تنفيذ الأوامر بالقدر الذي يخصّ العمل
لا بدّ أن يكون العامل منضبطًا ملتزمًا، يسمع ويطيع، ويحترم النظم واللوائح التي يضعها صاحب المنشأة، ما دامت لا تتعارض مع شرع الله - ﷾ -، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومرجع ذلك قول رسول الله - ﷺ -: " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكَرِه، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " (١)، أما عند أهل القانون فإن العامل يُلزم بإطاعة صاحب العمل إنطلاقًا من مبدأ التبعية القانونية، الذي يُعطي صاحب العمل حق الإشراف والإدارة، كما يوجب على العامل إطاعته في هذا الصدد، ولكن هذه الطاعة مقيّدة وليست مطلقة، وهو ما يعني أن تكون الأوامر والتعليمات الصادرة من صاحب العمل تتعلق بالعمل، فلا تمتدّ سلطة صاحب العمل إلى خارج هذا النطاق، كأن يُصدر صاحب العمل أوامر تتعلق بحياة العامل الشخصية ومعيشته الخاصة خارج نطاق العمل، وكل ذلك إذا وضع صاحب العمل النظام الداخلي لتنظيم شؤون العمل في مؤسسته، وإذا لم يوجد هذا النظام المكتوب فيلتزم العامل بالأوامر الشفهية الصادرة من صاحب العمل (٢)، وهناك من علماء الشريعة المعاصرين من أشار إلى الحدود التي يجب على العامل طاعة أوامر صاحب العمل ضمنها، وهي:
١. أن يكون العمل المطلوب فعله مما اتفق عليه في العقد، وإذا أراد صاحب العمل تشغيل العامل في غير ما اتفق عليه يحق للعامل الامتناع، سوى حالات الضرورة، كمنع وقوع حوادث أو القوة القاهرة، وقد نصّ على ذلك قانون العمل الفلسطيني، دون تحديد معيارٍ للضرورة، ومن هو صاحب الحق في تحديدها، حيث جاء في المادة رقم (٣١):" لا يلزم العامل بالعمل في غير المتفق عليه في العقد، إذا أدّى إلى تغيير مكان إقامته" (٣)؛ لأن الأصل في عقد العمل أن مكان العمل من العناصر الجوهرية للتعاقد، لما لذلك من تأثير ملحوظ على مجرى حياة العامل وسكناه وانتقاله وتعليم أبنائه، ولكن هل يُمكن أن يمتنع العامل ويُعتبر نقله من محافظة إلى أخرى دون رضاه باطلًا؟ وهل يُعتبر موافقته دون رضاه؟ هذا ما لم يُفصح عنه قانون العمل الفلسطيني بوضوح، حيث نصّت المادة رقم (٣٢) من القانون نفسه:" لا يجوز تكليف العامل بعمل يختلف اختلافًا بينًا عن طبيعة العمل المتفق عليه في عقد العمل، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك منعًا لوقوع حادث، أو القوة القاهرة على أن يكون ذلك
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٣٥.
(٢) أبو شنب، شرح قانون العمل الأردني، ص ١٤٩.
(٣) وزارة العمل، قانون العمل الفلسطيني، ص ١٨.
[ ٥٧ ]
بصفة مؤقتة بما لا يتجاوز شهرين" (١)، ومما يُستفاد من هذ النص أنه يجوز لصاحب العمل تكليف العامل بعمل غير متفق عليه وبدون موافقة العامل في حالتين:
الأولى: حالة الضرورة أو القوة القاهرة، على أن يكون ذلك بصفة مؤقتة في حدود حالة الضرورة، وبما تقتضيه طبيعة العمل، وهو ما يترتب عليه إعادة العامل إلى عمله الأصلي بمجرد زوال حالة الضرورة، وفي حالة الاختلاف بين العامل وصاحب العمل على توافر حالة الضرورة يقع على عاتق صاحب العمل إثبات ذلك.
