روي ابن شهاب عن عروة بن الزبير-في حديث طويل- وممَّا جاء فيه مما نحن بصدد الحديث عنه: «فلبث رسول الله - ﷺ - في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسَّس المسجد الَّذي أُسس على التَّقوى، وصلَّى فيه رسول الله - ﷺ - ثمَّ ركب راحلته، فسار يمشي ومعه النَّاس، حتَّى بركت عند مسجد الرَّسول - ﷺ - بالمدينة، وهو يصلِّي فيه يومئذٍ رجال من المسلمين، وكان مربدًا للتَّمر لسُهيل، وسهل، غلامين في حجر سعد بن زرارة، فقال رسول الله - ﷺ -، حيث بركت راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، ثمَّ دعا رسول الله - ﷺ - الغُلامين فساومهما بالمربد ليتَّخذه مسجدًا، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله - ﷺ - أن يقبله منهما هبةً، حتَّى ابتاعه منهما، ثمَّ بناه مسجدًا الحديث». (٣)
_________________
(١) صحيح البخاري، باب السمر مع الضيف والأهل، (١/ ١٢٤)، حديث رقم (٦٠٢)، وانظر: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، (١/ ٥٥٧).
(٢) زاد المسير في علم التفسير، جمال الدين أبو الفرج الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ)، تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي- بيروت، الطبعة الأولى- ١٤٢٢ هـ، (١/ ٢٤٦)، وانظر البحر المحيط في التفسير، أبو حيان الأندلسي (المتوفى: ٧٤٥ هـ)، تحقيق صدقي محمد جميل، دار الفكر- بيروت الطبعة: ١٤٢٠ هـ، (٢/ ٧٠١).
(٣) صحيح البخاري- مع فتح الباري، كتاب: مناقب الأنصار، باب هجرة النَّبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة: (٧/ ٢٣٩)، حديث رقم (٣٩٠٦).
[ ٦٢ ]
وروى الواقدي أن النَّبي - ﷺ - اشتراه من ابن عفراء بعشرة دنانير ذهبًا دفعها أبو بكر الصِّدِّيق، وقد يقال: «إنَّ الشَّراء وقع من النَّبي؛ لأنَّهما كانا وليَّين لليتيمَين، ورغب أبو بكر في الخير، كما رغب فيه أسعد وأبو أمامة ومعاذ بن عفراء، فدفع لهم أبو بكر العشرة، ودفع كلُّ واحد من أولئك ما تقدَّم، ولم يقبله النَّبي - ﷺ - بلا ثمن أولًا لكونه لليتيمَين» ا. هـ. (١)
ويتضح أنَّ النَّبي - ﷺ - اشترى أرضَ المسجد النَّبوي من غُلامين يتيمَين أنصاريَّين، ولم يقبله دون عوض، هذا ما ورد في الأحاديث الصَّحيحة على أنَّ أرض المسجد النبويِّ قد ابتاعها النَّبي - ﷺ - من اليتيمَين، واشترى أرضَه من ماله الخاصِّ، سواء دفع المال بنفسه أو دفعه عنه أبو بكر أو غيره (في بعض الرِّوايات)، فسيؤدِّي لأبي بكر وغيره ما دفعه عنه في ذلك الحال، وهذا أمر ثابت لا منازعة فيه ألبتة، إنما النِّزاع لمن كان المربد؟ ومن قام بالدَّفع عن النَّبي - ﷺ - عند تلك الحال؟ وبهذا نجزم أن المسجد النَّبويَّ اشتراه النَّبي - ﷺ - من ماله الخاصِّ، وجعله وقفًا للمسلمين إلى قيام السَّاعة، فهو أجلُّ أوقافه - ﷺ - وأطهرها وأزكاها إلى يوم الدين، وقد ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة قول النَّبي - ﷺ - في نسبة المسجد إليه - ﷺ -: «هو مسجدي هذا» (٢)، وقوله: «مسجد رسول الله»، وقوله: «مسجدي آخر المساجد»، ونحو ذلك (٣)،
فهذه الإضافة الواردة في الحديث الشَّريف إضافة ملك، كما هي إضافة تشريف وتعظيم؛ لأنَّ النَّبي - ﷺ - هو الَّذي اختطه وبناه من ماله، وساعده في ذلك جمهور أصحابه﵃- فلا حرج بعد هذا كله أن يكون مسجده الشَّريف هو آخر مساجد الأنبياء، وهو أجلُّ صدقات النَّبي - ﷺ -
_________________
(١) وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى لأبي الحسن السمهودي (١/ ٣٢٤).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٨/ ٣٥٩)، حديث (١١٨٤٧)، والترمذي في سننه - باب ومن سوررة التوبة (٥/ ٢٨٠)، حيدث (٣٠٩٩)، وغيرُهما من حديث أبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁.
(٣) ثبَتت هذه الألفاظ في أحاديثَ عديدة؛ منها ما أخرجَه مسلمٌ في صحيحه- باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (٢/ ١٠١٢)،حديث (١٣٩٤) وأحمد في مسنده (١٦/ ٨٣)، حديث (١٠٠٤٤)، وغيرهما عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أنه قال: «صلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء، وإن مسجده آخر المساجد » الحديث ..
[ ٦٣ ]
وأعظم أوقافه، وهو باقٍ إلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها (١)، وقد فهم هذا الإمام البخاري وترجم عليه تراجم كثيرة جدًّا، وإن كان يذهب﵀- إلى أن مسجد النَّبي - ﷺ - وقف مشاعٌ بينه وبين الأنصار، ومن تراجمه قوله: «وقف الأرض للمسجد»، وأورد جزءًا من حديث الهجرة الماضي، فهذه التَّرجمة للحديث دليل على أن مسجد النَّبي - ﷺ - وقف منه وله إلى يوم القيامة. (٢)
ومعلوم أنَّ سكن أهل الصُّفَّة في المسجد فيكون داخلًا في وقفه - ﷺ -.
