دور المملكة الفعال في دفع المسجد ودعمه لأداء رسالته والقيام بوظيفته لمملكتنا الحبيبة الغالية دور كبير وأثر عظيم بارز في دعم المسجد بمسئولين فاهمين أمناء، وإعطائهم مكافآت مشجعة، وتحفيزهم على إقامة حلقات قرآنية وعلمية تعلم تلاوة القرآن وتجويده وما يتصل بذلك من العلوم، حتى رأينا بحمد الله دفعا تترى تحفظ القرآن مفسرا مجودا يحتفل بها سنويا وتعطى جوائز
_________________
(١) التوبة: آية ٣٢.
[ ٢٣ ]
سخية تحفز وتشد العزائم، وما المسابقة الدولية للقرآن الكريم بمكة المكرمة وجوائزها السنوية المدعومة والمبذولة من خادم الحرمين الشريفين - رائد التعليم الأول - إلا برهان كبير ودليل ساطع على ما يوليه الملك فهد بن عبد العزيز كتاب الله وحفظته من رعاية واهتمام في شتى أصقاع العالم، وما مجمعه - رعاه الله - لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة وما قام به من إنتاج ضخم يغطي جميع دول العالم الإسلامي ومراكز المسلمين في كل دولة إلا دليل بارز على حبه للقرآن وحملته وحب نشره بين أبناء المسلمين قاطبة ليتلوه ويحفظوه علما وعملا في جميع مناحي الحياة، يقول المصطفى الحبيب ﷺ لعلي بن أبي طالب: «فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (١) ".
يقول الهادي الأمين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» (٢) .
_________________
(١) البخاري في صحيحه: في المغازي: باب غزوة خيبر ٥ / ٧٦- ٧٧.
(٢) مسلم في صحيحه في كتاب العلم: باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة ٤ / ٢٠٦٠.
[ ٢٤ ]
ودولتنا الرائدة وشعبها الكريم دعامتان قويتان لجماعات تحفيظ القرآن في شتى مناطق مملكتنا السنية الغالية، بذل متواصل بسخاء، وأريحيات كريمة تهتز للندى، وأيد معطاءة لا تكل ولا تني، وتشجيع لشباب الأمة في حفظ كتاب الله المجيد والتروي من مناهله العذبة، وحفز للهمم القوية المشوبة بحب القرآن والتي لا تروى من العب من معينه الصافي، ورحيقه الزلال، وقوة إيمانية تدفع لهذا العمل الشريف، وإخلاص نقي ينتج إنتاجا باهرا ويثمر ثمراث خيرة يانعة. نعم، هذا بذل أحفاد جيل القرآن ونسل الصحابة الغر الميامين، وذاك عملهم الخالص الذي لا يشوبه رياء ولا سمعة، وإنما بذل لله، وإنفاق في سبيله، وعمل من أجله، هذه نتائجه، وما أدراك ما تلك النتائج، شباب في مقتبل العمر، وريعان الفتوة، يحفظون كتاب ربهم غضا طريا ويطبقونه معاني وعملا واستفادة وهداية ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] (١) كتاب تكفل العليم الخبير بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٢) كتاب يسره الله للمدكرين ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] (٣) .
_________________
(١) الإسراء: آية ٩.
(٢) الحجر: آية ٩.
(٣) القمر: آية ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠.
[ ٢٥ ]
كتاب يرد حجج المبطلين، ويدحض زيف المغرضين، ويبكت ألسنة المبتدعين والضالين: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] (١) .
كتاب منزل من عند الله الكبير المتعال، العزيز الغفور، لا يقربه باطل، ولا تحوم حوله شبه، ولا تصل إليه نزعات المحمومين المسعورين، ولا نفثات الشياطين المغرورين المتربصين بأمة الإسلام وكتابها المنزل من رب العالمين. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ - لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] (٢) .
ولا تنس أخي المسلم أن المسجد كان منطلقا للجهاد، يربى فيه الجنود الأشداء الأقوياء بإيمانهم، الآخذون تعاليم المجاهدة والمرابطة من في رسول الله ﷺ، يربيهم بكتاب الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] (٣)
_________________
(١) الفرقان: آية ٣٣.
(٢) فصلت: الآيتان ٤١، ٤٢.
(٣) آل عمران: آية ٢٠٠.
[ ٢٦ ]
، ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١٣] (١) .
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] (٢) .
وفي المسجد تعقد الألوية والرايات، ومنه تسير الجيوش غازيه فاتحة معلية كلمة الله رافعة راية الإسلام خفاقة مرفرفة، يقوي عزمها الإيمان القوي في الله، ويشد عضدها القادة المخلصون الأوفياء، باعوا أنفسهم لله والثمن: الجنة إِنَّ ﴿اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ - التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١ - ١١٢] (٣) .
_________________
(١) الحشر: آية ١٣.
(٢) الأنفال: آية ٦٦.
(٣) التوبة: الآيتان ١١١- ١١٢.
