(وماذا يجب علينا تجاه المسجد) يجب علينا تجاه بيوت الله أن نصونها من الأوساخ والقاذورات، وأن نتعهدها بالحفظ والرعاية وأن نميط عنها ما يدنسها من أقذية، وأدناس ولو يسيرة، وأن نبتعد عن الوسائل الذي تزيدها أذى، وأن نوصد كل باب يلج منه ما يشي بعدم احترامها ويوحي بالاستخفاف بها وإهمالها.
قال الحبيب المصطفى معلمنا وقدوتنا ﷺ في حديث أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال: «جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي - ﷺ - فلما قضى بوله أمر النبي - ﷺ - بذنوب من ماء فأهريق عليه» (١) فلم نهاهم الرسول الرفيق بأمته عن زجره؟ خوفا من أن ينذعر فيعدو جريا فيلوث بقعا أكثر من المسجد ويلوث ثيابه فتحصل مفاسد أشد.
ومما يستحب استحبابا متأكدا كنس المساجد وتنظيفها. فعن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵂ قالت:
_________________
(١) البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء: باب يهريق الماء على البول ١ / ٦٢ ومسلم في صحيحه - في كتاب الطهارة: باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها ١ / ٢٣٦.
[ ٣٦ ]
أمر رسول اللهﷺ- ببناء المساجد في الدور (١) وأن تنظف (٢) وتطيب (٣) وعن أنس ﵁ قال: «قال رسول الله - ﷺ -: " عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة (٤) يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أؤتيها رجل ثم نسيها» . رواه أبو داود (٥) . وفي هذا حض وترغيب في تنظيف المساجد من كل ما يطرأ عليها من الأوضار
_________________
(١) الدور: المحال التي فيها الدور، ومنه قوله تعالى: سأوريكم دار الفاسقين. الأعراف: آية / ١٤٥؛ لأنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة دارا، ومنه الحديث: " ما بقيت دار إلا بني فيها مسجد نيل الأوطار ٢ / ١٦٠.
(٢) تنظف: تطهر، والمراد: تنظفها من الوسخ والدنس، وتطيب: أي بطيب الرجال، وهو ما خفي لونه وظهر ريحه، فإن اللون ربما شغل المصلي، ويجوز أن يحمل التطييب على التجمير في المسجد كما في نيل الأوطار ٢ / ١٦١.
(٣) ابن ماجة في سننه في كتاب المساجد والجماعات: باب تطهير المساجد وتطييبها ١ / ٢٥٠، والترمذي في جامعه في أبواب الصلاة: باب ما ذكر في تطييب المساجد ٢ / ٤٨٩ - ٤٩٠، وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة باب اتخاذ المساجد في الدور ١ / ٣١٤.
(٤) القذى: ما يقع في العين وفي الشراب، جمعه أقذاء وقذى، وقذيت عينه كرضي: وقع فيها القذى، وقذت تقذى قذيا: قذفت الغمص والرمص كما في القاموس ٤ / ٣٧٦-٣٧٧ مادة (القذى) . وفي حاشية سنن أبى داود ١ / ٣١٦ القذاة: ما يقع في العين من تراب أو طين أو وسخ.
(٥) أبو داود في سننه في كتاب الصلاة: باب في كنس المساجد ١ / ٣١٦- ٣١٧، والترمذي في جامعه في فضائل القرآن: باب ٥ / ١٧٨ - ١٧٩، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال: وذاكرت به محمد بن إسماعيل (أي البخاري) فلم يعرفه واستغربه، قال محمد: ولا أعرف للمطلب بن عبد الله سماعا من أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا قوله: حدثني من شهد خطبة للنبي ﷺ. أهـ.
