٤ - ربط الأسير في المسجد يجوز ربطه في المسجد لما روى البخاري قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة قال: «بعث النبيﷺ- خيلا (٤) قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» (٥) . قال القرطبي: يمكن أن يقال: ربطه بالمسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليه
_________________
(١) البخاري في صحيحه في الصلاة: باب التقاضي والملازمة في المسجد ١ / ١١٧- ١١٨.
(٢) البخاري في صحيحه في الصلاة: باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد ١ / ١١٨.
(٣) فتح الباري ١ / ٥٥٦.
(٤) خيلا: فرسانا: قاله الجوهري، وقال بعضهم: رجالا على خيل كما في عمدة القاري ٤ / ٢٣٦، والصحاح ٤ / ١٦٩١.
(٥) البخاري في صحيحه في الصلاة: باب الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير أيضا في المسجد ١ / ١١٨ - ١١٩.
[ ٦١ ]
فيأنس لذلك، وقال العيني: يوضح ذلك ما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف لما قدموا أنزلهم النبيﷺ- المسجد ليكون أرق لقلوبهم، وقال جبير بن مطعم فيما ذكره أحمد ﵀: دخلت المسجد والنبي ﷺ يصلي المغرب فقرأ بالطور فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن (١) . فالمسجد دار استصلاح ومركز توجيه وتعليم وإرشاد وتذكير لعل الغافل يستيقظ، والضال يثوب إلى رشده ويعود من غيه، وحلق الذكر مأوى الأخيار، وملتقى الأبرار، ولا يجفوها إلا معرض، والجزاء من جنس العمل فمن أعرض أعرض الله عنه، ومن أوى إلى الله آواه الله قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] (٢) وعن أبي واقد الليثي ﵁ قال: «بينما رسول الله ﷺ في المسجد فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، أما أحدهما فرأى فرجة فجلس، وأما الآخر فجلس خلفهم، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم عن الثلاثة؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله،
_________________
(١) عمدة القاري ٤ / ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٢) الكهف: آية ٢٨.
[ ٦٢ ]
وأما الآخر فاستحى فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (١) .
وعن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: «خرج معاوية ﵁ إلى حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أجد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثا مني، إن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: " أما إني لم استحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» . رواه مسلم (٢) .
وعن الأغر أبى مسلم أنه قال: أشهد على أبى هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال:
_________________
(١) البخاري بشرح فتح الباري ١ / ٥٦٢، ومسلم في صحيحه في كتاب السلام: باب من أتى مجلسا فوجد فرجة فجلس فيها، وإلا وراءهم ٤ / ١٧١٣، وأوى إلى الله: لجأ إليه.
(٢) رواه مسلم في صحيحه في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ٤ / ٢٠٧٥.
[ ٦٣ ]
«لا يقعد قوم يذكرون الله ﷿ إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده» (١) .
أما حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «دخل رسول الله ﷺ المسجد وهم حلق فقال: مالي أراكم عزين» (٢) فيحمل على أن تحلقهم كان لغير فائدة ولا منفعة بخلاف تحلقهم ذلك لأنه كان لسماع العلم والتعلم فلا معارضة.