١٩٩٤م، دار النفائس، بيروت، لبنان.
(٢) الشريف، الإجارة الواردة على عمل الإنسان، ص٢٩٤، بتصرف.
[ ١٦٢ ]
٤. على العامل إبلاغ المشرف أو صاحب العمل أو ضابط السلامة على أي ظرف موجود في بيئة العمل قد يؤدي إلى حدوث حادث.
٥. على العامل إبلاغ مشرف السلامة عن وقوع حادث أو عن أي ظرف قد يؤدي إلى حدوث حادث. (١)
وتكون مسؤولية صاحب العمل عن التعويض بصورة عامة عندما يكون الشخص صاحب الحق عاملًا في منشأة ومستخدمًا لدى صاحب العمل وتحت إدارته وإشرافه ويتلقى أجرًا، وهذا يشمل كل عامل ذكرًا كان أو أنثى، وكذلك عمال المياومة، ومن يقومون بأعمال عرضية أو موسمية مؤقته (٢)، وبالرجوع للقانون الفلسطيني نرى أن ميدان التعويض يتحدد في الأمور الآتية:
١. أن تقع الإصابة (٣) أثناء العمل لدى صاحب العمل.
٢. أن تكون الإصابة بسبب العمل.
٣. الإصابة التي تقع في الطريق إلى العمل ذهابًا وإيابًا.
٤. أمراض المهنة التي تظهر للعامل. (٤)
أما التعويض عن الوفاة، فالأصل أن الواجب في القتل العمد هو القصاص، إلا إذا عفا ولي المقتول، أو يسقط القصاص عن القاتل لسببٍ ما، وهنا يُصار إلى الدية، أما القتل شبه العمد فيُصار إلى الدية (٥) عند الحنفية والشافعية والحنابلة (٦) إلا إذا عفا ولي المقتول، وإذا كان الأصل في القتل العمد القصاص من الجاني، فإنه يقابله في القتل الخطأ التعويض المالي (الدية) لقوله - ﷾ -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ
_________________
(١) الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، مشروع قانون الصحة والسلامة، http://www.pgftu.ps/
(٢) عدوي، منار، أحكام تعويض إصابات العمل في ظل قانون العمل الفلسطيني دراسة مقارنة، ص٨١، رسالة ماجستير غير منشورة أُجيزت من كلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية عام ٢٠٠٨م، بإشراف الدكتور حسين مشاقي.
(٣) إصابة العمل كما عرّفها قانون الخدمة المدنية الفلسطيني: هي الحادث الذي يقع للموظف أثناء مباشرته لمهام وظيفته أو بسببها، أو أثناء ذهابه لمباشرة عمله أو عودته منه" نص المادة رقم (٩٥) من القانون.
(٤) المصدر نفسه، ص٨١، بتصرف.
(٥) كأن يتعمد الجاني جنايته بما لا يقتل غالبًا كضربه بعصا مثلًا،
(٦) السرخسي، المبسوط، ج٢٦، ص١٢٢، الكاساني، بدائع الصنائع، ج٧، ص٢٣٦، ابن قدامة، المغني، ج٩، ص٤٩١. المقدسي، العدة شرح العمدة، ص ٣٧٦.
[ ١٦٣ ]
أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ (١)، وقد نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (١٢٠) وفي الفقرة الأولى أنه:" إذا أدّت إصابة العمل إلى الوفاة أو نتج عنها عجز كلي دائم استحق الورثة في الحالة الأولى والمصاب في الحالة الثانية تعويضًا نقديًا يعادل أجر (٣٥٠٠) ثلاثة آلاف وخمس مائة يوم عمل، أو ٨٠% من الأجر الأساسي عن المدة المتبقية حتى بلوغه سن الستين أيهما أكثر" (٢) وكأن القانون قد اكتفى بعشر سنوات قادمة للعامل يستحق عليها الأجر، وهذا يضرّ بالعمّال صغار السن الذين يتعرضون لحوادث تُعجزهم عن العمل، أما نسبة ٨٠% من الأجر الأساسي فهو قليل، ولماذا تُخصم ٢٠% من أجره الأساسي؟.
وتكون الوفاة مباشرة أو متأخرة بسبب حادث العمل، وتخصيص الوفاة بسبب حادث العمل من أجل تمييز هذا التعويض عن المعاش الذي يُعطى للعامل بسبب حادث الوفاة الطبيعية في ظل قانون التأمينات الاجتماعية، وبالرجوع إلى قانون العمل الفلسطيني وكذلك قانون التأمينات الاجتماعية - الذي تم تعطيله ولا يُعمل به - نجد أنهما قد ساويا من حيث مقدار التعويض ما بين حالة الوفاة وحالة العجز الكلي الناتج عن إصابة العمل، إلا أن قانون التأمينات الاجتماعي قد أضاف إلى النفقات مصروفات الجنازة، وهو ما لم يتناوله قانون العمل الفلسطيني، بل نصّ في مادته رقم (١٢٠) على أنه:" إذا أدت إصابة العمل إلى الوفاة أو نتج عنها عجز كلي دائم استحق الورثة في الحالة الأولى والمصاب في الحالة الثانية تعويضًا نقديًا يعادل أجر (٣٥٠٠) يوم عمل، أو ٨٠% من الأجر الأساسي عن المدة المتبقية حتى بلوغه سن الستين أيهما أكثر" (٣)، ونصت المادة رقم (٢٣) من قانون التأمينات الاجتماعية على أنه:"إذا أدّت إصابة العمل إلى وفاة المؤمن عليه، تدفع المؤسسة معاشًا شهريًا يعادل٨٠% من الأجر يوزع على المستحقين وفقًا لأحكام هذا القانون" (٤).