[ ٣٧ ]
والأدناس حتى الكناسات القليلة، والقمامات الضئيلة في إزالتها أجور تكتب وتعرض على النبي الهادي الأمين ﷺ، فإذا كان هذا في الأشياء الضئيلة الخفيفة ففي الكبيرة أوفر أجرا وأعظم مثوبة. وعن سمرة بن جندب قال: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن تتخذ المساجد في ديارنا وأمرنا أن ننظفها»، رواه أحمد (١) ورواه أبو داود ولفظه: «كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا ونصلح صنعتها ونطهرها» (٢) .
وكان تعظيم المسجد بالخدمة مشروعا في الأمم الماضية، ألا ترى أن الله حكى عن حنة أم مريم أنها لما حبلت نذرت لله تعالى أن يكون ما في بطنها محررا، يعنى عتيقا يخدم المسجد الأقصى ولا يكون لأحد عليه سبيل، ولولا أن خدمة المساجد مما يتقرب به إلى الله لما نذرت به، وهذا معنى قول ابن عباس: " نذرت لك ما في بطني يعني محررا للمسجد يخدمها " وفى لفظ " يخدمه "، وساق البخاري - ﵀ - حديثا عن أبى هريرة ﵁ أن امرأة أو رجلا كانت تقم (٣) المسجد ولا أراه إلا امرأة، فذكر حديث النبي ﷺ أنه صلى على قبره (٤) .
_________________
(١) أحمد في مسنده: ٥ / ١٧.
(٢) أبو داود في سننه في كتاب الصلاة: باب اتخاذ المساجد في الدور ١ / ٣١٥.
(٣) من قم الشيء يقم قما: أي كنسه، والقمامة: بضم القاف: الكناسة كما في عمدة القاري ٤ / ٢٣٠.
(٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٤ / ٢٣٢- ٢٣٣.
[ ٣٨ ]
ومما ينبغي أن تصان عنه المساجد البزاق فيها لحديث: «البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها» (١) .
وإذا بدر المسلم البصاق وهو في المسجد فليبزق في ثوبه ويحك بعضه ببعض، وإن كان في غير المسجد يبصق عن يساره أو تحت قدمه (٢) لحديث أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ رأى نخامة (٣) في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه فإن لم يجد فليقل هكذا "، ووصف القاسم، فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض» (٤) .
ولا يجوز لأحد أن يتعمد البصاق في المسجد، لكن لو كان فعل ذلك لعذر فما كفارة ذلك.
_________________
(١) مسلم صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها ١ / ٣٨٩، والبخاري في صحيحه: كتاب الصلاة ١ / ١٠٧، باب كفارة البزاق في المسجد. والبصاق والبزاق والبساق بمعنى واحد؛ لأن حروف الصفير تتناوب كما في المجموع شرح المهذب ٤ / ٢٩، ففيها ثلاث لغات.
(٢) المغنى ٢ / ١٣، وكشف المخدرات ١ / ٧٧.
(٣) النخامة: هي ما تخرج من الصدر، وقيل: النخامة من الصدر، والنخاعة من الرأس، كما في نيل الأوطار ٢ / ٣٨٨ وفتح الباري ١ / ٥٠٨.
(٤) مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها ١ / ٣٨٩.
[ ٣٩ ]
قال: يدفنها لئلا يؤذي إخوانه المسلمين برؤيتها أو التقذر منها؛ لأن النفوس تتقزز من ذلك وتنفر منه وتستقبحه، فإن كانت الأرض مبلطة فيزيلها بالحك حتى لا يبقى لها أثر.
ويدلك بصاقه برجله اليسرى (١) لما روي «عن أبي العلاء بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ تنخع فدلكه برجله اليسرى» . ومن رأى من يبصق في المسجد لزمه الإنكار عليه ومنعه منه إن قدر، ومن رأى بصاقا أو نحوه في المسجد فالسنة أن يزيله بدفنه أو إخراجه ويستحب تطييب محله (٢) . وأما ما يفعله كثير من الناس إذا بصق أو رأى بصاقا دلكه بأسفل مداسه الذي داس به النجاسة والأقذار فحرام؛ لأنه تنجيس للمسجد أو تقذير له، وقد صرح نبي الهدى والرحمة ﷺ بنهي من أكل ثُوما أو بصلا مما له رائحة كريهة عن قربان كل مسجد. " فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أكل الثوم والبصل والكرات فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى بنو آدم» . متفق عليه (٣)
_________________
(١) النسائي في سننه: بأي الرجلين يدلك بصاقه ٣ / ٥٣.
