(أمور تباح في المسجد) ضرب الخيمة في المسجد والتمريض فيها تفيد سيرة المصطفى الحبيب ﷺ ومعاملته الكريمة لأصحابه الغر الميامين أنه يحبهم كثيرا ويزورهم أحيانا ولا سيما من مرض أو أصيب منه في جهاد أعداء الله المشركين، فيتخذ له مكانا يتسنى له فيه زيارته كثيرا يواسيه ويؤانسه، يخفف مصابه، ويدعو له بالشفاء العاجل ويأمره بالصبر والاحتساب والرضا بقدر الله فيعظم أجره، ويكثر ثوابه لما يتحلى به من اطمئنان وثقة بوعد الله للصابرين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (١) .
ومن هداية للمؤمن بقضاء الله والتسليم لمقدوره ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] (٢) ولما تسمو به وتطمح إليه نفسه الزكية من الخلود والنعيم في مقعد صدق عند مليك مقئدر.
كان الصادق المصدوق ﷺ لخلقه النبيل، وشمائله الفريدة، وحبه العميق لصحبه الأطهار الأطايب يحب
_________________
(١) الزمر: آية ١٠.
(٢) التغابن: آية ١١.
[ ٥٢ ]
قربه منه، فهذا المجاهد الصنديد والبطل المحنك والمحكم الذكي اللوذعي " سعد بن معاذ " يصاب في معركة الخندق في أكحله فيضرب له النبي الكريم خيمة في مسجده ليصل إليه عن كثب، ويعوده من قرب، ويعالج تحت إشرافه ورعايته ويشعر بالسعادة الحقة والبشر الثر والأنس الكبير والرسول المختار يحف به ويعطف عليه، فيمتلئ قلبه محبة وسرورا ويطفح بالغبطة والهناء، وحب الأمة الإسلامية ﷺ يحوطه ويحيط به وينظر إليه نظرة حنان ومودة، ورحمة وشفقة، اسمع حديث الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «أصيب سعد يوم الخندق (١) في الأكحل (٢) فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلم يرعهم (٣) - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل عليهم، فقالوا: يا
_________________
(١) الخندق: حفير حول أسوار المدن، معرب: كنده، وخندقه: حفره كما في القاموس ٣ / ٢٢٩ مادة (الخندق)، وفي معجم البلدان ٢ / ٣٩٢: الخندق المحفور حول المدينة، وفي عمدة القاري ٤ / ٢٣٩: يوم الخندق ويسمى الأحزاب ذكرها ابن سعد في ذي القعدة، وموسى بن عقبة في شوال سنة أربع، وقال ابن إسحاق في شوال سنة خمس.
(٢) الأكحل: عرق في اليد كما في القاموس ٤ / ٤٤ مادة (الكحل) .
(٣) يرعهم: يفزعهم، والروع بالفتح: الفزع، والروعة: الفزعة، ورعت فلانا وروعته فارتاع: أي أفزعته ففزع، وتروع: وتفزع، كما في الصحاح ٣ / ١٢٢٣ مادة (روع) .
[ ٥٣ ]
أهل الخيمة. ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو (١) جرحه دما فمات فيها» (٢) .
ويؤخذ من هذا أن من احتاج إلى الراحة في المسجد بإقامة أو نوم أو من تعب جاز له ذلك، وكما في حديث نافع عن ابن عمر أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له على عهد رسول الله ﷺ في مسجد النبي ﷺ (٣) . وكحال أهل الصفة رضوان الله عليه، وقال أبو قلابة عن أنس: قدم رهط من عكل على النبي ﷺ فكانوا في الصفة. وعن سهل بن سعد قال: «جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد علي في البيت فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) في الصحاح ٦ / ٢٤٤٥ مادة (غذا) غذا الماء: سال، والعرق غذا يغذو: أي يسيل دما.
(٢) البخاري في صحيحه: باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم ١ / ١١٩، والبخاري بفتح الباري في باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم ٧ / ٤١١ - ٤١٢.
(٣) البخاري في صحيح: باب نوم الرجال في المسجد ١ / ١١٣ - ١١٤، والنسائي في سننه: النوم في المسجد ٢ / ٥٠.
[ ٥٤ ]
وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب» (١) .