وعند فقد عضو من أعضاء الجسد أو فقدان منفعته فإنه تجب الدية كاملة في كل ما كان في إتلافه ذهاب منفعة الجنس، لأن إتلاف منفعة الجنس كإتلاف النفس، سواء كانت هذه المنفعة في عضوٍ واحد لم يخلق الله غيره في الإنسان، أو في عضوين أو أكثر، وتفويت منفعة العضو تكون بإبانة العضو أو ذهاب معنى العضو مع بقاء العضو مجرد صورة.
وتنقسم الأعضاء في الجسم إلى أقسام عدّة هي:
_________________
(١) سورة النساء، آية رقم ٩٢.
(٢) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٤٨.
(٣) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٤٨.
(٤) الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، قانون التأمينات الاجتماعية http://www.pgftu.ps/page.
[ ١٦٤ ]
القسم الأول: ما لا نظير له في الجسم وهي" الأنف، اللسان، الذكر، مسلك البول والغائط، الصلُب، شعر الرأس وشعر اللحية، الجلد" وهذه تجب فيها الدية كاملة. (١)
القسم الثاني: ما له في البدن اثنان وهي" اليدان، الرجلان، العينان، الأذنان، الشفتان، الحاجبان، اللحيان - العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلى- الثديان والحلمتان، الأنثيان - الخصيتان - الإليتان - ما علا وأشرف من الظهر عن استواء الفخذين، الأسكتان - اللحم المحيط بالفرج من جانبيه- "وهذه تجب في الواحد منهما نصف الدية وفي الثنتين الدية كاملة. (٢)
القسم الثالث: ما له في البدن أربعة وهي " أشفار العينين أو الجفون، أهداب العينين" وهذه في الواحدة الربع، وفي الاثتين النصف. (٣)
القسم الرابع: ما له في البدن عشرة وهي" أصابع اليدين والرجلين" وفي الأصبع الواحد عشر الدية. (٤)
_________________
(١) المسرقندي، علاء الدين، تحفة الفقهاء، ج٣،ص ١٠٢، ط١، ١٩٨٤م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. المقدسي، العُدة شرح العمدة، ٥٢٩. الزركشي، محمد بن عبد الله، شرح الزركشي على مختصر الخرقي، تحقيق عبد الله بن جبرين، ج٦، ص١٥٣، ط١، ١٩٩٣م، مكتبة العبيكان، الرياض، السعودية. أصل الكتاب رسالة دكتوراة للشيخ عبد الله بن جبرين. ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج٢، ص٤٢٤. الباجي، المنتقى شرح الموطأ، ج٧، ص٨٣.الشربيني، محمد بن أحمد، الإقناع في حَلّ ألفاظ أبي شجاع، ج٢، ص١٥٢، بدون رقم طبعة، دار المعرفة، بيروت، لبنان. الشربيني، مغني المحتاج، ج٤، ص٧٠.
(٢) السرخسي، المبسوط، ج٢٦، ص٧٠.المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، ج٤، ص١٦٤٦.الكاساني، بدائع الصنائع، ج٧، ص ٣١١. الباجي، المنتقى شرح الموطأ، ج٧، ص ٨٥. الكشناوي، أسهل المدارك، ج٣، ص١٣٤. ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج٢، ص٤٢٤.السيد البكري، محمد شطا الدمياطي، إعانة الطالبين، ج٤، ص ١٤٢،ط١، ١٩٩٧م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان. المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ج١٠، ص٨٢.
(٣) السمرقندي، تحفة الفقهاء، ج٣، ص١٦٢. الكاساني، بدائع الصنائع، ج٧، ص٣١٢. ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج٢، ص٤٢٤. الرافعي، عبد الكريم بن محمد، الشرح الكبير، تحقيق علي محمد معوّض وعادل أحمد عبد الموجود، ج١٠، ص٣٥٩، ط١، ١٩٩٧م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. ابن مفلح، المقنع، ج٣، ص٤٠١. المقدسي، العدة شرح العمدة، ص٥٣٠، الكرمي، دليل الطالب لنيل المطالب، ص ٤٩١.
(٤) الكاساني، بدائع الصنائع، ج٧، ص٣١٤.الكشناوي، أسهل المدارك، ج٣، ص١٥٣. الرافعي، الشرح الكبير، ج١٠، ص٣٧٦.ابن قدامة، المقنع، ج٣، ص٤٠١.
[ ١٦٥ ]
القسم الخامس: ما له في البدن أكثر من عشرة (الأسنان)، وفي ديتها خلاف طويل لا حاجة لذكره.
