(حلقات قرآن) والمساجد حلقات لتعليم القرآن وتحفيظه وفهم لمكنوناته وغوص وراء خفاياه، واستنباط لحكمه وأحكامه ومعانته وبيانه، وانتفاع بعبره ومواعظه، فقد تلاه الصحابة وحفظوه أو بعضه، وكانوا ﵃ إذا حفظوا عشر آيات منه لم يتجاوزوهن حتى يعملوا بهن، ويطبقوا محتواهن، وقد أمر المصطفى ﷺ بأخذ القرآن من أربعة كما في الحديث: " خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد - فبدأ به -، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب -، وسالم مولى أبي حذيفة (١) ولعلهم أكثر ضبط لألفاظه، وأتقن لأدائه، وقد يكون غيرهم أفقه في معانيه، أو لأنهم تفرغوا لأن يؤخذ عنهم وكذلك ترجمان القرآن وحبر الأمة عبد الله بن عباس وغيره من الصحابة والتابعين كمجاهد بن جبر، وبرع في علوم القرآن نفر كثير ممن بعدهم كابن كثير وابن جرير والقرطبي والسيوطي وابن قتيبة والفراء والشاطبي وأعلام القراءات " كنافع المدني وابن كثير المكي وحمزة بن حبيب
_________________
(١) مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه ﵃ ٤ / ١٩١٣.
[ ١٨ ]
الزيات، وأبي عمرو بن العلاء، وعاصم بن أبي النجود، وابن عامر الدمشقي، وابن محيصن، والكسائي، وأبي جعفر يزيد بن القعقاع، ويعقوب الحضرمي، وخلف بن هشام البزار (١) " واليزيدي، والحسن البصري، والأعمش، وغيرهم كثيرون من القراء والمفسرين ومعربي القرآن ومفسري غريبه ومتتبعي علومه بالكشف والبيان والإيضاح.
وحلقات القرآن مدارسة وإقراء وفهما واستنباطا في بيوت الله وعلى أصعدتها، أمور عظيمة مرغب فيها تتغشاها الرحمة، وتخيم عليها السكينة وتحفها الملائكة الكرام، يقول الصحابي الجليل أبو هريرة - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٢) .
_________________
(١) حجة القراءات ص ٥١ - ٧٢.
(٢) مسلم في صحيحه في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ٤ / ٢٠٥٧.
[ ١٩ ]
فبيت الله مدرسة قرآنية مثمرة منتجة أنجبت فطاحل العلماء وكبار المقرئين في كل عصور الإسلام الزاهية، ونرى آثارها بارزة وقطوفها دانية وإنتاجها ثرا في عهد خادم الحرمين الشريفين، يشاهد ذلك في الحرمين الشريفين وغيرهما من بيوت الله التي تحتضن الشباب الحي والبراعم الغضة لتجيد التلاوة ففي كل موسم نرى حفظة لكتاب الله في كل المناطق ترعاها الدولة وتسيرها جماعات القرآن الكريم بجهود مشكورة موفقة، وكذلك الجهات التعليمية المسئولة كوزارة المعارف، والرئاسة العامة لتعليم البنات، ووزارة الشئون الإسلامية وجامعة الإمام، وكلية القرآن في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجميع أقسام القرآن وعلومه في الجامعات كلها سدد الله خطا العاملين فيها وقواهم.