الزَّكاة في اللُّغة: الزيادة والنَّماء، فكلُّ شيء زاد عددًا، أو نما حجمًا؛ فإنه يقال: زكا، فيقال: زكا الزرع: إذا نما وطال، وأما في الشرع: فهي التعبُّد لله تعالى، بإخراج قدر واجبٍ شرعًا
_________________
(١) سورة الحشر: ٩.
(٢) صحيح البخاري، كتاب: المزارعة، باب إذا قال: اكفني مؤونة النخل وغيره، وتُشركني في الثَّمر (٣/ ١٠٤)، حديث رقم (٢٣٢٥).
(٣) سبق تخريجه (ص: ٧).
(٤) الأنفال: ٧٥.
(٥) نظم الدرر في تناسُب الآيات والسوَر، إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: ٨٨٥ هـ)، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، (٨/ ٣٤٩).
[ ١٢ ]
في أموال مخصوصة لطائفة أو جهة مخصوصة (١).
والعلاقةُ بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي: أن الزَّكاة وإن كان ظاهرُها النقصَ- نقْص كمية المال- لكن آثارها زيادة المال، زيادة المال بركة، وزيادة المال كمية، فإنَّ الإنسان قد يفتح الله له من أبواب الرزق ما لا يخطُر على باله إذا قام بما أوجب الله عليه في ماله؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣)، يُخْلِفُه: أي يأتي بخلفه وبدله.
وقال النبي - ﷺ -: «ما نقصت صدقة من مال» ١، وهذا أمرٌ مُشاهَدٌ، فإن الموفقين لأداء ما يجب عليهم في أموالهم يجدون بركةً فيما ينفقونه، وبركة فيما يبقى عندهم، وربما يفتح الله لهم أبواب رزقٍ يُشاهدونها رأي العين، بسبب إنفاقهم أموالهم في سبيل الله (٤).
ولهذا كانت الزَّكاة في الشرع مُلاقية للزكاة في اللُّغة؛ منْ حيثُ النَّماءُ والزِّيادةُ.
ثم إنَّ في الزَّكاة أيضًا زيادة أخرى، وهي زيادة الإيمان في قلب صاحبها، فإن الزَّكاة من الأعمال الصالحة، والأعمالُ الصالحة تزيد في إيمان الرجل؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة أن الأعمال الصالحة من الإيمان، وأن الإيمان يزداد بزيادتها، وينقُص بنَقْصها، وهي أيضًا تزيد الإنسان في خلقه، فإنها بذْلٌ وعطاء، والبذلُ والعطاء يدل على الكرم والسخاء، والكرَمُ والسخاء لا شك أنه خُلُقٌ فاضل كريم، بل إن له آثارًا بالغةً في انشراح الصدر، ونور القلب
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - باب استحباب العفو (٤/ ٢٠٠١) حديث (٢٥٨٨)، وابن ابن خزيمة في صحيحه - باب ذكر نماء المال بالصدقة منه، وإعطاء الرب - ﷿ - المتصدقَ الخُلفَ (٢/ ١١٦٨)، حديث (٢٤٣٨)، وغيرهما من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وتمامه: « وما زَادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ، إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ لِلَّه إلَّا رَفَعَهُ اللهُ».
(٢) الروم: ٣٩.
(٣) سبأ: ٣٩.
(٤) فقه العبادات، محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، اللجنة العلمية في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثمين الخيرية، (ص: ١٨٣).
[ ١٣ ]
وراحته، ومَن أراد أن يطَّلع على ذلك فليجربِ الإنفاق فسيجد الآثار الحميدة التي تحصُل له بهذا الإنفاق، ولا سيما فيما إذا كان الإنفاقُ واجبًا مؤكدًا كالزَّكاة، فإن الزَّكاة أحد أركان الإسلام ومَبانيه العِظام، وهي التي تأتي كثيرًا مَقْرُونة بالصلاة التي هي عَمود الإسلام، وهي في الحقيقة محكُّ تبين كون الإنسان محبًّا لما عند الله ﷿، لأن المال محبوب إلى النفوس، وبذل المحبوب لا يمكن أن يكونَ إلا مِن أجل محبوبٍ يؤمن به الإنسانُ وبِحُصوله، ويكون هذا المحبوب أيضًا أحب مما بذَلَهُ (١).
ومَصالح الزَّكاة وزيادةُ الإيمان بها وزيادة الأعمال وغير ذلك- أمرٌ مَعلوم، يحصُل بالتأمل فيه أكثر مما ذكَرْنا، وآثارُها على المجتمع وعلى الاقتصاد الإسلامي ظاهرةٌ أيضًا؛ فإن فيها من مواساة الفقراء والقيام بمصالح العامة ما هو معلوم ظاهرٌ مِن مَصارف هذه الزَّكاة، فإنَّ الله ﷾ قال في مَصارف هذه الزَّكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٢) وهؤلاءِ الأصنافُ الثمانية منهم مَن يأخذها لدفع حاجته، ومنهم مَن يأخذها لحاجة المسلمين إليه، فالفقراءُ والمساكين والغارمون لأنفسهم هؤلاء يأخذون لحاجتهم، وكذلك ابن السبيل والرِّقاب، ومنهم من يأخذ لحاجة الناس إليه، كالغارم لإصلاح ذات البَيْن، والعاملين عليها، والمجاهدين في سبيل الله.
فإذا عرَفنا أن توزيع الزَّكاة على هذه الأصناف يَحْصُل به دفع الحاجة الخاصة لمن يُعطاها، ويحصُل به دفْع الحاجة العامة للمسلمين، عرَفنا مدى نفعها للمجتمع، وفي الاقتصاد تتوزَّع الثروات بين الأغنياء والفقراء؛ بحيث يؤخذ من أموال الأغنياء هذا القدْر ليصرفَ إلى الفقراء، ففيه توزيعٌ للثروة؛ حتى لا يحدثَ التضخُّم من جانب، والبؤس والفقر من جانب آخر (٣).
وفيها أيضًا مِن صلاح المجتمع ائتلافُ القلوب، فإن الفقراء إذا رأوا مِن الأغنياء أنهم
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ١٨٥).
(٢) التوبة: ٦٠.
(٣) المرجع السابق والصفحة نفسها.
[ ١٤ ]
يَمُدونهم بالمال، ويتصدقون عليهم بهذه الزَّكاة التي لا يجدون فيها مِنَّةً عليهم، لأنها مفروضة عليهم من قِبَل الله- فإنهم بلا شك يحبُّون الأغنياء، ويألفونهم، ويرجون ما أمرهم الله به مِن الإنفاق والبذْل، بخلاف ما إذا شحَّ الأغنياء بالزَّكاة، وبَخِلوا بها، واستأثروا بالمال، فإن ذلك قد يولد العداوة والضغينة في قلوب الفقراء، ويشير إلى هذا ختْمُ الآيات الكريمة التي فيها بيان مصارف الزَّكاة بقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
وبهذا يتضح دورُها الفَّعال في مُعالَجَة مشكلة الفقر في العَهْد النبَوي، واستجابة الصحابة رضوان الله عليهم لأمر الله ورسوله - ﷺ - في دفْعِها واضحةً وجلِيَّةً في السِّيَر.