وما ذكر من الأقسام الخمسة يكون في ذهاب العضو بمنفعته، غير أنه قد تذهب المنفعة ويبقى العضو مجرد صورة لا نفع يُرجى منه، فمن جنى على إنسان فذهب سمعه أوبصره أو نطقه وجب في كل معنى من هذه المعاني كمال الدية (١)، ولو بقيت صورة العضو سالمة وموجودة، حيث جاء في تبيين الحقائق" وكل عضو ذهب نفعه ففيه دية، كيدٍ شُلّت، وعينٍ ذهب ضوؤها، لأن وجوب الدية يتعلق بتفويت جنس المنفعة، فإذا زالت منفعته كلها وجب عليه موجبه كله، ولا عبرة للصورة بدون المنفعة لكونها تابعة" (٢)، وذكر صاحب الغني:" أن من أتلف حاسة أو أذهب منفعة من هذه المنافع فكأنه أذهب نفسًا وأتلفها، ومن المعلوم أن في النفس الدية الكاملة" (٣) وسأبذل جهدي في استخلاص القول في المعاني التي تجب فيها الدية:
أولًا: العقل، وذلك لأنه من أعظم المنافع وأجلّها، وهو أكثر ما يُميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات كونه محل المعرفة وشرط التكليف، من أجل هذا جعل الرسول - ﷺ - في ذهابه الدية الكاملة فقال:" وفي العقل الدية" (٤) وإذا ذهب بعض العقل استحقت الدية بقدر ما ذهب، حيث ورد في بعض كتب الفقه" ولو جُنّ من الشهر يومًا كان له جزء من ثلاثين جزءًا من الدية، وإن جُنّ في النهار دون الليل أو بالعكس كان له جزء من ستين جزءًا" (٥)، أما إذا كان القدر الذاهب من العقل غير معلوم فيُترك الأمر للاجتهاد وتقدير الحاكم.
ثانياُ: السمع، اتفق أهل العلم على أن السمع إذا ذهب من الأذنين ففيه الدية كاملة لقول النبي - ﷺ -:" وفي السمع الدية" (٦) ولما روي أيضًا أن رجلًا رمى رجلًا بحجر في رأسه فذهب سمعه وعقله ولسانه
_________________
(١) النفراوي، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ج٢، ص ٣١٠. الشربيني، مغني المحتاج، ج٤، ص٧٠.الرافعي، الشرح الكبير، ج١٠، ص٣٨٦. ابن قدامة، المغني، ج٩، ص٥٨.
(٢) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٦، ص١٣١. السرخسي، المبسوط، ج٢٦، ص٦٩.
(٣) ابن قدامة، المغني، ج٩، ص٥٨٤. الزركشي، شرح الزركشي على مختصر الخرقي، ج٦، ص١١٦.
(٤) البيهقي، السنن الكبرى، ج٨، ص ١٥١، برقم (١٦٢٢٩)، وقال عنه الألباني: حديث ضعيف، الألباني، محمد ناصر الدين، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، ج٧، ص ٣٢٢، كتاب الديات، فصل دية المنافع، برقم (٢٢٨٠) ط١،،المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.
(٥) الخرشي، شرح الخرشي على مختصر سيدي خليل، ج٨، ص٣٥.
(٦) البيهقي، السنن الكبرى، ج٨، ص٨٥.
[ ١٦٦ ]
ونكاحه، فقضى عمر بن الخطاب - ﵁ - بأربع ديات" (١) وذلك لأن السمع حاسة تختص بمنفعته فأشبهت حاسة البصر.
ثالثًا: البصر، وفي ذهاب ضوء العينين الدية كاملة. (٢)
رابعًا: الكلام.
خامسًا: الشم.
سادسًا: الذوق، وهو القوة المنبثقة في العصب المفروش على اللسان يدرك بها المطعوم مع مخالطة الرطوبة الموجودة في الفم.
سابعًا: تعويج الرقبة وتصعير الوجه، حيث جاء في المغني:" وفي الصعر الدية، والصعر أن يضربه فيصير وجهه في جانب" (٣).
ثامنًا: لا خلاف في وجوب الدية في تعطيل قوة الجماع، ولا خلاف بين الفقهاء في وجوبها عند تعطيل القدرة على المشي، ولكن المالكية خالفوا الجمهور في علاقة الجماع والمشي بالصلب، فهم يفرقون بين محل المعنى وسبب التعطيل، فهم يوجبون في كسر الصلب مع ذهاب قوة الجماع ديتين، لأن محل الجماع في غير الصلب قياسًا على ذلك إذا كُسر صلبه، ويتبع ذلك ذهاب مشيه وجماعه فله ثلاث ديات. (٤)
وما سبق أن ذكرناه من معاني الأعضاء أغلبها متفق على أن في ذهابه الدية كاملة، وقد اختلف الفقهاء في تحديد المعاني التي يجب في ذهابها كمال الدية، فقد ذكر الشافعية أن المعاني التي يجب فيها الدية هي" العقل، السمع، البصر، الشم، الذوق، المشي، الجماع، الإمناء، الإحبال، لذة الجماع، لذة الطعام، الكلام، إبطال الصوت، قوة البطش، المشي، المضغ" (٥) ولم يوجبوها في الصعر لأن تفويت الجمال عندهم لا يوجب الدية، أما الحنفية فيرون أن كل معنى يفوت تجب فيه الدية، حيث جاء في تبيين الحقائق:" وكل عضو ذهب نفعه ففيه الدية" (٦)، وذكر المالكية من المعاني" العقل والسمع
_________________
(١) البيهقي، السنن الكبرى، ج٨، ص ١٥١، برقم (١٦٢٢٦)، وهو حديث ضعيف، الألباني، إرواء الغليل، ج٧، ص٣٢١، برقم (٢٢٧٨).
(٢) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٦، ص ١٢٦. الرافعي، الشرح الكبير، ج١٠، ص٣٥٦.
(٣) ابن قدامة، المغني، ج٨، ص ٤٦٦. ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، المغني على مختصر الخرقي، ضبطه وصححه عبد السلام محمد علي شاهين، ج٨، ص٢٨، ط١، ١٩٩٤م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٤) الكشناوي، أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك، ج٣، ص ١٣٢.