[ ٢٧ ]
فمن المسجد، خطبه وحلقاته ودروسه ومواعظه ورقائقه تؤخذ العلوم وتتلقى الأحكام، ويتعلم الناس أمور دنياهم وآخرتهم، عبادة ومعاملة، حربا وسلما سلوكا وأخلاقا وكل ما يغذي روح المسلم ويقوي إيمانه، ويصقل ذهنه، وينير عقله، ويبصره في أمور حياته ومماته.
والمسجد منتدى تشاور، ومحك خبرات، وصقل مواهب، ومتلاقح أفكار، وميدان لتبادل الآراء في عرض أي مشكلة تهم المسلمين لحلها ورأب صدع الخلاف فيها، حتى يلتئم الشمل، وتتحد الكلمة فلا يجد العدو الكاشح منفذا لإفساد صف المسلمين وتفريق جمعهم وبذر تقاوي الضغينة والإحن في نفوسهم، فالعدو ذكي وحريص ويعرف من أين تؤكل الكتف، ولا يصده ويكبح جماحه إلا صمود المسلمين وصلابة عودهم وقوه شكيمتهم واتحادهم قلبا وقالبا، وما أعظم المشاورة وأجل ثمارها، إنها قوة للمسلمين ودرع حصين لهم، فما أحسن جلسة الشورى لحل
[ ٢٨ ]
معضلة ما، تطرح المشكلة على بساط البحث وتجال فيها الآراء، وتدار الأفكار وتدخل في بوتقة الصهر فيعرف فجها من ناضجها وسقيمها من صحيحها وزيفها من خالصها، فيستبعد الفج والزيف والسقيم، ويؤخذ بالناضج والصحيح والخالص، فعليه يتم السير فيوصل إلى الغاية المثلى فيصلح الحال، ويزول المشكل، والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] (١) ويقول ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٢) .
والمسجد ملتقى عظيم يجتمع فيه المسلمون للصلاة والمواعظ مرتين في عيدي السنة: الفطر والأضحى، وفي كل أسبوع مرة لأداء صلاة الجمعة وسماع خطبتها، وفي كل يوم وليلة خمس مرات لتأدية الصلوات الخمس المكتوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] (٣) .
هؤلاء الصلوات اللاتي تمحى بهن الخطايا، وتكفر بهن الذنوب، فعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقى من درنه؟ قالوا: لا يبقى من درنه
_________________
(١) الشورى: آية ٣٨.
(٢) آل عمران: آية ١٥٩.
(٣) النساء: آية ١٠٣، وموقوتا، أي مفروضا، وقيل: محددا كما في فتح الباري ٢ / ٣.
[ ٢٩ ]
شيئا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا» (١) وشرعت صلاة الجماعة لأجل التواد والتواصل وعدم التقاطع فباجتماعها يحصل التآلف والوئام، والأنس والانسجام، والتعاطف والتلاطف والالتئام فتصفو القلوب، وتزكو النفوس ويجتمع الشمل، ويرتئب الصدع، وتنقشع سحب الضغينة وغيوم الإحن والأحقاد، ويبقى المجتمع نظيفا من الغل والحسد، طاهرا نقيا من السخيمة والشحناء، تخيم عليه المحبة الواثقة، وتملأ أفئدة بنيه المودة الكامنة الصادقة به، ويطلع المسلم على أحوال أخيه، ويتحسس مواضع حاجته، فيسعفه ويواسيه، يعرف من ملامح وجهه ورثاثة حاله ما يعتلج في جنانه من شظف عيش وسوء حال، وعوز وفاقة، وما يخالج ضميره من هم وكدر، فيخفف ما ألم به بمد يد العون والرفد والعطاء، ويعالج ما أقلقه من مصائب وغموم، فيزيل عنه شديد قلقه، وثقيل أتراحه «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (٢) وإن رآه هانئا باشا،
_________________
(١) البخاري في صحيحه في مواقيت الصلاة: باب الصلوات الخمس كفارة ١ / ١٣٤ وفي فتح الباري ٢ / ١١، أرأيتم: أخبروني فهو استفهام تقرير. والنهر سكون الهاء، وفتحها ما بين جنبي الوادي، سمي بذلك لسعته، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه، والدرن: الوسخ.
(٢) سبق تخريجه ص ١٠.
[ ٣٠ ]
قرير العين مسرورا فرح بسعادته وسروره وهنأه بما منحه الله من نعم مبهجة، وآلاء متوافرة، وخير عميم، سواء كان سروره بزواج هانئ سعيد، أو بمولود قرت به عينه، أو برزق حسن، أو حفظ قرآن، أو نجاح ولد، أو صلاحه، أو غير ذلك مما يثلج صدره ويدخل السرور على قلبه، وإن فقده من المسجد سأل عنه وعن أسباب تخلفه، فإن كان مريضا زاره ودعا له بالشفاء، وإن كان مسافرا دعا له باليمن والتوفيق في سفره والعود الحميد إلى أهله سالما غانما، وإن كان سجينا فعل ما يفك أسره، ويطلق وثاقه بتحمل ما عليه إن كان مدينا عاجزا، بسبب كارثة اجتاحت ماله، وإن كان تخلفه عن الصلاة لكسل انتابه ناصحه مناصحة الأخ الكريم البر بإخوانه مبينا له وجوب الصلاة ومكانتها من الدين، ووجوب حضورها مع جماعة المسلمين موردا بعض الأدلة من الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠] (١) . وقوله جل وعز ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ - الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ - وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] (٢) .