ويجوز أيضا في المسجد الاستلقاء ومد الرجل وأنواع الاستراحة والاتكاء لما روى البخاري في صحيحه عن عباد بن تميم عن عمه: «أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى»، وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: " كان عمر وعثمان يفعلان ذلك " (٢) . وقال البغوي في شرح السنة (٣) إلا الانبطاح، فإن النبي ﷺ نهى عنه وقال: «إنها ضجعة يبغضها الله» (٤) .
أما ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر: «أن رسول الله ﷺ نهى عن اشتمال الصماء» (٥) .
_________________
(١) البخاري في صحيحه: باب نوم الرجال في المسجد ١ / ١١٤.
(٢) صحيح البخاري في كتاب الصلاة: باب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل ١ / ١٢٢.
(٣) البغوي في شرح السنة: باب النوم في المسجد / ٣٧٨.
(٤) أبو داود في سننه في الأدب: باب في الرجل ينبطح على بطنه ٥ / ٣٩٤ -٣٩٥.
(٥) قال في النهاية في غريب الحديث والأثر ٣ / ٥٤: اشتمال الصماء: هو أن يتجلل الرجل بثوبه، ولا يرفع منه جانبا، وإنما قيل لها صماء؛ لأنه يسد على رجليه ويديه المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع، والفقهاء يقولون: هو أن يتغطى ثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه، فتنكشف عورته.
[ ٥٥ ]
والاحتباء (١) في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل رجله على الأخرى وهو مستلق على ظهره (٢) فيحمل النهي حيث يخشى أن تبدو العورة: والجواز حيث يؤمن ذلك (٣) . وقال الداودي: فيه أن الأجر الوارد في الحديث للابث في المسجد لا يختص بالجالس بل يحصل للمستلقي أيضا (٤) . وينبغي أن يختص ذلك بوقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس في المسجد لما عرف على المصطفى الحبيب ﷺ عادة من كمال الأدب وحسن الهيئة في الجلوس بين أصحابه بالوقار التام والتواضع الفذ والرزانة المثلى والأدب الجم وجلسات الاحترام (٥) .
ويجوز إغلاق المسجد في غير وقت الصلاة صيانة وحفظا لما فيه من تجرؤ من لا خلاق له ولا حياء في وجهه، فقد يعبثون
_________________
(١) الاحتباء: هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب، وإنما نهى عنه لأنه إذا لم يكن عليه إلا ثواب واحد ربما تحرك أو زال الثوب فتبدو عورته كما في النهاية في غريب الحديث والأثر ١ / ٣٣٥.
(٢) مسلم في صحيحه في اللباس والزينة: باب في منع الاستلقاء على الظهر، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى ٣ / ١٦٦١.
(٣) فتح الباري ١ / ٥٦٣.
(٤) عمدة القاري ٤ / ٢٥٥.
(٥) الهداية والبناية ٢ / ٤٨٥، والجامع الصغير لمحمد ص ٩٥.
[ ٥٦ ]
بمحتوياته إفسادا أو تلصصا أو غير ذلك مما يهدر كرامة المسجد أو يعطل مقتنياته من مكبرات صوت أو فرش أو مكيفات أو غيرها. أو انتهاك حرمة بيوت جيران المسجد بنقب يفتحه عن طريق المسجد هذا عند الجمهور، وقول عند الحنفية، أما مذهبهم فكراهة غلق باب المسجد لأنه يشبه المنع من الصلاة مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] (١) وخولفوا في ذلك.
ويجوز نبش قبور المشركين وبناء المسجد مكانها لحديث أنس: «أن النبي ﷺ أمر بقبور المشركين فنبشت عند بناء المسجد» (٢) لأنه لا حرمة لهم (٣) لأنهم ليسوا أهل كتاب، وقيل: لأنها دثرت وعفت ولم يظهر لها أثر، والحاجة داعية إلى الانتفاع بمحالها (٤) .
ومما يجوز أيضا في المسجد:
_________________
(١) البقرة: آية ١١٤.
(٢) البخاري في صحيحه في الصلاة: باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد.
(٣) عمدة القاري ٢ / ١٧٩، وفتح الباري ١ / ٥٢٦.
(٤) أعلام الساجد ص ٣٨١.
[ ٥٧ ]