(٢) المجموع شرح المهذب ٤ / ٢٩ - ٣٠.
(٣) البخاري في صحيحه في الأذان: باب ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكرات ١ / ٢٠٧، ومسلم في صحيحه المساجد ومواضع الصلاة: باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراتا أو نحوها ١ / ٣٩٤ - ٣٩٥.
[ ٤٠ ]
ويلحق بها كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها كالفجل لمن كان يتجشأ، ومن به جروح معفنة، أو يتعاطى شرب الدخان، أو كان قذر الثياب منتن الرائحة؛ لأنه يؤذي إخوانه المسلمين بما يصدر منه من روائح مستقذرة ومسترذلة، ولهذا سن الاغتسال ولبس أحسن الثياب والتطيب للجمعة والعيد والإحرام.
فينبغي لكل مسلم ألا يدخل المسجد إلا وهو طيب الرائحة منظف نفسه وثيابه عن كل ما من شأنه يزكم نفوس المصلين ويؤذيهم ما ينبعث منه من روائح قذرة منتنة تصدر عمن أكل طعاما منهيا عنه كالثوم والكرات والبصل، أو تنم عن عدم شعور المسلم وعدم مبالاته بما يقلق إخوانه المصلين مما يزعجهم ويذهب عنهم الخشوع والارتياح في الصلاة، أو ينتج عنه سب هذا الرجل والوقوع في عرضه لإهماله النظافة في ملبسه وبدنه مما قد يتولد عنه أمراض قد تكون مزمنة، كرائحة الدخان وما شابهه لأنه مضر لشاربه وشامه طبيا، ولا يعذر في هذا أحد يستطيع التخلص من الروائح المستكرهة حتى العامل الذي يمارس عملا شاقا يتقاطر منه العرق بكثرة يلزمه التنظف وإزالة ما يعلق بجسمه وثيابه من أدران وقاذورات، ولا سيما عند حضوره للصلاة في المسجد ينبغي أن يكون نزيها طاهرا، نقي الثياب، طيب الرائحة، حتى لا يتضايق منه المصلون ويتأذى منه الملائكة وسواء في ذلك من يصلي ويطوف في الحرم المكي أو يصلي في غيره من المساجد.
[ ٤١ ]
ومما يجب أن تنزه عنه بيوت الله المطهرة اللغو والفحش واللغط واللهو والعبث وحديث الدنيا الشاغل عن الخشوع في الصلاة والتفرغ لذكر الله، وأن تتخذ كما أرادها الله بيوت علم وعبادة وتعليم، ومصادر إشعاع ومركز توجيه، يقول المصطفى المختار ﵊: «من جاء مسجدي هذا لم يأت إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره» (١) . وفي هذا دليل على جواز التدريس في المسجد خلافا لمالك (٢) . ولعله منع رفع الصوت المشوش (٣) فمن جاء إلى المسجد معلما أو متعلما كالمجاهد كلاهما يريد إعلاء كلمة الله وفي عبادة نفعها متعد لعموم المسلمين، أما من ينظر إلى متاع غيره فهو متحسر محروم عما ينتفع به الناس في الدنيا من العلم والعمل والثناء الجميل، وفي العقبى من الدرجات والجزاء الطويل (٤) .
_________________
(١) ابن ماجة في سننه في المقدمة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ١ / ٨٢ - ٨٣، وقال صاحب الزوائد: إسناده صحيح على شرط مسلم - ومنتقى الأخبار بشرح نيل الأوطار ٢ / ١٦٥.
(٢) القوانين الفقهية ص ٣٧.
(٣) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ١ / ٤٧٢.
