طهارة مولد الرسول ﷺ
وأما طهارة مولده فإن الله تعالى استخلص رسوله من أطيب المناكح وحماه من دنس الفواحش ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة، وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تأويل قول الله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «١٣» أي تقلبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب إلى أن جعلتك نبيا، وقد كان نور النبوة في آبائه ظاهرا.
حكي أن كاهنة بمكة يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية قرأت الكتب فمر بها عبد المطلب ومعه ابنه عبد الله يريد أن يزوجه آمنة بنت وهب فرأت نور النبوة في وجه عبد الله، فقالت: هل لك أن تغشاني وتأخذ مائة من الإبل؟
فعصمه الله تعالى من إجابتها وقال لها:
أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فاستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه
فلما تزوجت به آمنة وحملت منه برسول الله ﷺ قال لها: هل لك فيما قلت، فلم تر ذلك النور في وجهه، فقالت له: قد كان ذلك مرة فاليوم لا، ماذا صنعت؟ فقال: زوجني أبي آمنة بنت وهب الزهرية، فقالت: قد أخذت النور الذي كان في وجهك، وأنشأت تقول:
الآن قد ضيعت ما كان ظاهرا عليك وفارقت الضياء المباركا
غدوت عليّ خاليا فبذلته لغيري هنيا فألحقن بنسائكا
ولا تحسبن اليوم أمس وليتني رزقت غلاما منك في مثل حالكا
وداخلها الأسف على ما فاتها والحسرة على ما تولى عنها فحسدت آمنة على ما صار لها فأنشأت تقول:
إني رأيت مخيلة نشأت فثلألأت كتلألؤ الفجر
ولما بها نور يضيء به ما حولها كإضاءة البدر
_________________
(١) سورة الشعراء الآية (٢١٩) .
[ ٢٠١ ]
ورأيتها متبينا شرفا ما كل قادح زنده يوري
لله ما زهرية سلبت ثوبيك ما استلبت وما تدري
وأنذرت بني هاشم فقالت:
بني هاشم قد غادرت من أخيكم أمينة إذ للباه يعتلجان
كما غادر المصباح بعد خموده قتائل قد ميثت له بدهان
وما كل ما يحوي الفتى من بلاده لحزم ولا ما فاته لتوان
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه سيكفيكه جدان يعتلجان
ولما حوت منه أمينة ما حوت منه فخارا ما لذلك ثان
سيكفيكه إما يد منغلة وإما يد مبسوطة لبنان
وهذا من آيات الله تعالى في رسوله إن عصم أباه حين كان في ظهره أن يضعه من سفاح حتى وضعه من نكاح ثم زالت العصمة بعد وضعه حتى عرض بالطلب بعد أن كان مطلوبا ورغب فيه بعد أن كان مرغوبا ثم لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه وقصور نسبهما عليه ليكون مختصا بنسب جعله الله تعالى للنبوّة غاية ولتفرده بها آية فيزول عنه أن يشارك فيه ويماثل به فلذلك مات أبواه عنه في صغره فأما أبوه عبد الله فمات عنه بمكة وهو حمل وأما آمنة فماتت عنه بالمدينة وهو ابن ست سنين لأنها رحلت إليها لزيارة أخوالها من بني النجار فماتت عندهم، وإذا خبرت حال نسبه وعرفت طهارة مولده علمت أنه سلالة آباء كرام سادوا ورأسوا لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ليس في آبائه خامل مسترذل ولا مغمور مستذل، كلهم سادة قادة، وهم أخص الناس بالمناكح الطاهرة حتى تحرجوا من نكاح المحارم وإن استباحه غيرهم من العرب حتى حكي أن حاجب بن زرارة وهو سيد بني تميم نكح بنته وأولدها، وقد كان سماها دختنوس باسم بنت كسرى، وقال فيها حين نكحها مرتجزا:
[ ٢٠٢ ]
يا ليت شعري عنك دختنوس إذا أتاها الخبر المرموس
أتسحب الذيلين أم تميس لا بل تميس أنها عروس
وهذا في قريش من الفواحش. وفي التوراة أن لوطا نكح بنتين له فولدتا غلامين ولهما ذرية كبيرة، ولوط هو ابن أخي إبراهيم الخليل، وقد تزوج إبراهيم بنت أخيه سارة بنت هاران بن تارخ، فتنزهت قريش من هذه المناكح حفظا لحرمة الأرحام الدانية أن تنتهك بالمناكح العاهرة فتضعف الحمية وتقل الغيرة.