(٥) الشيرازي، المهذب في فقه الشافعي، ج٢، ص٢٠٧.
(٦) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٦، ص ١٣١.
[ ١٦٧ ]
والبصر والنطق والصوت والذوق وقوة الجماع" (١)، والحديث يتركز على فوات المنفعة كلها، وهذا فيه الدية كاملة، أما إذا فات بعض المعنى وجب فيه بعض الدية بنسبة ما فات، وإن كان هناك اختلاف في تقديره ما بين سهل في التقدير كذهاب الإبصار من عين واحدة، أو السمع من أذن واحدة فهذا لا يحتاج إلى جهد كبير في تقديره لأن النسبة المئوية الذاهبة معروفة ٥٠% فتقابلها نصف الدية ٥٠% من الدية.
وما يصعب تقديره من فوات المنفعة (٢) وهنا تبرز حاجة التقرير الطبي الذي تقدمه اللجنة الطبية الموثوقة لتقدير نسبة العجز عند المصاب، وقد نص قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (١٢٠) في الفقرة الثانية على أنه:" إذا ترتب على إصابة العمل عجز جزئي دائم يستحق المصاب تعويضًا نقديًا يعادل نسبة العجز إلى العجز الكلي الدائم" (٣)، ولكن القانون لم يوضح المقصود بالعجز الكلي، بل ترك بيان ذلك لشرّاح القانون، فمنهم من قال بأنه:" فقدان مقدرة العامل عن العمل سواء كان هذا العمل يُستخدم فيه، أو الأعمال التي كان قادرًا على القيام بها، أم أي عمل آخر" (٤)، وهذا ليس بالأمر الحادث، بل سبقت إليه الشريعة الإسلامية قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمن، ذلك أن عليًا - ﵁ - أمر الذي أصيب بصره بأن عُصبت عينه الصحيحة وأعطى رجلًا بيضة، فانطلق بها وهو ينظر إليها حتى لم يبصرها فخطّ عند أول ذلك خطًا في الأرض، ثم أمر بعينه المصابة فعُصبت وفُتحت الصحيحة، وأعطى رجلًا البيضة بعينها، فانطلق بها، وهو ينظر إليها حتى خفيت عنه، فخطّ عند أول ما خفيت عنه خطًا، ثم علم ما بين الخطين من المسافة، وعلم مقدار ذلك من منتهى رؤية العين الصحيحة فأعطاه قدر ذلك من الدية (٥)، وبقدر ما فات من الكلام بعدد الحروف التي ذهبت، حيث تقسم الدية على الحروف التي للسان فيها عمل.
أما نسبة تعويض العامل عن إصابته التي الحقت به عجزًا كاملًا وبتقرير من لجنة طبية مختصة، فقد أوجد القانون للعامل خيارين يختار أيهما شاء، فنصت المادة رقم (١٢٠) في الفقرة الأولى منه على أنه:" إذا أدت إصابة العمل إلى الوفاة أو نتج عنها عجز كلي دائم استحق الورثة في الحالة الأولى والمصاب في الحالة الثانية تعويضًا نقديًا يُعادل اجر (٣٥٠٠) ثلاثة آلاف وخمس مائة يوم عمل أو ٨٠% من الأجر الأساسي عن المدة المتبقية حتى بلوغه سن الستين أيهما
_________________
(١) الخرشي على مختصر سيدي خليل، ج٨، ص٣٥.
(٢) بوساق، التعويض عن الضرر في الفقه الإسلامي، ص ٣٤٤.
(٣) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٤٨.
(٤) شكري، إصابات العمال وأمراض المهنة دراسة تحليلية فقهية قضائية تحليلية ناقدة، ص ٧١.
(٥) ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج٢، ص٤٤٨. الصنعاني، المصنف، ج٩، ص ٣٢٧.
[ ١٦٨ ]
أكثر" (١)، وقد تناول قانون التأمينات الاجتماعية - غير المعمول به - مسألة العجز الدائم بشيءٍ من التفصيل وكان ذلك لمصلحة العامل فجاء في المواد رقم (٢٣ و٢٤):" إذا أدت إصابة العمل إلى عجز كلي دائم استحق المصاب معاشًا شهريًا يعادل ٨٠% من الأجر حتى وفاته، ويوزع على المستحقين من بعده وفقًا لأحكام هذا القانون، وإذا أدت إصابة العمل إلى عجز جزئي دائم تقدر نسبته بـ ٣٥% فأكثر استحق المصاب معاشًا شهريًا يعادل نسبة عجزه إلى معاش العجز الكلي الدائم حتى وفاته ويوزع على المستحقين من بعده وفقًا لأحكام هذا القانون، وإذا أدت إصابة العمل إلى عجز جزئي دائم تقدر نسبته بأقل من ٣٥% استحق المصاب تعويض الدفعة الواحدة بما يعادل نسبة عجزه إلى معاش العجز الكلي الدائم عن أربعين شهرًا" (٢)
أما العجز المؤقت وحرصًا من الشريعة الإسلامية على رفع المنازعات بين المسلمين ذكر الفقهاء (٣) الجراح التي تستوجب التعويض وهي:
الخارصة: وهي الجروح التي تشق الجلد دون ظهور الدم.
الدامية: ما يسيل منها الدم.
الباضعة: ما تبضع اللحم - أي تقطعه-.