روى الإمام أبو داود بسنده إلى ابن شهاب: «كانت لرسول الله - ﷺ - ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبسًا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسًا لأبناء السبَّيل، وأما خيبر فجزَّأها بين المسلمين ثمَّ قسَّم جزءًا لنفقة أهله، وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين». (٣)
وذكر الخصَّاف بسنده إلى عمر بن الخطَّاب - ﵁ - قال: «كان لرسول الله - ﷺ - ثلاث صفايا، وكانت بنو النضير حبسًا لنوائبه، وكانت فدك لابن السَّبيل، وكانت خيبر قد جزَّأها ثلاثة أجزاء، فجزآن للمسلمين، وجزء كان ينفق منه على أهله، فإن فضل فضل ردَّه على فقراء المهاجرين»، وهذا الأثر ساقه بنصه الإمام ابن شبة في كتابه. (٤)
_________________
(١) الأوقاف النبوية ووقفيات بعض الصحابة الكرام، دراسة فقهية - تاريخية- وثائقية، د. عبد الله بن محمد بن سعد الحجيلي، بحث منشور تم عرضه في ندوة المكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية، (ص: ١٥٣).
(٢) فتح الباري لابن حجر (٥/ ٤٠٩).
(٣) سنن أبي داود، أول كتاب الخراج والفيء والإمارة، باب في صَفايَا رسولِ الله - ﷺ - من الأموال (٤/ ٥٨٧)، رقم (٢٩٦٧)، وانظر: تَرِكَة النَّبي - ﷺ - (ص: ٨٠).
(٤) تاريخ المدينة لابن شبة، عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريطة النميري البصري، أبو زيد (المتوفى: ٢٦٢ هـ)، حققه: فهيم محمد شلتوت، طبع على نفقة: السيد حبيب محمود أحمد- جدة، عام النشر: ١٣٩٩ هـ، (١/ ١٧٦).
[ ٦٤ ]
وقد ورد أن أول أرض أفاءها اللهُ على رسوله، أرضه من أموال بني النضير بالمدينة، أجلاهم عنها، وكفَّ عن دمائهم، وجعل لهم ما حملته الإبل من أموالهم إلا الحلقه-وهي السلاح- فخرجوا بما استقلَّت إبلهم إلى خيبر والشام، وخلصت أرضهم كلها لرسول الله - ﷺ - إلَّا ما كان ليامين بن عمير وأبي سعد بن وهب- فإنَّهما أسلما قبل الظَّفر، فأحرزا أموالهما، ثمَّ قسَّم رسول الله - ﷺ - ما سوى الأرضين من أموالهم على المهاجرين الأوَّلين دون الأنصار إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة-سماك بن خرشة- فإنَّهما ذكرا فقرًا فأعطاهما، وحبس الأرضين على نفسه، فكانت من صدقاته يضعها حيث يشاء، وينفق منها على أزواجه، ثمَّ سلَّمها عمر إلى العبَّاس وعليٍّ، رضوان الله عليهما؛ ليقوما بمصروفها. (١)
قال الإمام الخصَّاف: عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، يقول: «ما أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - من أهل بدر من المهاجرين والأنصار إلَّا وقد وقف من ماله حبسًا لا يُشترى ولا يورث ولا يوهَب حتَّى يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها». (٢)
وعن عثمان «أنَّ النَّبي - ﷺ - قدم المدينة، وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: مَن يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دِلاء المسلمين بخير له منها في الجنَّة، فاشتريتها من صلب مالي». (٣)
وللدَّلالة على وفرة أوقاف الصَّحابة، قال الشَّافعي ﵀: «بلغني أن ثمانين صحابيًّا من الأنصار
_________________
(١) الأوقاف النبوية ووقفيات بعض الصحابة الكرام، د. عبد الله بن محمد بن سعد الحجيلي (ص ١٤٦).
(٢) المرجع السابق (ص: ١٦٥).
(٣) سنن النسائي، كتاب: الأحباس، باب: وقف المساجد (٦/ ٢٣٥) حديث: ٣٦٠٨، وسنن الترمذي، أبواب المناقب عن رسول الله - ﷺ -، باب في مناقب عثمان بن عفان ﵁، وله كنيتان، يقال: أبو عمرو، وأبو عبد الله (٦/ ٦٨)، حديث: ٣٧٠٣ وانظر: صحيح البخاري مع الفتح: (٥/ ٤٠٧، (٥/ ٣٠).
[ ٦٥ ]
تصدَّقوا بصدقات محرمات»، والشَّافعي﵀- يسمِّي الأوقاف: الصَّدقات المحرمة ٧ (١).
وقال ابن حزم ﵀: «وسائر الصَّحابة جملة صدقاتهم بالمدينة أشهر من الشَّمس لا يجهلها أحد» (٢).
ويستنتج من هذا أن مصارف هذه الأوقاف غالبها في الفقراء وسينال أهل الصُّفَّة نصيبهم منها.
_________________
(١) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، المؤلف: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى: ٩٧٧ هـ)، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ- ١٩٩٤ م، (٢/ ٣٧٦).
(٢) المحلى بالآثار، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: ٤٥٦ هـ)، دار الفكر- بيروت، د ت. (٩/ ١٨٠).
[ ٦٦ ]