أمر الله ﷾ بحفظ الأيمان فقال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ. . .﴾
قال الإمام البغوي: " أراد به إذا حلفتم فلا تحنثوا، فالمراد منه حفظ اليمين عن الحنث .. " (^١).
قال الإمام القرطبي: والمعنى: " لا تستكثروا من اليمين بالله" (^٢)
وذم الله المكثرين للحلف فقال: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَهِينٍ﴾ وهذا ذم له يقتضي كراهة
فعله. قال الشوكاني ـفي تفسير الآية: - "كثير الحلف بالباطل، وقد كانت العرب في الجاهلية تتمادح بقلة الأيمان حتى قال قائلهم:
قليل الألايا حافظ ليمينه ** وإن بدرت منه الأليةُ برّت (^٣) "
وقد بين الله في كتابه أن من صفات المنافقين كثرة الحلف بالباطل قال ﷿ في شأنهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (^٤).
وفي البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن مسعودـ ﵁ ـقال: سئل النبي ﷺ أيُّ الناس خير؟ قال: قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ أحدهم يمينه ويمينُه شهادته" (^٥).
قال الإمام النووي: "هذا ذم لمن يشهد ويحلف مع شهادته" (^٦).
وقال الإمام الطحاوي: "أي يكثرون الأيمان في كل شيء حتى يصير لهم عادة فيحلف أحدهم حيث لا يراد منه اليمين ومن قبل أن يستحلف" (^٧).
_________________
(١) تفسير البغوي (٢/ ٨٠).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٩٧).
(٣) فتح القدير (٢٦٤).والألية هي: اليمين.
(٤) التوبة (٦٢).
(٥) فتح الباري (١١/ ٦٦٢) برقم (٦٦٥٨) ومسلم بشرح النووي (١٦/ ٧٩) برقم (٢٥٣٣).
(٦) صحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ١٩٦٢).
(٧) فتح الباري (١١/ ٦٦٣).
[ ١٧ ]
ورع الصحابة عن الحلف بغير الله وحفظهم لأيمانهم:
قال ابن مسعود ﵁: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغير الله صادقًا، وورد مثل قوله عن ابن عمر (^١) وابن عباس ــ ﵄ ــ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: معلقًا على كلام ابن مسعود: "لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢).
وعندما بلغ أمير المؤمنين عمر ﵁- النهي من النبي - ﷺ - عن الحلف بالآباء قال: "والله ما حلفت بها منذ سمعت النبي - ﷺ - ذاكرًا ولا آثرًا" (^٣).
وعند ما سمع عمر ابن الزبير يحلف بالكعبة قال: "لو أعلم أنك فكرت فيها قبل أن تحلف لعاقبتك، احلف بالله فأثم أو ابرر" (^٤).
وروي عن جبير بن مطعم ﵁ أنه افتدى يمينه بعشرة آلاف درهم، ثم قال: "ورب هذا المسجد لو حلفت حلفت صادقًا وإنما هو شيء افتديت به يميني" (^٥). قال الأشعث بن قيس: "اشتريت يميني مرة بسبعين ألفًا" (^٦).
وهكذا كان ورع من بعد الصحابة من التابعين وغيرهم في حفظهم لأيمانهم.
قال عامر الشعبي - رحمه الله_: "ولأن أقسم بالله فأحنث أحب إلي من أن أقسم بغيره فأبر" (^٧).
وقال إبراهيم النخعي - ﵀ _: "وكان أصحابنا (مشايخنا) ينهوننا، ووردت بلفظ "يضربوننا " ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد". وفي هذا الرغبة في تمرين الصغار على طاعة ربهم ونهيهم عما يضرهم (^٨).
وأثر عن الشافعي أنه قال: "ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبا".
_________________
(١) إرواء الغليل (٨/ ١٩١).
(٢) النساء (٤٨).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد (١/ ٢٧٠) برقم (٨٨١).
(٦) معجم الطبراني الكبير، (١/ ٢٣٤) رقم (٦٣٩).
(٧) فتح الباري (١١/ ٦٥٢).
(٨) فتح الباري (١١/ ٦٦٢).
[ ١٨ ]