الثانية: حالة الاختلاف الجوهري، وحكمة تقرير هذا الحق لصاحب العمل يرجع إلى أن العامل لن تكون له مصلحة جدية في أن يعارض هذا التغيير الذي يقصد به صاحب العمل تنظيم العمل في المنشأة بما يحقق حسن سير العمل فيها، خاصة وأنه تغيير غير جوهري ولا يُعدُ تعديلًا للعقد، وإنما هو من قبيل ممارسة صاحب العمل لسلطته التنظيمية، ويرجع تقدير مدى جوهرية الاختلاف بين العمل المتفق عليه والعمل الذي كُلّف به العامل إلى القاضي عند المنازعة في كل حالة منفردة عن غيرها، ومن أمثلة الاختلاف الجوهري لطبيعة العمل المتفق عليه الذي يجوز للعامل الاعتراض عليه أن يكون يعمل لدى صاحب العمل مهندسًا في مشروع فينقله صاحب العمل ليكون عامل خدمات، أو كان العمل الجديد أقل ميزة من الناحية المالية أو الأدبية عن العمل الأصلي، في حين وضعت بعض قوانين العمل- الأردني والمصري- قيودًا لصاحب العمل لا بدّ من مراعاتها عند استعماله لهذا الحق منها:
أ. عدم المساس المادي بالعامل.
ب. عدم المساس الأدبي بالعامل.
ت. أن تقتضي النقل مصلحة العمل. (٢)
ث. أن يكون العمل المكلَّف به في حدود طاقة العامل.
ج. أن يكون هذا التكليف الجديد في حدود الظروف التي اقتضت هذا العمل، ومن ثمَّ إذا انتهت هذه الظروف عاد العامل لعمله. (٣)
٢. أن يكون العمل مشروعًا بالمفهوم الشرعي، بمعنى موافقته للنظام والآداب العامة، كأن يأمره بالغشّ أو التزوير أو مخالفة الأنظمة العامة كمخالفة قوانين السير، ومردّ هذا هو الالتزام بالنظام العام، ولنا
_________________
(١) المرجع نفسه، ص ١٨.
(٢) خليفة، عبد العزيز عبد المنعم، عقد العمل الفردي، ص٣٦، ط١، ٢٠٠٨م، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، مصر.
(٣) رمضان، الوسيط في شرح قانون العمل الأردني الجديد، ص٢٤٧.
[ ٥٨ ]
في شريعتنا الغرّاء دليل على ذلك كقول الرسول - ﷺ -:" لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" (١)
٣. أن لا يُعرّض العمل الجديد العامل للخطر، فلا يُلزم العامل بالطاعة في حال غلب على الظنّ تحقق خطر يلحق العامل. (٢)
والضابط في الموافقة على العمل الجديد حدده علماء الإسلام من المالكية حيث ذكروا أن كلّ عمل كان يشبه بعضه بعضًا، أو بعضه قريبٌ من بعض فلا بأس بذلك، أما إذا تباعد الشبه ما بين الأعمال فلا خير فيه؛ لأن الكراء يختلف والعمل يختلف فهذا من المخاطرة والغرر (٣)، وعند الشافعية أنه يجوز لصاحب العمل تشغيل الأجير في عمل تشابه مشقته العمل المتفق عليه (٤)، وبهذا فقد وافق قانون العمل- مع غموض في النص- الشريعة الإسلامية وما قرره فقهاء الإسلام من وجوب التزام العامل بأوامر صاحب العمل ما دامت ضمن دائرة المباح والموافق للشريعة الإسلامية ومقاصدها.
ولا تخلو منشآت العمل من بعض الأفراد الذين تصدر عنهم سلوكيات غير متطابقة مع لوائح العمل، مع أن قانون العمل الفلسطيني قد وضع اللوائح التأديبية لمثل هذه المخالفات في المواد من رقم (١٣١) إلى المادة رقم (١٣٨)،وترجع أهمية الانضباط في العمل وتنفيذ الأوامر إلى:
١. تصحيح السلوك غير المرغوب فيه.
٢. توضيح السلوكيات المقبولة والمرفوضة في المنشأة.
٣. معرفة العمّال بالمخالفة، وتوجيه أصحاب العمل عمّالهم للمخالفة في السرعة الممكنة.
٤. تطوير المؤسسة والارتقاء بأدائها.
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، ص٨٠٠، برقم (١٨٤٠).
(٢) الشريف، الإجارة الواردة على عمل الإنسان، ص٢٤٥.
(٣) مالك بن أنس، المدونة الكبرى رواية الإمام سحنون، ج١١، ص ٤٣٥، دار صادر، بيروت، لبنان، بتصرف يسير.
(٤) الأنصاري، زكريا، شرح روض الطالب من أسنى المطالب، ج٢، ص٤٣٦، بدون رقم طبعة، المكتبة الإسلامية، بدون مكان طبع ونشر.
[ ٥٩ ]