تُظهر كُتُب السيرة أن الحالة الاقتِصاديَّة العامة في المدينة كان فيها مِن ضيقِ العيش الشيءُ الكثيرُ، ويتضح ذلك مِما يلي:
_________________
(١) سورة التوبه: ٩٢.
(٢) أهل الصُّفَّة بعيدًا عن الوَهْم والخيال، مرجع السايق (ص: ٦٣).
(٣) الحديث أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (٢/ ٤٨٨). وينظر: السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني، أحمد أحمد غلوش، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ- ٢٠٠٤ م، (ص: ١١٣)، وانظر كذلك: البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجَر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ- ١٩٩٧ م، (٤/ ٥٦٥).
[ ٧ ]
أولًا: حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: (مكث النبي - ﷺ - وأصحابه يحفرون الخندق ثلاثًا ما ذاقوا طعامًا؛ فقالوا: يا رسول الله، إن ها هنا كُدْيَةً من الجبل، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «رشُّوا عليها الماء» فرشوها؛ ثم جاء النبي - ﷺ - فأخذ المِعْوَلَ أو المِسْحاة، ثم قال: «بسم الله»، ثم ضَرَبَ ثلاثًا، فصارتْ كثيبًا يُهال، قال جابر: فحانتْ مني الْتِفاتة، فرأيتُ رسولَ الله - ﷺ - قد شَدَّ على بطنه حجرًا)!
وفي لفظٍ آخرَ: (لما حفر النبيُّ وأصحابه الخندق أصاب النبي والمسلمين جهدٌ شديدٌ، فمَكثوا ثلاثًا لا يجدون طعامًا؛ حتى ربط النبيُّ على بطنه حجرًا من الجوع) (١).
وفي رواية الطبَراني قال: (لما حفر النبيُّ - ﷺ - الخندق أصاب المسلمين جوعٌ شديدٌ، حتى ربط النبيُّ - ﷺ - على بطنه صخرةً مِن الجوع، فانطلقتُ إلى أهلي فقلتُ: قد رأيتُ في وجه رسولِ الله - ﷺ - وأصحابه الجوعَ، فذبحتُ عَناقًا لنا؛ وأمرتُ أهلي فخبزوا شيئًا مِن شعير كان عندهم، وطبخوا العَناقَ، ثم دعوتُ النبيَّ - ﷺ - فأخبرتُه بالذي صنعتُ، فقال: «فانْطَلِقْ فهَيِّئ ما عندك حتى آتيك»، فذهبتُ فهَيَّأْتُ ما كان عندنا، فجاء رسولُ الله - ﷺ - والجيشُ جميعًا؛ فقلتُ: يا رسول الله، إنما هي عَناقٌ جعلتُها لك ولنفرٍ مِن أصحابك، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «ائتِ بقَصْعةٍ»، فأتيتُه بقَصْعَةٍ؛ ثم قال: «ائدِمْ فيها»، ثم دعا عليها بالبركة؛ ثم قال: «بسم الله»، ثم قال: «أدْخِلْ عشرةَ رجالٍ» ففعلْتُ، فإذا طعِمُوا وشبِعُوا خرَجُوا، وأدخلتُ عشرةً أخرى، حتى
_________________
(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: ٢٤١ هـ)، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرين، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ- ٢٠٠١ م، (٢٢/ ١٢٩) رقم الحديث: ١٤٢٢١، وقال في الحاشية ما نصه: إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أيمن المكي والد عبد الواحد، فمن رجال البخاري. وهو في «زهد» وكيع (١٢٤)، ومن طريق وكيع أخرجه هنَّاد في «الزهد» (٧٦٥)، وأبو عوانة (٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٣/ ٤٢٢).
[ ٨ ]
بلَغ الجيشُ جميعًا، والطعامُ كما هو) (١).