السمحاق: وهي الجرح الواصل إلى السمحاق، بمعنى وصول الجرح إلى الجلدة بين اللحم وعظم الرأس.
الموضحة: ما يوضح العظم.
الهاشمة: ما تهشم العظام أي تكسره.
المنقلة: ما تنقل العظم من موضعه إلى موضع آخر.
الآمّة: وهي التي تفضي إلى أم الدماغ.
الدامغة: ما تخرق جلدة أم الدماغ.
وفي كل منها خلاف طويل بين الفقهاء، وهناك من الجروح والإصابات ما يُرجع في تقدير نسبة العجز من أثرها إلى ولي الأمر أو الحاكم، وعليه تقدير المقابل (الأرش) بأن يقوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوّم ومعه الجناية ولكنها قد برئت، فما أنقصته الجناية فله مثله من الدية، ويكون وقت تقدير التعويض بعد البرء من الإصابة، لأن الفقهاء يرتبون التعويض على حصول النقص، أما إذا أصيب العامل وخضع للعلاج اللازم ثم قام بعد ذلك من غير نقص، فقد اختلف الفقهاء في حاله،
_________________
(١) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ٤٨.
(٢) الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، قانون التأمينات الاجتماعية http://www.pgftu.ps/page
(٣) ابن قدامة، المغني على مختصر الخرقي، ج٨، ص٣٠. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٦، ص١٣٢.
[ ١٦٩ ]
وهل يستحق التعويض أم لا؟ وقال جماعة من أهل العلم: لا شيء في جناية لم تترك عيبًا، وبذلك قال الحنابلة والشافعية. (١)
وقال آخرون، لا يستحق المصاب الذي برئ من دون نقص تعويضًا، وبذلك قال المالكية (٢) أن الجاني تلزمه أجرة الطبيب وثمن الدواء، وهو قول عند الحنفية (٣)، وقد أفتى العلماء المعاصرون بأن الإصابة التي تصيب العامل أثناء عمله في مصنع أو شركة ونحوها ينظر فيها، فإن كانت ناتجة عن تقصير أو إهمال من الشركة فإنها ضامنة لأنها المتسببة في هذا الضرر الذي لحق بالعامل، أما إذا كانت الشركة قد اتخذت كافة الإجراءات والاحتياطات اللازمة ولم يحدث منها تقصير أو إهمال فإنها لا تضمن، لأن الأصل في فعل (إصابات) الجمادات (الآلات) أنها جُبَار (٤)، ولا يخلو نزول الضرر ببدن العامل من أمرين لا ثالث لهما:"
الأول: أن يكون رب العمل متعديًا بالعمل، بأن كان يعمل فيما لا يملك العمل فيه، لمخالفة ذلك العمل للقوانين المتبعة في البلاد.
الثاني: أن يكون رب العمل غير متعدٍ في عمله، بمعنى انه موافق لكل القوانين والأنظمة المتَّبعة في البلاد.
ففي الحالة الأولى (أن يكون رب العمل متعديًا) لا يخلو موقف العامل من هذا العمل أن يكون عالمًا بتعدي رب العمل أو عدم علمه، وفي الحالة الثانية (عدم تعدي صاحب العمل) فلا يعدو كونه متسببًا أو غير متسبب.
وقد انطلق الباحثون في هذه الحالات السابقة من قول الرسول - ﷺ -:" العجماء جرحها جُبار، والبئر جُبار، والمعدِن جُبار، وفي الركاز الخمس" (٥) وقد جاء في توضيح هذا الحديث:" من حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها إنسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفارة في ماله، وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر، ولو حفر بئرًا في ملكه أو في موات فوقع بها إنسان أو غيره فتلف فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبب إلى ذلك ولا تغرير،
_________________
(١) أبو البركات، مجد الدين، المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ج٢، ص ١٢٩، ط٢، ١٩٨٤م، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية. الرافعي، الشرح الكبير، ج١٠، ص١١٩.
(٢) الحطاب، مواهب الجليل، ج٦، ص٦٥٩. الزرقاني، محمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، ج٤، ص٢٢١، ط١، ١٩٩٠م، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٣) الكاساني، بدائع الصنائع، ج٧، ص٢٩٦. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٦، ص١٣٨.
(٤) موقع إسلام ويب على شبكة الانترنت http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa
(٥) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الديّات، باب المعدن جُبار والبئر جُبار، ص ١٧٣٣، برقم (٦٩١٢).
[ ١٧٠ ]
وكذا لو استأجر إنسانًا ليحفر له البئر فانهارت فلا ضمان عليه" (١)، وقد تلخصت آراء الفقهاء في هذه المسألة على النحو الآتي:
١. أن من تعدّى فعمل في ما لا يملك ولا مأذونٌ له بالعمل فيه فهلك به إنسان ضمنه صاحب العمل.
٢. أن العامل إذا عمل في غير ملك صاحب العمل مع علمه بأن صاحب العمل متعدٍ في ذلك وحصل له ضرر فالضمان عليه، وإن لم يعلم فالضمان على صاحب العمل.
٣. من عمل في ملكه متبعًا بذلك كل القوانين والأنظمة ثم هلك بهذا العمل إنسان فلا ضمان عليه، لأنه غير متعدِّ (٢).
