التعويض والضمان
ونعني بذلك تعويض العامل صاحب العمل عما يلحقه من ضرر بسببه، وقد سبق الحديث أن الأجير الخاص صاحب يد أمانة؛ وذلك لأن العين أمانة في يده كونه قبضها بإذن ربّ العمل، وقد اختلف الفقهاء في ضمانه، فاعتبر المالكية أنه لا ضمان عليه، وحتى لو شرط عليه الضمان، فهو شرط يناقض العقد، ويُفسد الإجارة، وإن وقع الشرط فسدت الإجارة (١)، ومن فقهاء الشافعية من اعتبر الأجير الخاص كالمشترك فيضمن ما تلف في يده، وذلك صيانة لأموال الناس (٢)، وهناك من الحالات التي يتحمل الأجير الخاص ضمان ما أتلفه، منها ما هو متفق عليها بين الفقهاء قديمًا، ومنها ما هو مُختلف فيها، أما الحالات المُتفق عليها بين الفقهاء فهي حالتان:
الحالة الأولى: التعدّي، وهو "مجاوزة ما ينبغي الاقتصار عليه شرعًا أو عرفًا" (٣)، وقد اتفقت كلمة الفقهاء على أن مخالفة أمر المستأجر صراحة أو دلالة موجب للضمان. (٤)
الحالة الثانية: التفريط، وهو" تجاوز الحدّ من جهة النقصان والتقصير، والإفراط يستعمل في تجاوز الحدّ من جانب الزيادة والكمال" (٥)، واتفق الفقهاء على أن يد الأمين تنتقل بالتفريط إلى يد ضمان (٦)، ويُرجع عادة في تحديد التفريط الموجب للضمان إلى عُرف الناس وعادة الصنّاع وأهل المهنة.
أما الحالات المختلف فيها فهي على النحو الآتي:
_________________
(١) القرافي، أحمد بن إدريس، الذخيرة، تحقيق مجموعة من المحققين، ج٥، ص٥٠٥، ط١، ١٩٩٤م، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، حقق هذا الجزء محمد بوخبزة. القيرواني، الفواكه الدواني، ج٢، ص١٨٦.
(٢) الشيرازي، إبراهيم بن علي، المهذب في فقه الإمام الشافعي، تحقيق الشيخ عادل عبد الموجود والشيخ علي محمد عوض، ط١، ج ١، ص٤٣١، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
(٣) المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، ج٣، ص١٢٨٩. القرافي، الذخيرة، ج٥، ص٥٠٧.الشربيني، مغني المحتاج، ج٢، ص٢٦٧. البهوتي، كشاف القناع، ج٤، ص١٦٦.
(٤) ابن عابدين، رد المحتار على الدرّ المختار، ج٩، ص٩٦. الشربيني، مغني المحتاج، ج٢،ص٢٦٤. القرافي، الذخيرة، ج٥، ص٥٠٧.البهوتي، كشاف القناع، ج٤، ص ٣٢.
(٥) الجرجاني، التعريفات، ص ٣٣.
(٦) ابن عابدين، ردّ المحتار على الدرّ المختار، ج ٩، ص٩٥. الدسوقي على الشرح الكبير٤، ص ٤٠. الشربيني، مغني المحتاج، ج٢،ص٢٦٧. البهوتي، كشاف القناع، ج٤، ص ٣٣.
[ ٥٣ ]
الحالة الأولى: التجهيل، وهو" عدم تبيين الأمين حال الأمانة التي بيده عند موته، مع علمه بأنّ وارثه لا يعرف كونها أمانة عنده" (١)، وعند الحنفية تنقلب الأمانات إلى كونها مضمونة بالموت عن تجهيل إلا في ثلاث حالات: الناظر إذا مات مجهِّلًا غلّات الوقف، والقاضي إذا مات مجهِّلًا أموال اليتامى عند من أودعها، والسلطان إذا أودع بعض الغنيمة عند الغازي، ثم مات ولم يبين عند من أودعها (٢)، وقد وافق المالكية على ما ذهب إليه الحنفية ولكن بوجود اختلاف في التفصيل والتقييد والأحكام (٣)، وكذلك الشافعية وافقوا المالكية (٤)،وذهب الحنابلة إلى مثل ما ذهب الحنفية ونصّوا على ذلك في الوديع والمضارب والوكيل والأجير وعامل الوقف وناظره (٥).
الحالة الثانية: العُرف، حيث ذهب بعض فقهاء الحنفية إلى اعتبار العُرف موجبًا لتغيّر يد الأمانة إلى يد ضمان (٦).
الحالة الثالثة: المصلحة، فقد ذهب المالكية في المشهور من مذهبهم إلى التضمين بناءً على المصلحة العامة وسدًّا لذريعة الفساد (٧)، ووجه المصلحة في تضمينهم: أن الناس لهم حاجة ماسّة بالصنّاع، ومن ثمّ يغيب صاحب المتاع عن متاعه، والغالب على الصنّاع التفريط وعدم الحفظ، ولو لم يضمنوا لأدّى ذلك إلى نتيجتين، الأولى ترك الاستصناع بالكلية، والثانية: ضياع الأموال وظهور الخيانة. (٨)
_________________
(١) ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، طبعة عام ١٩٨٠م، ص٢٧٣، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٢) المصدر نفسه، ص ٣٢٦.
