وجوب الحفاظ على ما تحت رعايته من آلات وأدوات ومعدات
يقتضي أداء الواجب السابق تواجد العامل في مكان عمله، نظرًا لوجود العديد من الأموال المنقولة وغير المنقولة التي يمتلكها صاحب العمل، أو تكون تحت إدارته لأغراض مفيدة للعمل، كما يقتضي أداء العمل أن يسلَّم العامل بعضًا من هذه الأغراض، التي تكون من مستلزمات عمله، وتكون هذه الأغراض عُرضة لأضرار تنشأ عن خطأ العامل العمد وغير العمد.
والتزام العمّال بالمحافظة والعناية بكل الآلات، والمعدّات والأجهزة التي يستخدمها في عمله مرجعه الأمر بأداء الأمانات، ويندرج أيضًا تحت مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت لحماية الضرورات الخمس، حفظ النفس، حفظ الدين، حفظ المال، حفظ العِرض، حفظ النسب، وقد نهى - ﷾ - عن خيانة الأمانة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، وتعدُّ هذه الأموال بمنزلة العارية المستردة عند العامل، فإذا ما تلف بعض من هذه الآلات أو المعدات في يد العامل، يُنظر فإذا كان هلاكها بتعدٍ أو تقصيرٍ في حفظها ضمنها، أما إذا كانت بلا تعدٍ ولا تقصير فلا يضمنها؛ لأن يده يد أمانة كما سبق وأن ذكرنا، ويوضح لنا الرسول - ﷺ - ما يمكن استعماله من الآلات بقوله:" من وليَ لنا عملًا وليس له منزلٌ فليتخذ منزلا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادمًا، أو ليست له دابة فليتخذ دابة، وإن أصاب شيئًا سوى ذلك فهو غالّ" (٢)، وفي هذا الحديث جواز استعمال العامل لأدوات عمله بما يتطلبه طبيعة العمل، وحُرمة استعمال أدوات العمل بما يُلحق بها الضرر، وكذلك قول الرسول - ﷺ -:" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (٣)
وفي هذا الحديث ما يوجب المحافظة على عمل وأدوات وآلات صاحب العمل ولا يضر به، ويُحكّم الاتفاق في تحديد الآلات والمستلزمات التي تدخل ضمن مسؤولياته، فإن عُدم النصّ على ذكرها أو تحديدها، فُيرجَع في ذلك إلى العُرف والعادة؛ لأن المعروف بين الصنّاع والتجار كالمشروط بينهم، ولم توجب الشريعة الإسلامية على العامل ضمان الآلات والمعدّات في حال تلفها بسبب قاهر خارج عن إرادته، مع انعدام قدرته في ردّه، كالزلازل أو البراكين، أو القصف الحربي في حال حصوله؛ لأن الشريعة الإسلامية نهت عن تكليف الإنسان فوق طاقته.
_________________
(١) سورة الأنفال، آية رقم ٢٧.
(٢) رواه أبو داود في سننه، كتاب الخراج والإمارة، باب أرزاق العمال، ص ٤٤٨، برقم (٢٩٤٥)، ورواه أحمد في مسنده واللفظ له، ج٢٩، ص، ٥٤٣، وقال عنه شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح.
(٣) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ص ٢٣، برقم (١٠) ..
[ ٥١ ]
ومما يُلاحظ أن التزام العامل بالحفاظ على هذه الأدوات ما هو إلا التزام عناية وليس لتحقيق نتيجة أو غاية (١)، ومن ناحية أخرى يلتزم العامل باستخدام هذه الأدوات لغرض العمل وفي مكان العمل الذي أُعدت له، ويُعدّ إخلالًا بهذا الالتزام كل ما يقع من جانب العامل من إساءة لاستخدام تلك المعدات والآلات بحسب الأصول المهنية، كما يُعدّ من قبيل ذلك استخدام الآلات والأدوات والخامات في الأدوات الشخصية، ومن ثمَّ يكون الإخلال بشقيه مخالفة تأديبية، ويُمكن اعتباره من الخطأ الجسيم المبرر لفصل العامل بغير مسؤولية تترتب على صاحب العمل.
ووفقًا للقواعد العامة التي تنظم هذا الالتزام هناك مسؤولية عقدية وأخرى تقصيرية، وقد اعتنى المشرّع الفلسطيني بهذا الواجب بنصّه في المادة رقم (٣٣):" يلتزم العامل بتأدية عمله بإخلاص وأمانة وبالمحافظة على أسرار العمل، وأدواته، ولا يُعتبر العامل مسئولا عن خلل الأدوات أو ضياعها نتيجة ظرف طارئ خارج عن إرادته أو قوة قاهرة" (٢)، وعملًا بمفهوم المخالفة إذا نجم هذا الضرر أو تسبب العامل في فقد أو إتلاف أو تدمير مهمات أو آلات أو منتجات يملكها صاحب العمل، أو كانت في عهدته وكان ذلك ناشئًا عن خطأ من العامل وجب أن يتحمل المبلغ اللازم نظير ذلك، ولصاحب العمل بعد إجراء التحقيق وإخطار العامل أن يبدأ باقتطاع المبلغ المذكور من أجر العامل، على أن لا يزيد ما يُقتطع على النسبة المسموح بها قانونًا وهي (١٥ % من الراتب الأساسي)، وعلى العامل بذل عناية الشخص المعتاد ومتوسط السلوك في أداء العمل، بحيث لا يُطلب منه أن يكون أشد حرصًا، ولا يُقبل منه أن يهبط دون هذا المستوى، وفي ذلك تطبيقٌ للقواعد العامة، وفي ضوء ما تقدم يعدُّ العامل ملزمًا بتعويض صاحب العمل عن الأضرار التي تلحق أمواله- إذا كانت بقصد أو بتعدّ او بتقصير-، مع أن قانون العمل الفلسطيني لم ينصّ على هذا الأمر صراحة، بخلاف قانون العمل المصري الذي نصّ صراحة على وجوب تعويض صاحب العمل، حيث يُسأل العامل عن تعويض كل ضرر تسبب فيه، ويتم التعويض عنها بقرار قضائي، إلا إذا تم الاتفاق عن التعويض رضاء، ويقوم صاحب العمل بتحديد قيمة الأشياء التي تلفت، حيث يستوفي القيمة بالخصم من مرتب العامل، كما وأعطى القانون المصري للعامل الحقّ في التظلّم من تقدير صاحب العمل لقيمة تلك الأشياء محل الخصومة (٣).
_________________
(١) أبو شنب، شرح قانون العمل الجديد، ص١٥١. رمضان، سيد محمود، الوسيط في شرح قانون العمل الأردني الجديد، ص٢٥٧، ط١، دار الثقافة، عمان، الأردن.
(٢) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ١٩.
(٣) خليفة، عقد العمل الفردي، ص ٦٠.
[ ٥٢ ]