(٤) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ١ / ٤٧٢.
[ ٤٢ ]
وعن الحسن البصري مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة» (١) . ففي هذا ذم للكلام والمحادثة في المساجد في أمور دنيوية؛ لأن المساجد بنيت للعبادة والطاعة لا للهو والانشغال بالدنيا كما يفعل بعض من يخططون لرحلات التنزه والترف في المساجد، هؤلاء ينهى عن مجالستهم ومصاحبتهم وكذلك من يتخذون من رحبات المسجد ملتقيات للغيبة والنميمة والحديث عن المساهمات والزيجات وزخارف الدنيا ومفاتنها البراقة، وفى هذا تهديد ووعيد لهم لظلمهم ووضعهم الشيء في غير موضعه؛ لأن المساجد مواضع عبادة وذكر، لا لحديث الدنيا وحطامها التافه الزائل، ومما تنزه عنه المساجد من أعمال أفراد المجتمع ممارسة البيع والشراء وسائر المكاسب الدنيوية (٢) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ: «أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة» (٣) . فالمساجد إنما أقيمت لذكر الله وما
_________________
(١) مشكاة المصابيح مع مرقاة المفاتيح ١ / ٤٧٢ وعزاه للبيهقي في شعب الإيمان.
(٢) روضة الطالبين ٢ / ٣٩٣.
(٣) الترمذي في جامعه في أبواب الصلاة: باب ما جاء في كراهية البيع والشراء وإنشاد الضالة والشعر في المسجد ٢ / ١٣٩ وقال: حديث حسن، والنسائي في سننه ٢ / ٤٧- ٤٨.
[ ٤٣ ]
يتعلق به من أمور الآخرة، وليست من أسواق الدنيا فلا يتخذها أحد لذلك، ولا بأس بوضع الصدقة ليأكل منها كل فقير كما فعل النبي ﷺ حين علق القنو (١) في المسجد وقسم المال فيه لحديث أنس ﵁ قال: «أتي رسول الله ﷺ بمال من البحرين فقال: انثروه في المسجد وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاء العباس ﵁ فقال يا رسول الله: أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا، فقال له رسول الله ﷺ: خذ فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال رسول الله ﷺ: أؤمر بعضهم يرفعه إلي، قال: لا، قال: فارفعه أنت علي، قال: لا، فنثر منه ثم ذهب يقله فقال يا رسول الله: أؤمر بعضهم يرفعه، قال: لا، قال: فارفعه أنت علي، قال: لا. فنثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثم منها درهم» (٢) .
_________________
(١) القنو: العذق، والاثنان قنوان، والجماعة أيضا قنوان كما في صحيح البخاري ١ / ١٠٨ باب القسمة وتعليق القنو في المسجد. والقنو: العرجون بما فيه كما في فتح الباري ١ / ٥١٦.
(٢) البخاري في صحيحه: باب القسمة وتعليق القنو في المسجد ١ / ١٠٨ - ١٠٩.
[ ٤٤ ]
أما جواز تعليق القنو فقد دل عليه حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: «خرج رسول الله ﷺ وبيده عصا وقد علق رجل قنا حشف فجعل يطعن في ذلك القنو ويقول: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا» (١) ويستفاد من ذلك جواز وضع ما يعم نفعه في المسجد كالماء لشرب من يعطش، والطعام لمن يأكل، وكذلك حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا له: لا أربح الله تجارتك» (٢) .
ومما تصان عنه المساجد من أفعال أفراد المجتمع إنشاد الضالة والبحث عن واجدها، فعن أبي هريرة ﵁ قال:
_________________
(١) النسائي في سننه في الزكاة: قوله ﷿: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " ٥ / ٤٣-٤٤، وفتح الباري ١ / ٥١٦، والقنا: بكسر القاف والفتح مقصور هو العذق. بما فيه من الرطب، والقنو: بكسر القاف أو ضمها وسكون النون. والحشف بفتحتين هو: اليابس الفاسد من التمر، حاشية الإمام السندي على سنن النسائي ٥ / ٤٤.
