ضمانات الوفاء بالأجرة
لأن الأجرة أهم الالتزامات التي يفرضها الشارع الحكيم على المستأجر، فقد منح الإسلام للعامل ضمانات تُعينه على تحصيل أجرته من صاحب العمل، ومن هذه الضمانات:
الضمان الأول: حبس العين حتى يحصل العامل على أجرته، وقد قسّم الفقهاء الأجراء إلى قسمين:
القسم الأول: من له أثر في العين، كالخياط أو النجار، فهذا النوع اختلف الفقهاء في حكمه، فكانوا على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: منع أصحاب هذا المذهب أن يحبس العامل العين حتى يحصل على أجرته، وقال بذلك بعض الحنفية (١)، وهو أحد قولي الشافعية (٢)، وأحد قولي الحنابلة (٣) بشرط أن لا يفلس المستأجر، حيث جاء في تبيين الحقائق:" المعقود عليه صار مسلمًا على صاحب العين باتصاله بملكه فسقط حق الحبس به؛ لأن الاتصال بإذنه فصار كالقبض بيده، ألا ترى أنه لو أمر شخصًا بأن يزرع له أرضه حنطة من عنده قرضًا، فزرعها المأمور صار قابضًا بملكه، وصار كما إذا صيغ في بيت المستأجر لا يملك الحبس؛ لأن يد المستأجر على منزله" (٤) ولأن الأجرة في الذمة، ولم يشترط رهن العين فيها، فلا يملك الأجير حبسها بدون إذن أو شرط رهن، ولم توثق الأجرة برهن العين، ولا يكون الرهن إلا برضا مالك الرهن.
المذهب الثاني: وقد قال أصحابه بجواز حبس العين لحين الحصول على الأجرة (الجواز المشروط)، وبذلك قال جمهور الحنابلة (٥)؛ لأن عوض الأجرة (العمل) موجود في العين، كالثوب مثلًا الذي يملك العامل حبسه إذا تبين إعسار المستأجر، أما إذا لم يثبت إعسار المستأجر فلا يحبس العين.
_________________
(١) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٥، ص١١١.البغدادي، أبو محمد بن غانم بن محمد، مجمع الضمانات في مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، ص٤٥،ط١، المطبعة الخيرية، القاهرة، مصر.
(٢) النووي، محيي الدين بن شرف المجموع شرح المهذب، تحقيق محمد نجيب المطيعي، ج١٤، ص٣١٦، بدون رقم طبعة، مكتبة الإرشاد، جدة، السعودية.
(٣) ابن قدامة، المغني، ج٦، ص ١١٦.
(٤) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٥، ص١١١.
(٥) البهوتي، كشاف القناع، ج٤، ص٣٧.
[ ١٢٨ ]
المذهب الثالث: الجواز على إطلاقه، وبه قال الحنفية (١) وهو مذهب المالكية (٢)؛ لأن عمل العامل ملك له، فخياطته ملك له وقد التصقت بالعين التصاقًا لا ينفك عنها فجاز له حبسها، وهو ما يترجح للباحث - والله تعالى أعلم -.
القسم الثاني: ما ليس لعمل العامل أثر في العين، وذلك كأن يكون الأجير حمّالًا، فاختلف الفقهاء في حبس الأجير للعين إلى قولين:
القول الأول: منع الحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) حبس العين التي لا يؤثر عمل العامل فيها، وذلك لأن المعقود عليه هو نفس العمل، وهو فانٍ لا يتصور بقاؤه، فلا يمكن حبسه.
القول الثاني: أجاز المالكية (٦) للعامل حبس ما حمل، لأنه يبيع منفعته، كالبائع الذي يحبس سلعته لحين تسلم الثمن.
ويترجح لدى الباحث- والله تعالى أعلم- قول المالكية، لأن صاحب العين قدّم مالًا، بينما قدّم العامل منفعة، فلا يُسلّم العامل ما عنده من أعيان حتى يأخذ عوض منفعته، وقد اعمل العامل بدنه وقضى وقته في العمل فيلزم أن تكون الأجرة مقابل ذلك، وهو أحق الناس بالعين حتى يقبض أجرته، وهذا الحق يثبت للعامل ما دامت العين في يده، أما إذا استلمها صاحبها فلا يجوز للعامل حبسها بالسطو.
الضمان الثاني: استحقاق العامل لأجرته إذا أفلس المستأجر.
فإذا كان العامل خاصًا ولا يحوز ما يعمل فيه كالبنّاء مثلًا فإنه يقاسم الغرماء حسب حصته، أما إذا كان عاملًا مشتركًا فإن جمهور الفقهاء من الحنفية (٧) والمالكية (٨) والشافعية (٩) والحنابلة (١٠) قالوا بتقديمه
_________________
(١) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٥، ص١١١.
(٢) الصاوي، بلغة السالك إلى مذهب الإمام مالك، ج٢، ص١٣٦.
(٣) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٥، ص١١١.
(٤) الشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي، ج١، ص٤١٧.
(٥) ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، المقنع في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل، طبعة عام ١٩٨٠م، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، السعودية.
