حكمه: اتفق جمهور الفقهاء على صحة اليمين بالطلاق أو تعليق الطلاق على شرط مطلقًا (^١).
"فالطلاق شرعه الله تعالى للحاجة الشديدة، عندما يصبح الوفاق بين الزوجين متعذرًا، ولم يشرعه الله ليسيء الناس استعماله ويجعله رعاع الناس يمينًا يحلفون به في البيع والشراء والخصومات، فقد جاء في الصحيح قال ﵊: "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله" فالحلف بالطلاق مكروه- وقيل الحلف به حرام ويؤدب من حلف به - وهو عند علمائنا - المالكية - من أيمان الفساق الذي يقدح في المروءة. . " (^٢).
- خلاف العلماء فيه: اختلف العلماء من السلف والخلف في حكم الحلف بالطلاق على ثلاثة أقوال يمكن بسطها والأدلة التي بنيت عليها فيما يلي: -
القول الأول: أن من حلف بالطلاق لا يلزمه الطلاق- ولا تجب فيه كفارة إذا حنث، لأنه لغو وباطل لا يترتب عليه شيء؛ إذ لا يكون الطلاق إلا كما أمر الله ﷿.
وبه قال أمير المؤمنين علي ﵁، وشريح، وعكرمة، وطاووس، وهو مذهب داود، وابن حزم، وجميع أهل الظاهر (^٣) وغيرهم من المتأخرين.
قال ابن حزم: " واليمين بالطلاق لا يلزم سواء بر أو حنث لا يقع به طلاق، ولا طلاق إلا كما أمر الله ﷿. . . " (^٤).
واستدلوا- بأن: أمير المؤمنين علي ﵁ أفتى الحالف بالطلاق أنه لا شيء عليه ولم يعرف له من الصحابة مخالف (^٥).
- وصح عن شريح قاضي أمير المؤمنين علي وابن مسعود أنها لا يلزم بها الطلاق (^٦).
- وصح عن عكرمة في رجل قال لغلامه إن لم أجلدك مائة سوط فامرأتي طالق، وقال: لا يجلد غلامه ولا تطلق امرأته هذا من خطوات الشيطان (^٧).
- وصح عن طاووس من رواية عبدالرزاق عن معمر عن ابن طاووس عنه: "ليس الحلف بالطلاق شيئًا" (^٨).
_________________
(١) الموسوعة الفقهية (٢٩/ ٣٧).
(٢) المدونة في الفقه المالكي (٦٦٦) وما بعدها.
(٣) المحلى لابن حزم (١٠/ ٢٦٨) وما بعدها.
(٤) المرجع السابق (١٠/ ٢١١).
(٥) إعلام الموقعين (٢، ٣/ ٧١) وما بعدها، إغاثة اللهفان (٢/ ٤٠٠) وما بعدها.
(٦) المرجعان السابقان.
(٧) المرجعان السابقان، مجموع الفتاوى (١٧/ ٧٥) وما بعدها.
(٨) المرجعان السابقان.
[ ٤٥ ]
- واستدلوا كذلك بقوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقّدتّمُ الأيْمَانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوَا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: ٨٩] ".
احتج بها ابن حزم للدلالة على أنه "لا طلاق إلا كما أمر الله ﷿ ولا يمين إلا كما أمر الله ﷿ على لسان رسوله (- ﷺ -) ". وليس منه اليمين بالطلاق (^١).
واستدل كذلك بقوله (- ﷺ -): "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله"، قال" فارتفع الإشكال في أن كل حلف بغير الله ﷿ فإنه معصية وليس يمينًا" (^٢).
- قال الإمام الشوكاني - ﵀-: "وأما قول القائل عليه الطلاق أو يلزمه الطلاق، ونحو ذلك فليس من ذلك في شيء ولم يجعله الله ﷿ طلاقًا، ولا ألزم به أحدًا من عباده، ولا يصح من العبد أن يجعل على نفسه غير ما جعله الله عليه، ويلزمها غير ما ألزم الله به. . . وبالجملة فليس في الشرع ما يدل على وقوع هذا الطلاق لا في اللفظ ولا في القصد فتدبر هذا" (^٣).
القول الثاني: أن الحلف بالطلاق لا يقع به الطلاق ويلزم صاحبه كفارة يمين إلا إذا نواه فيقع.
- نقل هذا الرأي عن طاووس بن كيسان اليماني، وبه قال جماعة من السلف والخلف وأفتى به بعض أصحاب مالك والشافعي في بعض الصور (^٤). وهو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الذي أنتصر له ودلَّل عليه في كتبه.
حجة أصحاب هذا القول: -القياس: حيث قاسوا الطلاق على العتق.