(٣) مالك، المدونة، ج ١٥، ص١٤٩.
(٤) النووي، يحيى بن شرف، روضة الطالبين وعمدة المفتين، ج٥، ص ٣٨٧، طبعة عام ١٩٩٥م، دار الفكر، بيروت، لبنان. الباجوري، ابراهيم، حاشية الباجوري على ابن قاسم الغزّي، ج٢، ص٣٠،طبعة عام ١٩٣٠م، مطبعة عيس البابي وشركاؤه، مصر.
(٥) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج ٢، ص٣٣٦. الكرمي، مرعي بن يوسف، دليل الطالب لنيل المطالب، ص ٢٩٣، ط١، ١٩٩٦م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
(٦) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص ١٠٩.
(٧) ابن رشد، محمد بن أحمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق عبد الحكيم محمد، ج٢، ص٣٦٤،بدون رقم طبعة، المكتبة التوفيقية، مصر.
(٨) الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الاعتصام، تحقيق مشهور حسن آل سلمان، ج٣، ص١٩،بدون رقم طبعة، مكتبة التوحيد، السعودية.
[ ٥٤ ]
الحالة الرابعة: التهمة، وهي "رجحان الظنّ وغلبة الاحتمال في كذب ادّعاء الأمين هلاك الأمانة بدون تعدٍ أو تقصير" (١)، وقد اعتبر المالكية التهمة موجبًا لتغيّر حال يد الأمانة إلى يد ضمان، فجاء في الفرق بين قاعدة ما يضمنه الأجراء إذا هلك وبين قاعدة ما لا يضمنونه، من كتاب الفروق:" اعلم أن الهالك خمسة أقسام: ما هلك بسبب حامله من عثار أو ضعف حبل لم يغرر به الثاني: ما غرّ فيه بضعف حبل يضمن القيمة بموضع الهلاك لأنه موضع التفريط، وله من الكراء بحسابه، الثالث: ما هلك بأمر سماوي بالبينة فله الكراء كله، وعليه حمل مثله من موضع الهلاك لأن أجزاء المنفعة مضمونة عليه، الرابع: ما هلك بقولهم من الطعام لا يُصَدّقون فيه لقيام التهمة، ولهم الكراء كله؛ لأن شأن الطعام امتداد الأيدي إليه؛ لأنهم استحقوه بالعقد، الخامس: ما هلك بأيديهم من العروض يُصدَّقون فيه لعدم التهمة ولهم الكراء كله" (٢).
الحالة الخامسة: اشتراط الضمان على الأمين، وقد اختلف الفقهاء في هذا الشرط على ثلاثة أقوال كما يأتي:
القول الأول: الشرط باطل؛ لأنه منافٍ لمقتضى العقد، وبهذا القول قال الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) في المشهور عندهم، ثم اختلف أصحاب هذا القول فيما بينهم حول فساد العقد لفساد الشرط إلى رأيين:
الأول: الحنفية والحنابلة قالوا بأن الشرط باطل والعقد صحيح. (٧)
الثاني: الشافعية اعتبروا الشرط باطلًا والعقد باطلًا. (٨)
القول الثاني: اعتبر بعض المالكية أن الشرط مُلزم للطرفين. (٩)
_________________
(١) حمّاد، نزيه، قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد، ص٣٨٢، ط١، ٢٠٠١م، دار القلم، دمشق، سوريا.
(٢) القرافي، الفروق وأنوار البروق في أنوار الفروق، ج٤، ص٣٣، الفرق رقم (٢٠٧)
(٣) السرخسي، شمس الدين، المبسوط، ط ٢،ج١٥، ص ٨٤، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
(٤) ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج٢، ص ٣٦٥.
(٥) الشيرازي، المهذب في فقه الشافعي، ج١، ص ٤٣٢.
(٦) البهوتي، كشاف القناع، ج٤، ص ١٨٧.
(٧) السرخسي، المبسوط، ج١٥، ص ٨٤. البهوتي، كشاف القناع، ج٤، ص٣٢.
(٨) الشيرازي، المهذب في فقه الشافعي، ج١، ص ٤٣٣.
(٩) ابن رشد، محمد بن أحمد، المقدمات الممهدات، ج٢، ص ٢٥٢،ط١، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
[ ٥٥ ]
القول الثالث: اعتبر الظاهرية أن هذا الشرط صحيح مُلزم (١)، وبهذا القول قال بعض المتأخرين من الفقهاء (٢)، والراجح - واله تعالى أعلم - أن العامل ملزم بتعويض صاحب العمل عن كل ضرر يلحقه بسبب العامل وكان ذلك بسبب تقصير العامل أو تهاونه، ثم إنه ملزم بضمان ما اتلفه بتعدّ او تقصير، وذلك وفقًا للقواعد العامة في القانون فإن كل ضرر يُصيب الغير يلتزم فاعله بالتعويض ولو كان غير مبرر.
_________________
(١) ابن حزم، المحلّى، ج٥، ص ٢٠٢. الشوكاني، محمد بن علي، السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، ج٣، ص ٢٠٦، ط١، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٢) الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، تحقيق نصر فريد واصل، ج٥، ص٤١٩، بدون رقم طبعة، المكتبة التوفيقية، القاهرة، مصر.
[ ٥٦ ]