(٢) النسائي، ففي سننه النهي عن البيع والشراء في المسجد، وعن التحلق قبل صلاة الجمعة ٢ / ٤٧ - ٤٨ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
[ ٤٥ ]
قال رسول الله ﷺ: «من سمع رجلا ينشد (١) في المسجد ضالة فليقل: لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا» (٢) . وعن بريدة: «أن رجلا نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبيﷺ: لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له» (٣) . ففي هذين النصين دلالة على جواز الدعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان معاقبة له في ماله ومعاقبة بنقيض قصده، حيث استخدم بيوت الله لما لم تبن له. فبناؤها لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها.
أما نشدان الضالة وتعريف اللقطة وما في معناهما من البيع والإجارة والسلم والعقود الأخرى فليس مكان المسجد، وإنما
_________________
(١) ينشد: بفتح الياء وضم الشين، يقال: نشدت الضالة بمعنى طلبتها، وأنشدها: عرفتها، والضالة: تطلق على الذكر والأنثى، والجمع ضوال كدابة ودواب. وهى مختصة بالحيوان ويقال لغير الحيوان: ضائع ولقيط، كما في نيل الأوطار ٢ / ١٦٤.
(٢) النسائي بنحوه عن جابر ٢ / ٤٨ - ٤٩، النهي عن إنشاد الضالة في المسجد. ونيل الأوطار ٢ / ١٦٤، وابن ماجة في سننه في كتاب المساجد والجماعات ١ / ٢ / ٢٥٢: باب النهي عن إنشاد الضوال في المسجد. ومسلم في المساجد ١ / ٣٩٧. وأحمد في مسنده ٢ / ٣٤٩، وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة: باب في كراهية لإنشاد الضالة في المسجد ١ / ٣٢١.
(٣) ابن ماجه في سننه في كتاب المساجد والجماعات: باب النهي عن إنشاد الضوال في المسجد ١ / ٢٥٢، ونيل الأوطار ٢ / ١٦٤، ومسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد ١ / ٣٩٧.
[ ٤٦ ]
الأسواق والمحلات التجارية المعدة له والمجامع الأخرى غير المساجد (١) . أما تناشد الأشعار في المسجد فمما يدل على عدم جوازه ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ نهى عن تناشد الأشعار في المسجد» (٢) والمراد بها المذمومة، ولما كان الغالب في الشعر المذموم أطلق النهي، وقيل: النهي محمول على التنزيه أما أحاديث الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد فتدل على بيان الجواز، فقد روى سعيد بن المسيب قال: «مر عمر بحسان بن ثابت وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه فقال: قد أنشدت وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: أجب عني. اللهم أيده بروح القدس، قال: اللهم نعم» (٣) .
«وعن جابر بن سمرة قال: شهدت النبي ﷺ أكثر من مائة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء
_________________
(١) نيل الأوطار ٢ / ١٦٤.
(٢) النسائي في سننه: النهي عن تناشد الأشعار في المسجد ٢ / ٤٨.
(٣) النسائي في سننه: الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد ٢ / ٤٨ وأيده: قوه، وروح القدس: جبريل، كما في نيل الأوطار ٢ / ١٦٩، وصحيح البخاري بشرح عمدة القاري ٤ / ٢١٧.
[ ٤٧ ]
من أمر الجاهلية فربما تبسم معهم» . رواه أحمد (١) . وفى الترمذي عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ ينصب لحسان منبرا في المسجد فيقوم عليه يهجو الكفار» (٢) وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد (٣) .
وفي الترمذي عن أنس ﵁: «أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر: يابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر، فقال له النبي صلى الله
_________________
(١) أحمد في مسنده ٥ / ٩١، والترمذي في سننه في الأدب: باب ما جاء في إنشاد الشعر ٥ / ١٤٠، وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) الترمذي في سننه في الأدب: باب ما جاء في إنشاد الشعر ٥ / ١٣٨.
