استعمال وسائل النظافة والوقاية
لا نجد اليوم شيئًا غريبًا في أن الطب النبوي توصل إلى كثير من مفاهيم الطب الوقائي، إذا وضعنا هذه المفاهيم في إطارها الزمني ومجالها الحضاري، وإذا عرفنا الشعار المعروف (الوقاية خير من العلاج) فإن استقراء الطب النبوي في المفهوم الوقائي، يجعلنا -دون أدنى شبهة- انحيازًا نشير إلى أن شعار الوقاية خير من العلاج شهد أول بذرة له في عصر الطب النبوي.
لقد تحدث الرسول الكريم - ﷺ - في الطب والصحة والمرض، والوقاية من العدوى وفي فضائل الأطباء، بل إن بعض الكتب التي جمعت أحاديث الرسول - ﷺ - تعدُّ بلغة العصر (دائرة معارف للطب النبوي) ضمنها المفاهيم الوقائية والعلاجية من منظور إيماني إسلامي.، وينحصر المفهوم الوقائي في الطب النبوي في أن النظافة من الإيمان، فقد حثّ الإسلام على النظافة وجعلها من الإيمان، حيث روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "إن الله طيِّب يحب الطَّيِّب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظِّفوا أفنيتكم، ولا تشبّهوا باليهود" (١)، وكذلك قول الرسول - ﷺ -:" الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو قال تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " (٢) وموضع الاستدلال أن الطُهور المقصود به الطهارة، لأن صيغة فعول المقصود منها الفعل -يعني: ما يفعل- فالطهور هو التطهر كما أن الفطور هو فعل الإفطار، والسحور هو الفعل نفسه، بخلاف الطَهور -بالفتح-: فإنه ما يتطهر به -يعني: الماء يسمى طهورًا-، وأكلة السحر تسمى سَحورًا -بالفتح-، والفطور يسمى فَطورًا -بالفتح- إذا كان المراد الذي يؤكل، أما الفعل نفسه فهو طهور للطهارة، وسحور للتسحر، فقوله ﵊ هنا: الطُهور يعني: التطهر (٣).
ومما يؤكد ضرورة التزام العامل بقواعد النظافة واللياقة وجود كثير من الأعمال التي تتطلب ظهور العامل بمظهر لائق، وبملابس نظيفة نظرًا لارتباط هذه الأعمال بالجمهور، كما أن وجود بعض الأعمال التي يعكس مظهر العامل صورة عن جودتها وخلوها من الأوساخ والجراثيم، كالمطاعم
_________________
(١) رواه الترمذي في سننه، ص (٦٢٦) برقم (٢٧٩٩) وحكم عليه الألباني بأنه ضعيف، الألباني، محمد ناصر الدين، ضعيف سنن الترمذي، ص٣٣٢، برقم (٢٩٦٣) ط١، ١٩٩١م، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.
(٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم (٢٢٣).
(٣) النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، ج٢، ص٨٦.
[ ٧١ ]
ومحلات الحلويات، كما أن هناك من الأعمال التي توجب على عمالها الظهور بلباس موحّد ليتميزوا عن غيرهم، ويدخل هذا الأمر تحت إتقان العامل لعمله ويتحمل العامل مصاريف الظهور بمظهر لائق إلا إذا نصّ العقد على تحمّل صاحب العمل تكاليف ذلك.
والمعروف أن من أهم تعاليم الإسلام إيجاد جيل صحيح سليم، لا يتم ذلك إلا بالعناية بالصحة الفردية التي منها يتوصل إلى صحة المجموع، والنظافة فوق أنها تقوى الله ومن الإيمان، هي أحد أركان الإسلام؛ لأن الصلاة لا تتم إلا بها، والصلاة من أهم أركان الإسلام الخمسة التي بُني عليها، إلا أن النظافة تعتبر وقاية من الأمراض السارية والأوبئة المعدية.
وتعدُّ نظافة الأقسام الظاهرة من الجسم أساسًا في طهارته، والتي يعتبر فيها الجلد بمنزلة الواقي لما تحته من الأنسجة والأعضاء، وبالتالي فهو معرّض لملامسة مواد متنوعة من غبار ورواسب وأوساخ، تجتمع على سطحه فينتج عن ذلك الأقذار الكريهة والروائح القبيحة، وقد تسدّ الأوساخ مسامات الجلد فتُحدِث أمراضًا متنوعة.
