تفيد المَصادر التاريخية أن معظم من نزل الصُّفَّة كانوا من فقراء المهاجرين الذين لم يجدوا مكانًا ينزلون فيه، وأن أول من نزلها مهاجرو مكة (٢).
فعن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: «كان أهل الصُّفَّة ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - لا منازل لهم، فكانوا ينامون على عهد رسول الله - ﷺ - في المسجد، ويظلون فيه ما لهم مأوى غيره» (٣).
وعن طَلْحَة النضري - ﵁ - قال: «كان الرجل منا إذا قدم المدينة، فكان له بها عريف (٤) نزل على عريفه، وإن لم يكن له بها عريف نزل الصُّفَّة، فقدمت، فنزلت الصُّفَّة» (٥).
ومما يدل على أن أهل من نزل الصُّفَّة المهاجرون من قريش، ما روي عن ابن عباس - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦) قال: «هم أصحاب
_________________
(١) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.
(٢) السيرة النبوية الصحيحة د. أكرم ضياء العمري، مرجع سابق (١/ ٢٥٩).
(٣) الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٢٥٥).
(٤) العريف: هو القيم بأمر القوم، وقيل بمعنى العالم بالشيء والمعرفة وهو القصود هنا أي الشخص المعروف لديه.
(٥) صحيح ابن حبان (١٥/ ٧٧) حديث ٦٦٨٤، والسنن الكبرى للبيهقي، جماع أبواب الصلاة بالنجاسة وموضع الصلاة من مسجد وغيره، باب المسلم يبيت في المسجد، (٢/ ٤٤٥)، حديث ٤٣٣٧.
(٦) البقرة: ٢٧٣.
[ ٤٨ ]
الصُّفَّة»، وقال مجاهد: «هم مهاجرو قريش بالمدينة مع النبي - ﷺ -، أمروا بالصدقة عليهم» (١).
ولذلك نسبت إليهم الصُّفَّة، فقيل: صفة المهاجرين، كما روي عن واثلة ابن الأسقع - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أيُّ آية في القرآن أعظم؟ قال النبي - ﷺ -: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم» (٢).
ثم نزل بها الغرباء من الوفود الذين كانوا يَقْدُمون على النبي - ﷺ - مُعْلِنين إسلامهم وطاعتهم (٣).
لذا فأهل الصُّفَّة ينتمون إلى قبائل شتى، من مهاجري مكة وغيرها، يدل على ذلك أن النبي - ﷺ - وصفهم بالأوْفَاض (٤)، فعن أبي رافع - ﵁ - قال: «لما ولدت فاطمة حسنًا، قالت: ألا أعق عن ابني بدم، قال: لا، ولكن احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره من فضة على المساكين، والأوفاض، وكان الأوفاض ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - محتاجين في المسجد، أو في الصُّفَّة، وقال أبو النضر: من الورق على الأوفاض- يعني: أهل الصُّفَّة، أو على المساكين- ففعلت ذلك، قالت: فلما ولدت حسينًا فعلت مثل ذلك» (٥).
والأَوْفَاض: الفِرق من الناس والأخلاط من قبائل شتى، من وَفَضَت الإبل إذا تفرقت، قال أبو عبيد: والمراد بهم أهل الصُّفَّة؛ لأنهم كانوا أخلاطًا من قبائل شتى (٦).
إلا أن المتأمل في الروايات السابقة التي أوردتها يجد أن أهل الصُّفَّة مع اختلاف قبائلهم، وتعدد مواطنهم، كان بينهم عدد من مهاجري مكة (٧)، ويؤيد ذلك أن النبي - ﷺ - لم يؤاخ بين
_________________
(١) الدر المنثور للسيوطي (٢/ ٨٩)، وفتح القدير للمناوي (١/ ٢٩٣)، نقلًا عن الصُّفة تاريخها- أصحابها، دراسة تاريخية توثيقية، محمود محمد حمو، مرجع سابق، (ص ٢٧).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (١/ ٣٣٤)، رقم الحديث (٩٩٩).