وعلى ما تقدم فإن العامل الذي يعمل في مؤسسة فلا يخلو من كونه يعلم أن هذه المؤسسة تخالف الشرع الإسلامي والقوانين المعمول بها في بلاده فإنه يُعتبر متعديًا في هذه الحالة، فإن تلف بعض من بدنه فهو ضامن، لأنه يعمل فيما لا يجوز له شرعًا مع علمه بذلك، وأما إن كان لا يعلم بمخالفة عمله للشرع الإسلامي أو للقوانين الصحيحة الصادرة من ولي الأمر فتلف شيء من بدنه فضمان ذلك على رب العمل، أما إن عمل العامل في مؤسسة يوافق عملها شرع الله والأنظمة الموضوعة لترتيب أحوال العامل، ثم تلف بدنه أو شيء منه، فلا يخلو ذلك من كون صاحب العمل متسببًا في ذلك التلف فيضمن ما تسبب بتلفه، وذلك كأن يسلّم صاحب العمل آلات صناعية لا تصلح للعمل على وجه السلامة للعامل ليعمل فيها، فإن هلاك العامل أو جزءًا منه يكون بتسبب رب العمل، وأما إذا لم يكن رب العمل متسببًا في ضرر العامل، كأن يكون قد سلّمه آلات جيّدة المواصفات ولكن التلف حصل ببدن العامل بقدر الله - ﷾ - وبدون تسبب من ربّ العمل فلا يضمن في هذه الحالة. (٣)
والذي أميل إليه- والله تعالى أعلم - أنه ومن أجل الجمع بين الآراء الفقهية فإنه لا يجوز إهدار دم يسيل من الجسم، وكذلك الألم الذي يعانيه المصاب، مع أن المصاب لا يستعيد قوته العادية إلا بعد وقت قد يكون ليس قصيرًا، ثم إن الفقهاء في الزمن الماضي لم يكونوا يعانون من تكاليف العلاج الباهظة كما يعانيها الناس اليوم، ولم يعايشوا تكاليف العلاج الباهظة، لذا فقد حكموا بالعرف السائد لديهم.
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج١٢، ص٢٦٦.
(٢) المرغيناني، الهداية، ج٤، ص٥٣٩.مالك، المدونة، ج٤، ص٦٦٥. النووي، المجموع، ج١٩، ص١٥. ابن قدامة، المغني، ج٨، ص٣٣٠.
(٣) الكبيّ، سعد الدين محمد، المعاملات المالية المعاصرة في ضوء الإسلام، ص٥٧٥، ط١، ٢٠٠٢م، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، أصل الكتاب رسالة ماجستير من جامعة أم درمان بالخرطوم، وقد تم مناقشتها عام ١٩٩٧م في جامعة الجنان (فرع لجامعة لأم درمان) بلبنان، بإشراف الدكتور مصطفى ديب البغا، بتصرف يسير.
[ ١٧١ ]
ثم إنه ينبغي اعتبار أجرة الطبيب وثمن الدواء واجبة على الجاني، أو صاحب العمل، وبهذا أخذ قانون العمل الفلسطيني الذي نصّ في المادة (١١٨) على أنه:" وفقًا لأحكام القانون والأنظمة الصادرة يتكفل صاحب العمل بمايلي:
١. علاج العامل المصاب إلى أن يتم شفاؤه، وتغطية كافة النفقات العلاجية اللازمة بما فيها نفقات الخدمات التأهيلية ومستلزماتها.
٢. جميع الحقوق المترتبة على الإصابة ولو اقتضت مسؤولية طرف ثالث". (١)
وقد نصّت المادة رقم (١٨) من قانون التأمينات الاجتماعية -المعطَّل- على أنه:"تشمل الرعاية الطبية ما يلي:-
١. تكاليف الخدمات التشخيصية والعلاجية والصيدلية والإقامة في المستشفى وفقًا للتعليمات التي يصدرها المجلس.
٢. تكاليف العلاج في الخارج بناء على قرار من اللجنة الطبية.
٣. نفقات انتقال المصاب من مكان العمل أو السكن إلى جهة العلاج والعكس.
٤. الخدمات التأهيلية الطبية بما في ذلك الأطراف والأجهزة الصناعية التعويضية المقررة من اللجنة الطبية.
٥. نفقات إعادة التأهيل المهني والوظيفي التي يحتاجها المصاب" (٢)، ولكن السؤال الذي يمكن للعمّال المصابين أن يسألوه: هل للمصاب في عمله تعويض عن المدة التي يعجز فيها عن الكسب والعمل؟.
الواضح أن جمهور الفقهاء لا يرون للمصاب تعويضًا عما فاته من العمل، لأنهم يمنعون التعويض عن الجرح الذي برئ صاحبه دون إحداث نقص في الجسم، فيكون منع التعويض عن فوات العمل من باب أولى، وقد تحدث الفقهاء عن هذه المسألة كما جاء في العقود الدريّة:" إذا ضرب يد غيره فكسرها وعجز عن الكسب فعلى الضارب المداواة والنفقة إلى أن يبرأ، وإذا برئ وتعطلّت يده وشلّت وجبت ديتها" (٣)، ولكن هذا النص لا يدل على قول الحنفية بتعويض العامل عن عجزه عن الكسب طوال فترة الإصابة وذلك لسببين:
_________________
(١) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٤٧.
(٢) الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، قانون التأمينات الاجتماعية، http://www.pgftu.ps/page
(٣) ابن عابدين، محمد أمين، العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، ج٢، ص١٩٥، بدون رقم طبعة وبدون دار نشر.