ولا بدّ من وسائل وقائية يستعملها العامل في عمله، وهذه ينبغي للعامل استعمالها على الوجه التي وضعت له، حيث نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٣٤):" على العامل التقيّد بتطبيق شروط اللائحة الداخلية للمنشأة وبقواعد السلامة والصحة المهنية في العمل" (١)، ولم يُشر القانون ضرورة تدريب العمّال على طرق استعمال هذه القواعد، خصوصًا عند وجود فئة من العمّال لا يدركون طبيعة هذه القواعد، صحيح أنه أشار في المادة رقم (٩٠) على أن مجلس الوزراء يُصدر الأنظمة الخاصة بالصحة والسلامة المهنية وبيئة العمل، متضمنة بصفة خاصة ما يأتي:
أ. وسائل الحماية الشخصية والوقاية للعاملين وأمراض المهنة.
ب. الشروط الصحية اللازمة في أماكن العمل.
ت. وسائل الإسعاف الطبي للعمال في المنشأة.
ث. الفحص الطبي الدوري للعمال. (٢)
ومن الأمور التي فاتت قانون العمل الفلسطيني أنه لم يذكر العدد اللازم من العمال في المنشأة- بل ترك الأمر لمجلس الوزراء الذي يُصدر الأنظمة الخاصة بالصحة والسلامة -، حتى يترتب بناءً عليه وجوب توفير وسائل الإسعاف الأولية، بينما غيره من القوانين - كالقانون المصري - نصّ في المادة رقم (١٢١) على أنه "في حال وجود خمسين عاملًا أو أكثر يعملون عند جهة معينة، وفي دائرة قطرها خمسة عشر كيلو مترا، فإن صاحب المنشأة ملزمٌ باستخدام ممرضٍ مؤهل، وإذا كان العمل
_________________
(١) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ١٩.
(٢) المصدر نفسه، ص ٣٦.
[ ٧٢ ]
لا تصل إليه المواصلات العادية، وجب على صاحب العمل توفير وسائل الانتقال المناسبة (١)، والواقع الفلسطيني قد لا يحتمل مثل هذه الإجراءات واللوازم نظرًا للضعف الإقتصادي الذي يعانيه أهلها، ولكن ينبغي العمل على الإشارة لمثل هذه الاحتياطات الصحية، وعدم الاكتفاء بالنصوص المجملة، التي بحاجة لبيان المكلّف بدفع تكاليف العلاج.
وحاجتنا لتوضيح المُجمَل من النصوص نابعٌ من التقصير في التزام أصحاب العمل بالاحتياطات الصحية المتّبَعة في المنشآت، ففي عام ٢٠٠٨م أُجريت دراسة ميدانية للتعرف على مدى تواجد الوسائل الوقائية في المنشأة، شملت هذه الدراسة ٨٠٠ استمارة وزّعت على العمّال، وتم استيفاء ٧٤٠ استمارة، منها ٥٦٤ استمارة وُزّعت في الضفة الغربية، و١٧٦ استمارة تم توزيعها في قطاع غزة، وتبين من هذه الدراسة ما يأتي:
١. هناك ١٢% من العاملين أفادوا بأنه لا يتوفر في مواقع عملهم صناديق إسعاف أولي.
٢. أفاد ٤٤% من العاملين الذين شملتهم الدراسة أنه لا يتوفر في أماكن عملهم مخارج طوارئ.
٣. أكثر من ثلث العاملين المستَطلعة آراؤهم ويعملون في القطاع الصناعي أشاروا إلى أنه لا يوجد نظافة ولا ترتيب في المصانع التي يعملون فيها. (٢) وفي ختام حديثنا عن الواجبات الأخلاقية، ينبغي التأكيد على أن الواجبات السالفة الذكر تُلزم العاملين عمومًا- ذكورًا وإناثًا- وتختلف هذه الواجبات من مهنة لأخرى، وإن كان هناك من الأساسيات التي ينبغي تواجدها في كل مهنة -وهي ما أسلفنا- يُضاف إليها بعض الواجبات التي يختلف الناس في تحديد معاييرها منها:
أ التقبّل الصادق للخدمة العمومية- وهذا خارج نطاق قانون العمل الفلسطيني-.
ب الاستعداد للتطوع من أجل المصلحة العامة، وإن كان ذلك خارج أوقات الدوام الرسمي.
ت الحرص الممّيز في مساندة كل مبادرة تخص مستقبل الوطن.
ث النزاهة والامتناع عن إتيان أعمال تضع الموظف موضع الشبهات.
_________________
(١) سليم، قانون العمل، ص ٦٣٠،
(٢) الخواجا، حمدي، وآخرون، حقوق العاملين في المنشآت الصناعية (مسح ميداني في الضفة الغربية وقطاع غزة) ص ٤٨ - ص ٥٢، نشر مركز الديمقراطية وحقوق العاملين، رام الله، فلسطين. http://www.dwrc.org/Admin/Publications
[ ٧٣ ]