(فضل المساجد) المساجد أفضل بقاع الأرض وأفضلها المسجد الحرام بمكة ثم مسجد المدينة، ثم المسجد الأقصى، هذا عند الشافعي وأبي حنيفة (١) أما المالكية فعندهم مسجد المدينة ثم المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى (٢) .
وعن ابن عباس: قال: «المساجد بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض» . رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون (٣) . وعن عبد الله بن عمر: «أن رجلا سأل النبي - ﷺ - أي البقاع خير، وأي البقاع شر؟ قال: خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق» (٤) وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المسجد بيت كل تقي، وتكفل الله لمن
_________________
(١) الروض المربع مع حاشية ابن قاسم ٤ / ٨٥ / والفروع ٣ / ٤٨٩.
(٢) القوانين الفقهية ص / ٣٧.
(٣) مجمع الزوائد ٢ / ٧، والطبراني في الكبير ١٠ / ٣١٩.
(٤) رواه الطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد ٢ / ٦ / وقال: فيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط في آخر عمره وبقية رجاله موثقون.
[ ٦ ]
كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله، إلى الجنة» (١) .
وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: «ستة مجالس: المؤمن ضامن على الله تعالى ما كان في شيء منها: في مسجد جماعة، وعند مريض، أو في جنازة أو في بيته أو عند إمام مقسط يعزره ويوقره» (٢) .
وعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله ليضيء للذين يتخللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة» (٣) .
وعن سلمان عن النبي ﷺ قال: «من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر» (٤) .
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير والأوسط، والبزار، وقال: إسناده حسن كما في مجمع الزوائد ٢ / ٢٢ وقال: قال: ورجال البزار كلهم رجال الصحيح.
(٢) رواه الطبراني في الكبير والبزار بنحوه كما في مجمع الزوائد ٢ / ٢٣ وقال رجاله موثقون.
(٣) رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن كما في مجمع الزوائد ٢ ٣٠.
(٤) رواه الطبراني في الكبير وأحد إسناديه رجاله رجال الصحيح. كما في مجمع الزوائد ١ / ٣١.
[ ٧ ]
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح»، متفق عليه (١) .
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام» . متفق عليه (٢) .
وعن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» . رواه أبو داود والترمذي (٣) .
_________________
(١) البخاري في صحيحه: باب فضل من غدا إلى مسجد ومن راح ١ / ١٦١ بنحوه، ومسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات ١ / ٤٦٣ والنزل: ما يهيأ للضيف عند قدومه كما في هامش صحيح مسلم.
(٢) البخاري في صحيحه: باب فضل صلاة الفجر في جماعة ١ / ١٥٩. ومسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد ١ / ٤٦٠.
(٣) أبو داود في سننه في الصلاة: باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلام ١ / ٣٧٩. والترمذي في جامعه في أبواب الصلاة: باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة ١ / ٤٣٥، وقال: حديث غريب.
[ ٨ ]
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (١) .
وفيه أيضا في حديث: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فقال: ورجل قلبه معلق بالمساجد» (٢) .
قال النووي: معناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها (٣) .
وعن عثمان ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة» (٤) .
المساجد بيوت أذن الله جل وعلا أن ترفع ويذكر فيها اسمه وتطهر من الأنجاس الحسية والمعنوية كاللغو ورفث الحديث من غيبة وشتم وقيل وقال.
_________________
(١) مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١ / ٤٦٤ باب فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح وفضل المساجد.
(٢) البخاري في الزكاة: باب الصدقة باليمين ٢ / ١١٦، ومسلم في صحيحه، في الإمارة: باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخاله المشقة عليهم ٣ / ١٤٥٨.
(٣) أعلام الساجد لأحكام المساجد ص ٣٩ نقلا عن النووي.
(٤) عمدة القارئ ٤ / ٢١١.
[ ٩ ]
وتعمر في الصلاة والوعظ والذكر، بيوت أراد الله أن ترفع وأن تكون خاصة لذكره جل شأنه، يسبح فيها في الغدوات والأصائل رجال متفرغون للطاعة، ومنصرفون للعبادة فلا مظاهر الدنيا البراقة تفتنهم وتلهيهم، ولا تقليب التجارة والانشغال بأرباحها الباهرة يصدهم عن ذكر الله وينسيهم الآخرة، بل يذكرون الله ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا، ويخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، يوم تتردد فيه النفوس بين الخوف والرجاء فتنقلب القلوب متجهة إلى اليمين والشمال لا تدري من أين تؤخذ؟ أو من أين تؤتى كتبها؟ أمن اليمين أم من الشمال. فهم يسبحون الله ويذكرونه ويؤدون فرائضه، وينتهون عن مناهيه ويخافون يوم الحساب ليجزيهم أحسن ما عملوا الجزاء الأوفى، ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب وهو واسع الفضل (١) .
والمساجد دور عبادة وذكر، وتضرع وخضوع لله جل وعز شأنه، ومواضع تسبيح وابتهال وتذلل بين يدي الله ورغبة فيما عنده من الأجر الكبير. ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] (٢) ومقام تهجد وترتيل لكتاب الله وحفظ له وغوص وراء معانيه، وتمعن لمفرداته واستنباط لأحكامه، واستخراج لمخزوناته ومكنوناته من بلاغة وبيان وإعراب وقصص وغيرها.
_________________
(١) التفسير الواضح ٢ / ٧٤ - ٧٥.
(٢) سورة الجن: آية ١٨.
[ ١٠ ]