[ ١٧٢ ]
الأول: لا يرى الإمام أبو حنيفة التعويض في الجرح الذي برئ من غير نقص. (١)
الثاني: إن الحنفية لا يجيزون التعويض عن المنافع بشكل عام، وذلك لأنهم لا يعدّونها مالًا. (٢)
وكذلك المالكية لا يرون تعويض المصاب إن لم يحدث الجرح نقصًا، قياسًا على رأيهم في كون المنافع تُضمن بالاستعمال ولا شيء فيها بالتعطيل (٣)، أما الحنابلة فلا يرون تعويض المصاب الذي تعطّل عن الكسب بسبب الإصابة، لأن المعطَّل عن العمل بسبب الإصابة ينطبق عليه أنه ممنوع من غير حبس (٤)، وللشافعية في المسألة رأيان:
الأول: لا تعويض للمصاب لعجزه عن العمل.
الثاني: يلزم له التعويض. (٥)
ومن العلماء المعاصرين من عرّف العجز المؤقت بقوله:" المرض أو الإعياء الذي يُصيب العامل بسبب العمل أو نتيجة له أو لأجله فيُقعده عن العمل مدة زمنية تبدأ من الإعلان عن وقوع الحادث المسبب للمرض، ولغاية إعلان الطبيب المختص عن شفائه، حيث تقرر اللجنة الطبية المختصة وقت بدء المرض ووقت شفائه، أو المدة الزمنية اللازمة تحديدًا إلى الشفاء من المرض واللازمة للعلاج، وهي مدة التعطيل الواجب التعويض عنها، وبيان أن العامل أصبح قادرًا على العودة إلى ممارسة عمله بانتظام" (٦).
وينبغي ابتداءً تحديد الأجر الذي يُتخذ أساسًا لحساب التعويض، إذ جعله قانون العمل الفلسطيني الأجر الأساسي مضافًا إليه العلاوات والبدلات، وقد ألزم قانون العمل الفلسطيني بدفع الأجر من اليوم الأول لوقوع الإصابة، وإذا استحق العامل تعويضًا فإنه يتقاضاه حسب طبيعة عمله، فالعامل الذي كان يتقاضى أجره أسبوعيًا فإنه يتقاضى تعويضه أسبوعيًا أيضًا، وكذلك العامل الذي كان يتقاضى أجره شهريًا، وهذا الأمر غفل عن تنظيمه قانون العمل الفلسطيني.
وقد يُثار خلاف حول استحقاق العامل تعويضًا بدل إجازته الأسبوعية وهنا" لم يرد في قانون التأمينات نص بشأن استحقاق العامل المصاب التعويض بدل الأجر اليومي عن أيام الراحة الأسبوعية التي تقع في فترة العجز المؤقت، ولكن شرّاح قانون التأمينات الاجتماعية يرون أن للعامل حق
_________________
(١) السرخسي، المبسوط، ج٢٦، ص٨٠.
(٢) المصدر نفسه، ج٢٦، ص٩.
(٣) التسولي، علي بن عبد السلام، البهجة شرح التحفة، ج٢، ص٢٧٨.
(٤) البهوتي، كشاف القناع، ج٤، ص٧٨.
(٥) الشربيني، مغني المحتاج، ج٥، ص ٥٥١.
(٦) شكري، موسى، إصابات العمال وأمراض المهنة دراسة تحليلية فقهية قضائية تحليلية ناقدة، ص٧٠، ط١، ٢٠٠١م، مركز الديمقراطية وحقوق العاملين، فلسطين.
[ ١٧٣ ]
التعويض عن أيام الراحة الأسبوعية" (١)، في حين يرى الباحث أن العامل الذي يتقاضى أجره كل شهر يستحق التعويض عن أيام إجازته الأسبوعية؛ لأن الأجر هو كتلة واحدة، أما عمال المياومة فلا حق لهم في تعويض هذه الإجازة، وبالرجوع إلى المادة رقم (٧٢) من قانون العمل الفلسطيني يُلاحظ أن أيام الراحة الأسبوعية تكون مدفوعة الأجر.
وبخصوص المدة التي يستمر فيها صاحب العمل بدفع التعويض للعامل الذي يُعاني من عجزٍ مؤقت فلم يُحدد قانون التأمينات الاجتماعية المدة القصوى للاستمرار في دفع التعطيل اليومي بل جعله طيلة مدة عجزه، أما قانون العمل الفلسطيني فقد حدد دفع التعويض عن العجز المؤقت بمدة ١٨٠ يوما، حيث نصت المادة رقم (١١٩) من قانون العمل الفلسطيني على أنه:" إذا حالت إصابة العامل دون أداء العامل لعمله يستحق العامل ٧٥% من أجره اليومي عند وقوع الإصابة طيلة عجزه المؤقت بما لا يتجاوز ١٨٠ يومًا" (٢) وحول هذا النص تبدو الملاحظات الآتية:
١. لا تحول الإصابة دون أداء العمل إلا إذا كانت متوسطة أو كبيرة، وهذا يعني أن العامل تعرض لحادثٍ ليس بالبسيط، وإعطاء القانون للعامل هذه النسبة من راتبه الشهري قد يُلحق ظلمًا بالعامل، ولماذا حُرم العامل النسبة الباقية من راتبه؟
٢. لم يوضح القانون موقفه إذا تجاوز العجز المؤقت المدة التي ضربها القانون (١٨٠ يوم)، وهل يُعطى أجرًا؟ أم يُعاقب هو وأسرته نتيجة تفانيه في عمله؟.
