جاء في التفسير الوسيط في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) قال ابن عباس في رواية الكلبي: هم أهل الصُّفَّة، صُفَّة مسجد رسول الله - ﷺ -، وهم نحو من أربعمائة رجل، لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر يؤوون إليهم، فجعلوا أنفسهم في المسجد، وقالوا: نخرج في كل سريَّة يبعثها رَسُول اللَّهِ - ﷺ - في سبيل الله، فحثَّ الله الناس على الصدقة عليهم، وكان الرجل إذا أكل وعنده فضل أتاهم به إذا أمسى. (٤)
وقد ردَّ ابن تيمية الافتراء عليهم بتخلُّفهم عن الجهاد، فقال: وأما ما ذكر من تخلُّفهم عنه
_________________
(١) تفسير القرطبي، (٨/ ١٠٨).
(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (١/ ١٨١)، عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: ٥٤٤ هـ)، دار الفيحاء- عمان، الطبعة: الثانية- ١٤٠٧ هـ، (ص: ١٨١).
(٣) البقرة: ٢٧٣.
(٤) الوسيط في تفسير القرآن المجيد، أبو الحسن علي النيسابوري الشافعي (المتوفى: ٤٦٨ هـ) تحقيق عادل عبد الموجود، وآخرون، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ- ١٩٩٤ م (١/ ٣٨٨).
[ ٥٥ ]
- ﷺ - في الجهاد فقول جاهل ضال، بل هم الذين كانوا أعظم الناس قتالًا وجهادًا، كما وصفهم القرآن بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال قتادة في تفسيره لهذه الآية، وهو أحسن الأقوال، معناه: أنهم حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، وتركوا الخروج للتجارة والمعاش، ووقفوا أنفسهم على الحرب. (٢)
وقد ورد ذلك في أهل الصُّفَّة، كانوا قريبًا من أربعمائة نفر، اجتمعوا في مسجد رسول الله، وكانوا لا يؤوون إلى أهل ولا إلى مال، وكان يبعث الناس إليهم بفضل قوتهم، وكانوا وقفوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، وقالوا: لا تخرج سريَّة إلا ونخرج معها، فهذا معنى قوله: ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. (٣)
وجاء في تفسير البيضاوي: (وكانوا يخرجون في كل سريَّة بعثها رسول الله - ﷺ -). (٤)
وكان منهم الشهداء ببدر، مثل: صفوان بن بيضاء، وخريم بن فاتك الأسدي، وخبيب بن يساف، وسالم بن عمير، وحارثة بن النعمان الأنصاري (٢)، ومنهم من استشهد بأُحد، مثل: حنظلة الغسيل (٣)، ومنهم من شهد الحديبية، مثل: جرهد بن خويلد، وأبي سريحة الغفاري (٤)، ومنهم من استشهد بخيبر، مثل: ثقف بن عمرو (٥)، ومنهم من استشهد بتبوك، مثل: عبد الله ذي البجادين (٦)، ومنهم من استشهد باليمامة، مثل: سالم مولى أبي حذيفة، وزيد بن الخطاب (٧)، هكذا كانوا رهبانًا في الليل فرسانًا في النهار. (٥)
_________________
(١) البقرة: ٢٧٣.
(٢) تفسير القرآن، أبو المظفر السمعاني (المتوفى: ٤٨٩ هـ)، تحقيق ياسر بن غنيم، دار الوطن، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ- ١٩٩٧ م (١/ ٢٧٧).
(٣) البقرة:٢٧٣.
(٤) أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ناصر الدين الشيرازي البيضاوي، (المتوفى: ٦٨٥ هـ) تحقيق محمد المرعشلي، دار إحياء التراث العربي- بيروت، الطبعة: الأولى- ١٤١٨ هـ (١/ ١٦١).
(٥) السيرة النبوية الصحيحة د. أكرم ضياء العمري، مرجع سابق (١/ ٢٦٤).
[ ٥٦ ]
وبتتبع سيرتهم العطرة وجد الباحث أن نسبة مشاركتهم في الجهاد في سبيل الله بلغت (٩٩%)، وأن النسبة الباقية (١%) هي لأهل الأعذار، مثل عبد الله ابن أم مكتوم؛ فقد كان كفيف البصر، - ﵁ -.
ومن المعلوم أن من يخرج مجاهدًا في سبيل الله يأخذ نصيبه من الغنائم، فيكون هذا من الموارد الاقتصادية لهم.
[ ٥٧ ]