ثانيًا: حديث أنس بن مالك - ﵁ - الذي جاء فيه: أنَّ أبو طَلْحَة قال لأُمِّ سُلَيْمٍ: لقد سمعتُ صوتَ رسول الله - ﷺ - ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيءٍ؟ قالتْ: نعم، فأخرجَتْ أقراصًا مِن شعير، ثم أخرجتْ خِمارًا لها، فلفَّت الخبزَ ببعضه، ثم دسَّتْه تحت يدي ولاثَتْنِي ببعضه، ثم أرسلتْني إلى رسول الله - ﷺ -، قال: فذهبتُ به، فوجدتُ رسولَ الله - ﷺ - في المسجد، ومعه الناس، فقمتُ عليهم، فقال لي رسولُ الله - ﷺ -: «أأرسلك أبو طَلْحَة» فقلتُ: نعم، قال: «بطعام»، فقلت: نعم، فقال رسول الله - ﷺ - لمن معه: «قوموا»، فانطلق وانطلقتُ بين أيديهم، حتى جئتُ أبا طَلْحَة فأخبرتُه، فقال أبو طَلْحَة: يا أم سليم، قد جاء رسولُ الله - ﷺ - بالناس، وليس عندنا ما نُطعمهم؟ فقالتْ: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طَلْحَة حتى لقيَ رسول الله - ﷺ -، فأقبل رسولُ الله - ﷺ - وأبو طَلْحَة معه، فقال رسول الله - ﷺ -: «هلمِّي يا أُمَّ سُلَيْمٍ، ما عندك» فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله - ﷺ - فَفُتّ، وعصرتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فأدْمَتْهُ، ثم قال رسولُ الله - ﷺ - فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: «ائذَنْ لعشرة» فأذِنَ لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذنْ لعشرة» فأذِن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: «ائذنْ لعَشَرة» فأذِنَ لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذَنْ لعشرة» فأكل القومُ كلُّهم وشبعوا، والقومُ سبعون أو ثمانون رجلًا!» (٢).
ثالثًا: حديث أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قال: كان أهل الصُّفَّة أضياف أهل الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال، والله الذي لا إله إلا هو، إن كنتُ لأعْتَمِدُ بكَبِدي على الأرض مِن الجوع، وأشدُّ الحجَر على بطني من الجوع، ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمَرَّ بي
_________________
(١) المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: ٣٦٠ هـ)، تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، (٣/ ٣١٨).
(٢) صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ، (٤/ ١٩٣)، رقم الحديث ٣٥٧٨.
[ ٩ ]
أبو بكر، فسألتُه عن آيةٍ مِن كتاب الله، ما أسأله إلا ليَسْتتبعني، فمَرَّ ولم يفعلْ، ثم مَرَّ بي عمرُ، فسألتُه عن آية من كتاب الله ما أسأله إلا ليستتبعني، فمَرَّ ولم يفعلْ، ثم مَرَّ أبو القاسم - ﷺ - فتَبَسَّم حين رآني وقال: «أبا هُرَيْرَة»، قلتُ: لبيك يا رسول الله قال: «الْحَقْ»، ومضى فاتبعتُه، ودخل منزله فاستأذنتُ فأذِن لي، فوجد قدَحًا مِن لبن، فقال: «مِن أين هذا اللبن لكم»؟ قيل: أهداه لنا فلان، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «أبا هُرَيْرَة» قلتُ: لبيك، فقال: «الْحَقْ أهل الصُّفَّة فادْعُهم، وهم أضيافُ أهل الإسلام، لا يأوون على أهل ومال»، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناولْ منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، فأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، وقلتُ: ما هذا القدح بين أهل الصُّفَّة وأنا رسوله إليهم، فسيأمرني أن أُديرَه عليهم، فما عسى أن يُصيبَني منه، وقد كنت أرجو أن أصيبَ منه ما يُغنيني! ولم يكن بُدٌّ مِن طاعة الله وطاعة رسوله، فأتيتهم فدعوتهم، فلما دخلوا عليه فأخذوا مجالسهم، فقال: «أبا هُرَيْرَة، خُذ القدح وأعطِهم»، فأخذتُ القدَح، فجعلتُ أُناوله الرجل، فيشرب حتى يُروى، ثم يرده فأناوله الآخر حتى انتهيتُ به إلى رسول الله - ﷺ -، وقد روى القوم كلهم، فأخذ رسول الله - ﷺ - القدح، فوضعه على يديه ثم رفع رأسه فتبسم، فقال: «أبا هُرَيْرَة، اشربْ»، فشربتُ ثم قال: «اشربْ»، فلم أزَل أشرب، ويقول: «اشربْ»، حتى قلتُ: والذي بَعَثَكَ بالحق ما أجد له
مَسْلكًا، فأخذ القدح فحمد الله وسَمَّى ثم شرب؛ والحديث حسن صحيح (١).
_________________
(١) سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: ٢٧٩ هـ)، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، (٤/ ٦٤٨)، رقم الحديث: ٢٤٧٧، وقال في الحاشية: حكم الألباني صحيح.
[ ١٠ ]