٣. لم يُجب قانون العمل الفلسطيني عن استمرارية العقد بعد هذه المدة، إذا يظهر تناقض بين هذه المادة والمادة رقم (٢١) من نفس القانون التي تنص في الفقرة الخامسة على أن ينتهي عقد العمل الفردي:" بوفاة العامل أو إصابته بمرض أو عجز أقعده عن العمل لمدة تزيد على ستة أشهر" (٣) وهو ما يعني إنهاء عقد العامل وإقالته بحكم القانون.
٤. يقترح الباحث أن يُعطى العامل راتبه الشهري كاملًا خلال الشهر الأول من عجزه المؤقت، ثم يُكتفى براتبه الأساسي دون الزيادات عليه طيلة فترة عجزه المؤقت.
ونؤكد أن التعويض عن العجز المؤقت دون إحداث نقص في الجسم ملازمة لحقوق العامل في الترقيات والمكافآت، غير أن العامل المتضرر من حادث العمل يمكن أن يُحرم من هذه التعويضات وما يلحق بها في حالات منها:
_________________
(١) عدوي، أحكام تعويض إصابات العمل في ظل قانون العمل الفلسطيني، ص٩٥.
(٢) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٤٧.
(٣) المصدر نفسه، ص١٩.
[ ١٧٤ ]
١. إذا امتنع العامل المصاب من اتباع العلاج الموصوف له من الجهة الطبية المعتمدة دون مبرر.
٢. إذا رفض الامتثال للمراقبة الطبية، كأن يتقاعس عن تنفيذ التوجيهات والإرشادات التي تماثله للشفاء. (١)
٣. إذا كانت الإصابة ناتجة عن فعل متعمد من العامل المصاب.
٤. إذا كانت الإصابة بتأثير الخمر أو المخدرات، وهذا الفعل وما قبله نصت عليه المادة رقم (١٢٣) من قانون العمل الفلسطيني. (٢)
٥. أضاف قانون الخدمة المدنية الفلسطيني سببًا آخر لحرمان الموظف من التعويض وهو انقضاء سنتين على وقوع إصابة العمل دون المطالبة بهذا الحق، إلا إذا كان التأخير ناتجًا عن عدم استقرار حالة الموظف المصاب وفق تقرير اللجنة الطبية. (٣)
وقد دلّت السنة النبوية المطهرة على مشروعية التعويض، ومن ذلك ما جاء في الصحيح أن النبي - ﷺ - كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي - ﷺ - في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي - ﷺ - فِلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول:" غارت أمكم" ثم حبس الخادم حتى أُتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة إلى التي كُسرت صحفتها وأمسك المكسورة في بيت التي كُسرت فيها" (٤)، بهذا النص وغيره استدل الفقهاء ﵏ على مشروعية التعويض، وأصّلوا لذلك قواعد كلية صيانة لأموال الناس من كل اعتداء، وجبرًا لما فات منها بالتعويض كقولهم: الضرر يزال، والضرر لا يزال بالضرر، وقال الإمام ابن القيم ﵀": اقتضت السنة التعويض بالمثل "، وقال: "الأصل الثاني: أن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، حتى الحيوان، فإنه إذا اقترضه رد مثله، وإذا كانت المماثلة من كل وجه متعذرة حتى في المكيل والموزون، فما كان أقرب إلى المماثلة، فهو أولى بالصواب، ولا ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلة من الجنس إلى القيمة، فهذا هو القياس وموجب النصوص" (٥)
وفي المادة رقم (١٢٨) من قانون العمل الفلسطيني نصّ على انه:" إذا ظهرت على العامل أعراض أحد أمراض المهنة الواردة في الجدول الملحق بالقانون خلال سنتين من تاريخ انتهاء خدمته
_________________
(١) صخري، مصطفى، أحكام حوادث العمل، ص١٥٣، ط١، ١٩٩٨م، دار الثقافة، عمان، الأردن.
(٢) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص٤٩.
(٣) نصّ المادة رقم (٩٧) من القانون.
(٤) رواه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الغَيرة، ص ١٣٤٣ برقم (٥٢٢٥).
(٥) ابن القيم، محمد بن أبي بكر، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج٢، ص٢٠، ط١، ٢٠٠٣م، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان.
[ ١٧٥ ]
يلتزم صاحب العمل بجميع الحقوق المقررة له وفقًا لأحكام هذا الباب من القانون" (١) وهي لفتة تُحتسب للقانون، خصوصًا أن بعض الأمراض لا يظهر تأثيرها وعلاماتها الظاهرة مباشرة، ولكن هذا يلحق الضرر بصاحب العمل، إلا إذا أضفنا شرطًا بعدم عمل هذا العامل بأي أعمال قد تسبب أو تساعد في ظهور هذا المرض.
وفي المادة رقم (١٣٠) من القانون نصت على انه:" يُحسب التعويض المستحق وفقًا لأحكام هذا الباب على أساس متوسط الأجر لآخر ثلاثة أشهر" (٢) وقد يثور تساؤل لماذا متوسط الأجر في الأشهر الثلاثة الأخيرة؟ ولماذا لا يكون لآخر شهر عمله العامل؟ ويبقى الغموض في النص الذي محلّه: هل متوسط الأجر مع إضافاته؟ أم هو الأجر الأساسي؟.
_________________
(١) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ٥٠.
(٢) المصدر نفسه، ص٥٠.
[ ١٧٦ ]