(٣) الصُّفة، دراسة تاريخية توثيقية، مرجع سابق، (ص: ٢٧).
(٤) المرجع السابق، (ص: ٢٨).
(٥) المعجم الكبير للطبراني (١/ ٣١١)، حديث (٩١٨)؛ والسنن الكبرى للبيهقي، جماع أبواب العقيقة، باب ما جاء في التصدق بزنة شعره فضة وما تعطى القابلة (٩/ ٥١٢)، حديث: ١٩٢٩٩.
(٦) الصُّفة، دراسة تاريخية توثيقية، مرجع سابق، (ص: ٢٨).
(٧) المرجع السابق، (ص: ٢٩).
[ ٤٩ ]
جميع المهاجرين والأنصار، بل كان عدد الذين آخى النبي - ﷺ - بينهم تسعين رجلًا، وقيل: مائة، خمسون من المهاجرين، وخمسون من الأنصار، وكان ذلك قبل غزوة بدر (١).
وتشير بعض المَصادر إلى نزول عدد من الأنصار في الصُّفَّة، وأن نزولهم في الصُّفَّة حبًّا لحياة الزهد والفقر، ومواساة لإخوانهم، رغم استغنائهم عن ذلك، يقول أبو نعيم في ترجمة أبي سعيد الخدري: «وحاله قريب من حال أهل الصُّفَّة، وإن كان أنصاري الدار؛ لإيثاره التصبر، واختياره للفقر والتعفف» (٢)، وقيل منهم كذلك البراء بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وحارثة بن النعمان، وحنظلة بن أبي عامر (٣)، ويرى الباحث أن نزول هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم غير ثابت كثبوت نزول المهاجرين في الصُّفَّة، ولم يذكر في روايات كثيرة وهو وإن كان ثابتًا نزولهم في الصُّفَّة فليس مسلمًا بأن سبب نزولهم إياها لإيثارهم التصبر، واختيارهم للفقر والتعفف؛ فقد ورد هذا فقط في ترجمة أبي سعيد الخدري - ﵁ -، وأما الصحابة الآخرون من الأنصار رضوان الله عليهم فقد يكون نزولهم الصُّفَّة لحالهم وفقرهم، فكما أن في المهاجرين فقراء فكذلك في الأنصار، فهم ليسوا جميعًا أغنياء، وقد وجد الفقراء في أكثر المجتمعات غنىً وثراءًا.
وبهذا يتضح بأن أهل الصُّفَّة ليسوا أشخاصًا بأعيانهم، بل هم من الفقراء والمساكين، وغالبهم من المهاجرين الذين غلبت عليهم الظروف المعيشية الصعبة في تلك الفترة، وعندما تحسنتْ أوضاعُهم لم يبقوا فيها.
فقد روى أنس بن مالك أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - ببعير فقال: يا رسول الله، أعقله وأتوكل؟ أو أطلقه وأتوكل؟ قال: (اعقله وتوكل)، قلت: ولا حجة لهم في أهل الصُّفَّة، فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتجرون، ليس لهم كسب ولا مال، إنما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار، ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله - ﷺ -، ويقرؤون القرآن بالليل ويصلون؛ هكذا وصفهم البخاري وغيره، فكانوا يتسببون، وكان
_________________
(١) الطبقات لابن سعد (١/ ٢٣٨).
(٢) حلية الأولياء لأبي نُعَيْم الأصبهاني (١/ ٣٦٩)، وانظر الصُّفة، دراسة تاريخية توثيقية، مرجع سابق، (ص: ٢٩).
(٣) حلية الأولياء لأبي نُعَيْم الأصبهاني، مرجع سابق (١/ ٣٥٠ - ٣٦٩).
[ ٥٠ ]
- ﷺ - إذا جاءته هدية أكلها معهم، وإن كانت صدقة خصهم بها، فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمروا- كأبي هُرَيْرَة وغيره- وما قعدوا (١).
_________________
(١) تفسير القرطبي، أبو عبد الله شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ هـ)، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية- القاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٨٤ هـ- ١٩٦٤ م (٨/ ١٠٨).
[ ٥١ ]