لقد دعا الإسلام في البداية إلى كسْب المال بالجهد والعمل؛ فقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ (٣).
وتُبَيِّن لنا السنةُ النبوية أن العمل أشرف وسائل الكَسْب، فها هو النبي - ﷺ - يقول: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسْبِه، وإن ولده مِن كسبه» (٤)، وعن المِقدام بن معدِ يَكْرِب الزبيدي، عن رسول الله - ﷺ - قال: «ما كسب الرجل كسبًا أطيب مِن عمل يده، وما أنفق الرجل عن نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة» (٥)، وفي الحديث: «ما أكل أحد طعامًا قط خير من أن يأكلَ مِن عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل مِن عمل يده» (٦).
_________________
(١) سنن الترمذي كتاب: مناقب أبي بكر الصديق ﵁، باب (٦/ ٥٦)، برقم: ٣٦٧٥، وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (٣/ ١٦٩٩) رقم الحديث: ٦٠٣٠.
(٢) سورة الجمعة: ١٠.
(٣) سورة الملك: ١٥.
(٤) سنن ابن ماجه، كتاب: التجارات، باب الحث على المكاسب، سنن ابن ماجه (٣/ ٢٦٩)، حديث رقم ٢١٣٧، وقال في الحاشية: إسناده صحيح. ومسند أحمد (٤٠/ ١٧٩) برقم ٢٤١٤٨، وقال في الحاشية: حديث حسن لغيره، وهذا إسناد اختلف فيه على إبراهيم وهو ابن يزيد النخعي.
(٥) سنن ابن ماجه، كتاب: التجارات، باب الحث على المكاسب، سنن ابن ماجه (٣/ ٢٦٩)، حديث رقم ٢١٣٨.
(٦) صحيح البخاري، كتاب: البيوع، باب كسب الرجل (٣/ ٥٧)، حديث رقم: ٢٠٧٢، وانظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر، (٩/ ١٥٤).
[ ١٧ ]
وعن أنس - ﵁ -، أن رجلًا مِن الأنصار أتى النبي - ﷺ -، يسأله، فقال: «أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، قال: آتني بهما، فأخذهما رسول الله - ﷺ - بيده، وقال: مَن يشتري هذين؟ قال رجل أنا آخذهما بدرهم، فقال: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثًا؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياها، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال: اشترِ بأحدهما طعامًا، فأنبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فأتني به، فأتاه به، فشد فيه رسول الله - ﷺ - عودًا بيده، ثم قال له: اذهب فاحتطب وبعْ، ولا أرينك خمسة عشر يومًا، فاشترى ببعضها ثوبًا، وبعضها طعامًا، فقال رسول الله - ﷺ -: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصح إلا لثلاثة: لذي فقرٍ مدقع، أو لذي غرم مُفْظِع، أو لذي دم مُوجع» (١).
إذًا حثُّ الرسول الكريم - ﷺ - على العمل وعلى عدم سؤال الناس- فيه دلالةٌ واضحةٌ على فعالية هذا الأسلوب في القضاء على الفقر، وغرس مفهوم الإنتاجية والاعتماد على النفس بدلًا من السؤال.