ويمكن الحديث عن الكفاءة الاقتصادية وفق ما يلي:
عدالة التَّوزيع:
روى طلحة البصريُّ قال: قدمت المدينة مهاجرًا، وكان الرَّجل إذا قدم المدينة فإنَّ كان له عريف نزل عليه، وإن لم يكن له عريف نزل الصُّفَّة، فقدمتها وليس لي بها عريف فنزلت الصُّفَّة، وكان رسول الله - ﷺ - يرافق بين الرَّجلين ويقسم بينهما مُدًّا من تمر، فبينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم في صلاته إذ ناداه رجل، فقال: يا رسول الله، أحرق بطونَنا التَّمرُ وتخرَّقت عنا الخنف، قال: وإنَّ رسول الله - ﷺ - حمِدَ اللهَ وأثنى عليه وذكر ما لقي من قومه، ثمَّ قال: «لقد رأيتني وصاحبي مكثنا بضع عشرة ليلة ما لنا طعام غير البرير-والبرير تمر الأراك- حتَّى أتينا إخوانَنا من الأنصار فآسونا من طعامهم، وكان جل طعامهم التمر-والَّذي لا إله إلا هو لو قدرت لكم
_________________
(١) نظرية المنظمة، لخليل محمد محسن الشماع، خيضر كاظم حمود- دار المسيرة عمان، ٢٠٠٠، (ص: ٣٣١).
[ ٦٨ ]
على الخبز واللَّحم لأطعمتكموه، سيأتي عليكم زمان- أو من أدركه منكم يلبسون مثل أستار الكعبة ويُغدى ويراح عليكم بالجفان، قالوا: يا رسولَ الله، أنحن يومئذٍ خير أو اليوم؟ قال: بل أنتم اليوم خير، أنتم اليوم إخوان، وأنتم يومئذٍ يضرب بعضُكم رقابَ بعض». (١)
والشَّاهد من قوله: (وكان رسول الله - ﷺ - يرافق بين الرجلَين ويقسم بينهما مُدًّا من تمر) ويستنتج منه كفاءة وعدالة توزيع الموارد.
كما ورد أنَّ النَّبي - ﷺ - كان يجري لكل رجلين منهم مُدًّا من تمر في كلِّ يوم (٢) ويستنتج منه كفاءةُ وعدالة توزيع الموارد.
تفاوت الحال الاقتصاديَّة لأهل الصُّفَّة بين السَّعة والضَّيق:
قال ابن الجوزي في «تلبيس إبليس»: «هؤلاء القوم إنَّما قعدوا في المسجد ضرورة، وإنَّما أكلوا من الصَّدقة ضرورة، فلمَّا فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا». (٣)
وقال البراء - ﵁ -: كنا أصحاب نخل، فكان الرَّجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلَّته، فيأتي الرَّجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصُّفَّة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاء فضربه بعصاه فسقط منه البسر والتَّمر، فيأكل (٤) وهنا يدلُّ على أنَّهم غير معدمين وإلا لما انتظروا تعليق التَّمر ليأكلوا منه، حيث قال: (إذا جاء أحدهم)، ولم يرِد أنَّهم كانوا يتسابقون ويتهافتون عليه.
وروى عبادة بن الصامت، قال: علَّمت ناسًا من أهل الصُّفَّة القرآنَ والكتابة، فأهدى إليَّ رجل منهم قوسًا (٥)، يستنتج منه أن من كان يهدي فهو غير معدم، وإلَّا لقام ببيع القوس بدلًا من إهدائه.
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي، مرجع سابق، (٦/ ٥٢٤).
(٢) السيرة النبوية الصحيحة د. أكرم ضياء العمري، مرجع سابق (١/ ٢٦٥).
(٣) تلبيس إبليس، مرجع سابق، (ص: ٢٠١).
(٤) تفسير ابن كثير (١/ ٥٣٦).
(٥) تفسير القرطبي (١/ ٣٣٥)، وانظر تفسير ابن كثير (١/ ١٥٠).
[ ٦٩ ]
فالذي يظهر أنَّهم ليسوا في حالة اقتصاديَّة ثابتة، بل تتفاوت بحسب توافر الموارد، ومنها مواسم نضوج الثَّمر، فقد كانت المدينة بلدًا زراعيًّا اشتهر بزراعة النخيل، فإذا طاب الثمر كثر الإنفاقُ عليهم.
كما يختلف حالهم بحسب ما يحصلون عليه من الغنائم، فقد ثبتت مشاركتهم في الجهاد في سبيل الله، كما تقدَّم وكما سيأتي تفصيلُه.
إضافة لما يحصلون عليه من موارد ناتجة عن العمل والكسب كما سيأتي.