(٣) الحاكم في مستدركه ٣ / ٤٨٧، والذهبي في التلخيص ٣ / ٤٨٧ وصححه.
[ ٤٨ ]
عليه وسلم: خل عنه يا عمر، فما هي أسرع فيهم من نضح النبل» (١) .
أو تحمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون فيه كهجاء حسان للمشركين ومدح النبي ﷺ وصحابته الطيبين، ومدح الدين وإقامة الشرع وغير ذلك، ويحمل النهي على مفاخرة الجاهلية والهجاء وسب المؤمنين ونحو ذلك، وقال الشافعي: الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح.
وقد ورد هذا مرفوعا في غير حديث، فروى أبو يعلى عن عائشة قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن الشعر فقال: " هو كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح»، قال العراقي: وإسناده حسن (٢) .
ومما لا يجوز فعله في المسجد الاستصباح بالأذهان النجسة والمتنجسة، فإن دخان النجاسة نجس، وإدخال النجاسات المساجد
_________________
(١) الترمذي في سننه في الأدب: باب ما جاء في إنشاد الشعر ٥ / ١٣٩، وقال: حديث حسن صحيح، والنضح: الرمي بالنبل كما في القاموس ١ / ٢٥٣ مادة (نضح)، والنبل: السهام بلا واحد كما في القاموس ٤ / ٥٤ مادة (النبل)، وفي فتح الباري ١ / ٥٤٦ (السهام العربية) .
(٢) نيل الأوطار ٢ / ١٦٧ - ١٦٨ بتصرف. وعارضة الأحوذي ٢ / ١١٩ - ١٢٠.
[ ٤٩ ]
ممنوع، ولا شك أن ما ينفصل من الدخان يؤثر في الحيطان وذلك يؤدي إلى تنجيسه فلا يجوز (١) .
وتتأكد مراعاة حرمة المسلم فلا يروع ولا يؤذى ولا سيما في المسجد، فإن دخل المسجد بسهام فليمسك بنصالها لئلا يخدش مسلما أو تقعره، وإن دخله برمح فليمسك بسنانه خوفا من أن يصيب به أحدا فيجرحه لما في صحيح البخاري: حدثنا سفيان: أمسك بنصالها، وفيه أيضا: حدثنا أبو بردة بن عبد الله قال: سمعت أبا بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: قلت لعمرو: أسمعت جابر بن عبد الله يقول: «مر رجل في المسجد ومعه سهام فقال له رسول الله ﷺ قال: من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها لا يعقر بكفه مسلما» (٢) . وتتأكد رعاية المسلم في المساجد والمجامع والأسواق فمتى حمل نبلا أو سلاحا أو شيئا حادا كرمح وسيف وخنجر فليمسك بحده كيلا يصيب مسلما بأذى، وأما إقراره صلى
_________________
(١) أعلام الساجد ص ٣٦١، والإقناع ٢ / ٦١.
(٢) البخاري في صحيحه: باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد، وباب المرور في المسجد ١ / ١١٦.
[ ٥٠ ]
الله عليه وسلم الحبشة على لعبهم بالحراب والسيوف في المسجد يوم العيد فهو مخصوص بها أقره ﷺ من جهة التدريب على الحرب والتمرين فيه والتنشيط عليه، فهو من باب المندوب، ويلتحق به ما في معناه من الأسباب والوسائل المعينة على الجهاد وأنواع البر (١) . وفي البخاري «أن عائشة ﵂ قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يوما على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد ورسول الله ﷺ يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم» . زاد إبراهيم بن المنذر: حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن أبي شهاب، عن عروة، عن عائشة قال: «رأيت النبي ﷺ والحبشة يلعبون بحرابهم» .
_________________
(١) أعلام الساجد ص ٣٥٥، وعمدة القاري ٤ / ٢٢٠، وفتح الباري ١ / ٥٤٩.
[ ٥١ ]