فإن ابن عمر، وابن عباس، وأبا هريرة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب ربيبة النبي (- ﷺ -) وغير واحد من الصحابة، أفتوا فيمن قال إن فعلت كذا فكل مملوك لي حر قالوا يكفر عن يمينه ولا يلزمه العتق، هذا مع أن العتق طاعة وقربه فالطلاق لا يلزمه بطريق الأولى (^٥).
_________________
(١) المحلى (١٠/ ٢١١).
(٢) المرجع السابق.
(٣) السيل الجرار (٤١٢).
(٤) الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٤٣).
(٥) أحكام الأسرة للقليصي (٢/ ٦٦ ــ ٦٧).
[ ٤٦ ]
- أيضًا استدلوا بما صح عن ابن عباس ــ ﵄ ــ كما في البخاري" الطلاق عن وطر والعتق ما ابتغي به وجه الله".
وجه الشاهد: أن ابن عباس ــ ﵄ ــ بيَّن أن الطلاق إنما يقع لمن غرضه أن يوقعه، لا لمن يكره وقوعه (^١).
واستدلوا كذلك بما ورد عن أم المؤمنين عائشة ــ ﵂ ــ أنها قالت: "كل يمينٍ وإن عظمت فكفارتها كفارة اليمين بالله".
وهذا يتناول جميع الأيمان من الحلف بالطلاق والعتاق والنذر وغير ذلك (^٢).
- وبنوا على هذا الاستدلال "أن هذه اليمين قد جعل الله لها كفارة حيث قال سبحانه: (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [سورة: التحريم - الأية: ٢]، وقال: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقّدتّمُ الأيْمَانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوَا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ) [سورة: المائدة - الأية: ٨٩] " وثبت عن النبي (- ﷺ -) من حديث أبي هريرة، وعدي بن حاتم، وأبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم أنه قال: " ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (^٣).
- أما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه فصَّل في هذه المسألة وفرَّق بين صيغتي الحلف بالطلاق:
فالصيغة الأولى: وهي صيغة التعليق أي تعليق الطلاق على شرط كقول الرجل لزوجته: إن خرجت من الدار بغير إذني فأنت طالق. فهذه الصيغة عنده حكمها
"أن ينظر إلى مقصود الحالف فإن كان مقصوده الحض أو المنع أو التصديق أو التكذيب فهذه تعتبر يمينًا.
وإن كان مقصوده وقوع الطلاق عليها إذا خالفت وفعلت ما نهاها عنه فإنه يكون موقعًا للطلاق إذا تحقق الشرط" (^٤).
_________________
(١) البخاري مع الفتح (٩/ ٤٨٦).
(٢) الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٣٥) وما بعدها.
(٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٦).
(٤) الفتاوى الكبرى (١٠/ ٢٣٤) وما بعدها- المفصل (٢/ ٤٠٢) وما بعدها.
[ ٤٧ ]
أما الصيغة الثانية: وهي صيغة القسم كقول الرجل- الطلاق يلزمني لأفعلن كذا أو يقول بالطلاق لأفعلنَّ كذا.
فهذه الصيغة عنده تعتبر يمينًا باتفاق أهل اللغة واتفاق طوائف الفقهاء ولكن اختلفوا في حكمها (^١).
قال شيخ الإسلام: "وأظهر الأقوال وهو القول الموافق للأقوال الثابتة عن الصحابة وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار أنه يجزئه كفارة يمين في جميع أيمان المسلمين، وهو الكفارة عند الحنث. . . ثم قال. . . وهذا قول طائفة من السلف والخلف كطاووس وغيره. . . وبه يفتي كثير من المالكية وغيرهم. . وهو مقتضى نصوص أحمد بن حنبل وأصوله في غير موضع. . . " (^٢).
القول الثالث: أن الحلف بالطلاق، يقع به الطلاق سواء نواه أم لم ينوه، وسواء كان معلقًا على شرط كإن دخلت الدار فأنت طالق أو بدون تعليق كنحو عليَّ الطلاق لأفعلن كذا.
- وهذا مذهب جمهور العلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو المشهور عن أكثر الفقهاء والمتأخرين (^٣).
واستدلوا بـ: "أن الطلاق من باب الإسقاطات وما كان من باب الإسقاطات يجوز تعليقه على شرط كالعتق فيجوز تعليق الطلاق.
- أيضًا أن الطلاق تصرف شرعي سواء كان منجزًا أو معلقًا فيلزم الوفاء به لأنه يندرج في نطاق الآية الكريمة: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود. . . ".
- أيضًا أنه التزم أمرًا عند وجود شرط فلزمه ما التزمه لأن المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط فيدخل في نطاق الحديث النبوي الشريف الذي جاء فيه "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالًا" (^٤) وليس في تعليق الطلاق على شرط تحليل حرام أو تحريم حلال (^٥).