_________________
(١) مريم الآيتان ٥٩ - ٦٠.
(٢) الماعون: الآيات ٤-٧.
[ ٣١ ]
وقوله جل من قائل: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ - قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ - وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ - وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ - وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ - حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧] (١) وجعل المحافظة على الصلوات من سمات المؤمنين المفلحين، وأخبر أن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (٢) وقال المصطفى الحبيب ﷺ: «إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (٣) وقال ﷺ: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» (٤) وقال وهو يحتضر صلوات الله وسلامه عليه: «الصلاة وما ملكت
_________________
(١) المدثر: الآيات ٤٢ - ٤٧.
(٢) العنكبوت: آية ٤٥.
(٣) النسائي في سننه في الصلاة: باب حكم في تارك الصلاة: ١ / ٢٣١ - ٢٣٢ وابن ماجه في سننه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في ترك الصلاة ١ / ٣٤٢، وليس فيه لفظة (أن) ونيل الأوطار: باب حجة من كفر تارك الصلاة ١ / ٣٦٩ وقال: رواه الخمسة.
(٤) ابن ماجه في سننه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في ترك الصلاة ١ / ٣٤٢، ونيل الأوطار: باب حجة من كفر تارك الصلاة ١ / ٣٦٩، وقال: رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي.
[ ٣٢ ]
أيمانكم، الصلاة وما ملكت أيمانكم الصلاة وما ملكت أيمانكم» (١) فبين أن الصلاة ركن عظيم من أركان ديننا الإسلامي الحنيف، وأن تركها كفر يودي بصاحبه إلى النار إن لم يتب، كل هذا لعل هذا المقصر يثوب إلى رشده ويعود من غيه فيؤدي هذه الصلاة ويحضرها مع جماعة المسلمين في المسجد فيلفح ويفوز، ويظفر ويغنم.
نعم، إن المساجد في الإسلام دور علم ومدارس تعليم خرجت للأمة الإسلامية علماء أقحاحا، وجهابذة نقادا، وأساتذة نحارير، فسروا القرآن وأبانوا للناس معانيه وحكمه وعلومه، ودونوا واستخرجوا صحيحه من زيفه، وشرحوا أحكاما ومعاني وألفاظا عربية، واستنبطوا ما فيه من بلاغة وبيان وغيرهما، وتخرجوا في شتى العلوم نحوا وصرفا وعروضا وخطابة، وما إلى ذلك من علوم علمية ونظرية.
_________________
(١) أحمد في مسنده ١ / ٧٨ و٦ / ٢٩٠، بلفظ الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل نبي الهدي يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه. وابن ماجة في سننه في كتاب الجنائز بلفظ: الصلاة وما ملكت أيمانكم فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه ١ ٥١٩ وقال في الزوائد: إسناده صحيح على شرط الصحيحين.
[ ٣٣ ]
ولا زالت تلك المساجد في عصورها المختلفة تؤتي هذه الثمار الشيقة حتى يومنا هذا في ظل دولتنا الرشيدة أيدها الله ووفقها لخدمة القرآن وكل العلوم النافعة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود الذي ازدهرت في عهده العلوم وتطورت وخدم كل فن من فنون العلم حتى أينع وقطف كل مسلم من ينعه الشهي الشيق، فقد بذل رعاه الله وسدد خطاه ما يعجز اليراع. ويكل اللسان عن وصفه من مجهودات جبارة ومساعي مشكورة في خدمة الحرمين الشريفين وصيانتهما والسمو بهما رقيا وعلما، فتعميرهما الفخم، ومعاهدهما ومنابرهما المعطاءة تشهد باليد الحانية والعطف الغامر والأريحية السخية التي قامت بذلك، وحلقاتهما ودروسهما المنتجة دليل بارز على ذلك الاهتمام الكبير والرعاية الصادقة، علاوة على النهضة العلمية الشامخة في بلدنا الحبيب والتي امتدت معاهدها الثانوية والجامعية إلى ميادين أخرى في بلاد إسلامية ومراكز إسلامية أيضا.
والعلم في بلدنا الكريم المضياف والذي يستقبل بصدر رحب وكرم بالغ إخوة أشقاء مسلمين يفدون إلى هذا البلد على منح دراسية يدرسون في الجامعات تصرف لهم مكافآت سخية
[ ٣٤ ]
كإخوانهم السعوديين، نجح منهم أعداد كبيرة رجعوا يخدمون دينهم وأمتهم وينشرون التعاليم الإسلامية، ولا زالت أفواج الخريجين كل نصف سنة تتخرج وتعود لتعطي نشء بلادها مما تعلمته من علوم عقدية وفقهية وغيرها من علوم الإسلام عملية ونظرية.
[ ٣٥ ]