(٦) مالك، المدونة، ج٣، ص٤٤٠. القرافي، الذخيرة، ج٥، ص٤٦٤.
(٧) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٥، ص١١١.
(٨) ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج٢، ص٣٦٦.
(٩) الأنصاري، شرح روض الطالب من أسنى لمطالب، ج٢، ص٢٠٣.
(١٠) ابن قدامة، المغني، ج٤، ص٤٦٧.البهوتي، منصور بن يونس، الروض المربع شرح زاد المستنقع، ج٢، ص٣٢٩، طبعة عام ١٩٧٠م، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، السعودية.
[ ١٢٩ ]
على بقية الدائنين، في حين شذّ الإمام زفر (١) - ﵀- من الحنفية فمنع الأجير من التقدّم على باقي الغرماء (٢)، وقد بالغ الحنابلة في تقديم العامل على بقية الأجراء فبيّن صاحب كتاب كشّاف القناع أن الصانع أحق باستيفاء أجرته من صاحب العين المبيعة، ويقدّم على بائعها كرجل اشترى قماشًا مثلًا ودفعه لخيّاط يخيطه قميصًا، ثم أفلس المستأجر وهو لم يدفع قيمة القماش، ولم يدفع أجرة الخياطة، والثوب عند الخياط، فللخيّاط حبس الثوب لاستيفاء أجرته، ولو جاء صاحب القماش يطلبه؛ لأن العمل الذي هو عوض عنها موجود في عين الثوب فملك حبسه مع ظهور عسرة المستأجر (٣) - وهذا موقف القانون الذي أشار إليه في المادة رقم (٨٥):" وفقًا لأحكام القانون يُعتبر أجر العامل من الديون الممتازة" (٤)،
وهذا الإمتياز يقع على جميع أموال صاحب العمل، من عقارات ومنقولات، كما أن هذا الإمتياز يشمل كل ما ينشأ عن علاقة العمل من حقوق للعامل سواء في حال حياته أو بعد مماته، ونصّ على ذلك قانون العمل الأردني في مادته رقم (٥١) التي نصّت في الفقرة الأولى على أنه:" على الرغم مما ورد في أي قانون آخر تعتبر الأجور والمبالغ المستحقة بموجب أحكام هذا القانون للعامل أو ورثته أو المستحقين بعد وفاته ديونًا ممتازة امتيازًا عامًا من الدرجة الأولى تتقدم على ما عداها من سائر الديون الأخرى بما في ذلك الضرائب والرسوم والحقوق الأخرى المستحقة للحكومة والديون المؤمنة برهونات عقارية أو تأمينات عينية" (٥) وفي الفقرة الثانية من نفس المادة نصّت على أنه:" في حالة تصفية المؤسسة أو إفلاس صاحب العمل يدفع المصفّي أو وكيل التفليسة للعامل أو لورثته فورًا وبمجرد وضع يده على أموال صاحب العمل ما يُعادل أجرٌ واحد من المبالغ المستحقة له قبل تسديد أي مصروفات أخرى بما في ذلك المصروفات القضائية ومصروفات التفليسة أو التصفية" (٦)
الضمان الثالث: الامتناع عن استكمال بقية الزمن في الإجارة المحددة بالزمن. (٧)
_________________
(١) زفر بن الهذيل، ولد سمة ١١٠هـ، وأصله من أصبهان، كان أبو حنيفة﵀- يجلّه ويعظمه ويقول عنه:" هو أقيس أصحابي" وكان تناظر معه في الفقه حيث كان جيّد اللسان، بينما كان أبو يوسف يضطرب في مناظرته، ت ١٥٨هـ. اللكنوي، الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ج١،ص ٧٦.
(٢) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج٥، ص١١١.
(٣) البهوتي، كشاف القناع، ج٤، ص٣٧.
(٤) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ٣٥ ..
(٥) موقع وزارة العمل الأردنية على شبكة الانترنت http://www.mol.gov.jo
(٦) المرجع نفسه http://www.mol.gov.jo
(٧) ابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدرّ المختار، ج٦، ص٣٤. الشربيني، مغني المحتاج، ج٥، ص٢٩٥، ابن قدامة، المغني، ج٦، ص١٣٦.
[ ١٣٠ ]
ومن حق العامل حماية أجره من تلاعب أصحاب العمل، ذلك لأن الأجرة تعتبر مالًا، وجب على الدولة حمايته إذا أراد صاحب العمل تبخيسه، وفي قصه الخضر ﵇ أكبر برهان وأصدق دليل على ذلك، فقد قام بإحداث خرق في سفينة العمّال خوفًا من اغتصابها من الملك الظالم لها، فعمله هذا بمثابة حماية لأموال العمّال، والأجرة جزء من تلك الأموال، ولم ينصّ قانون العمل الفلسطيني في أيٍ من نصوصه على الضمانات التي يملكها العامل لاستيفاء أجرته، إلا ما يُمكن أن نسميه الحق القانوني في الأجرة، حيث يُمكن للعامل المطالبة باجرته قضائيًا.
[ ١٣١ ]