- قال في الدر المختار: "ومن الألفاظ المستعملة الطلاق يلزمني والحرام يلزمني وعلي الطلاق وعلي الحرام فيقع بلا نية للعرف" (^٦).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٤٠).
(٢) الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٢٣)، وما بعدها.
(٣) الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٤١)، بدائع الصنائع (٣/ ٤١)، روضة الطالبين (٨/ ١٤) وما بعدها، المدونة (٢/ ٣٧٩).
(٤) الحديث في البخاري معلق (٢/ ٧٩٤) وصححه الألباني في الصحيحة برقم (٢٩١٥) بدون ذكر "إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا".
(٥) المفصل في أحكام المرأة (٧/ ٤٧١)، وما بعدها، المجموع (١٨/ ٢٩٦).
(٦) الدر المختار (٤/ ٣٤٣).
[ ٤٨ ]
- قال في المدونة: "والقول بوقوع الطلاق المعلق نقل بأسانيد صحيحة عن جماعة من الصحابة وعن عامة فقهاء التابعين، ومن فقهاء المدينة السبعة المشهورون، وعن جمهور من بعدهم من الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة ولم يخالف فيه إلا جماعة قليلة من العلماء ليس لهم في مخالفتهم مستند يعول عليه عدا فتوى لعلي بن أبي طالب ﵁ على ما في دلالتها على عدم الوقوع من الاحتمال" (^١).
والذي يترجح لديَّ: بعد هذا العرض لأقوال العلماء وأدلتهم هو مذهب جمهور العلماء.
- فمن علق الطلاق على شرط وقع الطلاق عند تحقق الشرط للآتي: -
١ - لأن المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط (^٢).
٢ - لأن الأصل في الأبضاع التحريم، فينبغي الأخذ بالأحوط في مسائل الطلاق، والتورع فيها، حتى لا يتجرأ المتساهلون على حدود لله ويتلاعبون بها قال تعالى: (وَلا تَتّخِذُوَا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا) [سورة: البقرة - الآية: ٢٣١] ".
- وفي سنن النسائي من حديث محمود بن لبيد قال "أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا؟ فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ " (^٣).
فإن كان النبي ﷺ اعتبر من يطلق امرأته ثلاثًا جميعًا متلاعبًا بكتاب الله فكيف بمن اتخذ الطلاق ديدنه في عامة شأنه.
- قال الإمام ابن عابدين في حاشيته نقلًا عن السُّروجي: "أقول الحق الوقوع به في هذا الزمان لاشتهاره في معنى التطليق، فيجب الرجوع إليه والتعويل عليه عملًا بالاحتياط في أمر الفروج" (^٤).
٣ - زجر الحالف بالطلاق:
فأمير المؤمنين عمر ﵁ عندما رأى استعجال الناس في أمر الطلاق أمضاه عليهم ثلاثًا، ففي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب ﵁: إن النَّاس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم" (^٥).
_________________
(١) المدونة (٢/ ٦٨٧) وما بعدها.
(٢) البناية شرح الهداية (٥/ـ ٤١٠).
(٣) سنن النسائي (٣٤٠١) وصححه الألباني في غاية المرام (٢٦١).
(٤) حاشية ابن عابدين (٤/ـ ٣٤٤).
(٥) صحيح مسلم بشرح النووي (ـ ٥/ ٢/ـ ٦٠).
[ ٤٩ ]
" فعلى المسلم أن يتقي الله ﷿ في نفسه فلا يحلف بالطلاق ولا بغيره مما نهى الشارع عن الحلف به، لأن الحلف بالطلاق، يعرض عصمة الزوجية للهدم بل ذكر بعض أهل العلم أن صاحبه لا يأمن بقاء زوجته معه، لأنها قد تكون في زنى من كثرة حلفه وهو ما نظمه ابن ما يابي بقوله: ـ
- وكثرة الحلف بالطلاق * فسق وعيب موجب الفراق.
وما كان كذلك يجب الحذر منه والبعد عنه" (^١).
" وختامًا أنصحك - أخي بأن لا تجعل الطلاق مضغة في فمك، وإذا كنت تريد التوكيد وحث نفسك أو زوجتك على أمرٍ والمنع منه، فاحلف يمينًا بالله تعالى، فإن الطلاق لم يشرع في شريعة الإسلام لتوكيد الأخبار أو للحث أو المنع" (^٢).
_________________
(١) الشبكة الإسلامية - موسوعة الفتاوى.
(٢) فتاوى مصطفى الزرقاء، (ـ ٣١٠).
[ ٥٠ ]