فإن قيل: يشارك الأنبياء في شرف النسب وطهارة المولد غيرهم فلم يستحق بهما النبوّة.
قيل: هما من شروط النبوة وإن استحقت غيرهما فلم يمتنع أن يكون لهما في النبوة تأثير معتبر ووصف مختبر.
[ ٢٠٣ ]
الباب التاسع عشر في آيات مولده وظهور بركته ﷺ
ايات الملك باهرة وشواهد النبوة قاهرة تشهد مباديها بالعواقب فلا يلتبس فيها كذب بصدق ولا منتحل بمحقّ، وبحسب قوتها وانتشارها يكون بشائرها وإنذارها. ولما دنا مولد رسول الله ﷺ تعاطرت آيات نبوّته وظهرت آيات بركته فكان من أعظمها شأنا وأظهرها برهانا وأشهرها عيانا وبيانا أصحاب الفيل أنفذهم النجاشي من أرض الحبشة في جمهور جيشه إلى مكة لقتل رجالها وسبي ذراريها وهدم الكعبة، واختلف في سببه فذكر قومه أن إبراهيم بن الصباح استولى على اليمن معتزيا إلى النجاشي فبنى بصنعاء اليمن كنيسة للنصارى واستعان في بنيانها بقيصر والنجاشي حتى بناها في تشييدها وحسنها ليعدل بالعرب عن حج الكعبة إليها، فأنكرته العرب ودخل إلى هيكلها بعض بني كنانة من قريش فأحدث فيها فكتب إلى النجاشي يستمده بالفيل وجيش الحبشة ليغزو قريشا ويهدم الكعبة فسار بهم وأخذ أبا رغال من الطائف دليلا إلى مكة حتى أنزله بالمغمس ومات أبو رغال بالمغمس فدفن فيه فرجمت العرب قبره، فهو القبر المرجوم بالمغمس.
وقال آخرون: بل سببه أن نفرا من تجار قريش مروا ببيعة للنصارى على شاطىء البحر فنزلوا بفنائها وأوقدوا نارا لعمل طعامهم فاحترقت البيعة فأقسم النجاشي ليسبين مكة وليهد من الكعبة، فأنفذ جيشه والفيل مع إبراهيم بن الصباح وأبو مكسوم وحجر بن شراحيل والأسود بن مقصود، وكان النجاشي
[ ٢٠٥ ]
هو الملك وأبرهة صاحب جيشه على اليمن وأبو مكسوم وزيره وحجر والأسود من قواده فساروا بالجيش مع الفيل حتى نزلوا بذي المجاز وتقدمهم الأسود بن مقصود فاستاق سرح مكة، فقال فيه عبد الله بن مخزوم:
لا هم اخز الأسود بن مقصود الآخذ الهجمة بعد التقليد
ويهدم البيت الحرام المعبود والمروتين والمشاعر السود
اخزهم يا رب وأنت معبود
كان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب وقد قلد بعضها فخرج وكان وسيما جسيما إلى أبرهة وسأله في إبله، فقال له أبرهة: قد كنت أعجبتني حين رأيتك وقد زهدت الآن فيك، قال: ولم؟ قال: جئت لأهدم الكعبة بيتا هو دينك ودين آبائك فلم تسألني فيه وسألتني في إبلك، فقال عبد المطلب: أنا رب إبلي وللبيت رب غيري سيمنعه منك، فقال أبرهة: ما كان ليمنعه مني، ورد على عبد المطلب إبله مستهزئا ليعود فيأخذها، فأحرزها عبد المطلب في جبال مكة وأتى الكعبة فأخذ حلقة الباب وجعل يقول:
يا رب إن المرء يم نع حله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدا محالك
إن كنت تاركهم وكع بتنا فأمر ما بدا لك
فلئن فعلت فإنه أمر يتم به فعالك
اسمع بارجس من أرا دوا العدو وانتهكوا حلالك
جروا جميع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم جهلا وما رقبوا جلالك
وتوجه الجيش إلى مكة من طريق منى والفيل معهم إذا بعث على الحرم أحجم وإذا أعدل عنه أقدم فوقعوا بالمغمس، فقال أبو الطيب بن مسعود في ذلك وقيل بل قاله عبد المطلب:
إن آيات ربنا ساطعات ما يماري بها إلّا الكفور
حبس الفيل بالمغمس حتى مر يعوي كأنه معقور
[ ٢٠٦ ]
وبصر أهل مكة بالطير قد أقبلت من ناحية البحر، فقال عبد المطلب.
إن هذه غريبة بأرضنا ما هي نجدية ولا تهامية ولا حجازية وإنها لأشباه اليعاسيب، وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة، فلما أظلت على القوم ألقتها عليهم حتى هلكوا فأفلت من القوم أبرهة ورجع إلى اليمن فمات في طريقه بعد أن كان يسقط من جسده عضو عضو حتى هلك، ولما تأخر القوم عنهم واستعجم خبرهم عليهم قال عبد المطلب:
يا رب لا نرجوا لهم سواكا يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا امنعهم أن يخربوا قراكا
وبعث ابنه عبد الله ليأتيه بخبرهم فوجد جميعهم قد شدختهم الأحجار حتى هلكوا، فعاد راكضا إلى عبد المطلب وأصحابه وأخذوا أموالهم، فكانت أول أموال بني عبد المطلب، فأشنأ مرتجزا يقول:
أنت منعت الجيش والأفيالا وقد رعوا بمكة الأخيالا
وقد خشينا منهم القتالا وكل أمر لهم معضالا
شكرا وحمدا لك ذا الجلالا
وآية الرسول من قصة الفيل: أنه كان في زمانه حملا في بطن أمه بمكة لأنه ولد بعد خمسين يوما من الفيل وبعد موت أبيه في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول ووافق من شهور الروم العشرين من شباط في السنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنو شروان.
وحكى أبو جعفر الطبري أن مولده ﷺ كان لاثنتين وأربعين سنة من ملك أنو شروان (فكانت آيته) في ذلك من وجهين:
أحدهما: أنهم لو ظفروا لسبوا واسترقوا فأهلكهم الله تعالى لصيانة رسوله أن يجري عليه السبي حملا ووليدا.
والثاني: أنه لم يكن لقريش من التأله ما يستحقون به رفع أصحاب الفيل عنهم وما هم أهل كتاب لأنهم كانوا بين عابد صنم أو متدين وثن أو ثائل
[ ٢٠٧ ]
بالزندقة أو مانع من الرجعة «١» ولكن لما أراده الله تعالى من ظهور الإسلام تأسيسا للنبوة وتعظيما للكعبة وأن يجعلها قبلة للصلاة ومنسكا للحج.
فإن قيل: فكيف منع عن الكعبة قبل مصيرها قبلة ومنسكا ولم يمنع الحجّاج من هدمها وقد صارت قبلة ومنسكا حتى أحرقها ونصب المنجنيق عليها، فقال فيها على ما حكي عنه:
كيف تراه ساطعا غباره والله فيما يزعمون جاره
وقال راميها بالمنجنيق:
قطارة مثل الفنيق المزبد أرمي بها أعواد كل مسجد
قيل: فعل الحجّاج كان بعد استقرار الدين فاستغنى عن آيات تأسيسه، وأصحاب الفيل كانوا قبل ظهور النبوة فجعل المنع منها آية لتأسيس النبوة ومجيء الرسالة على أن الرسول ﷺ قد أنذر بهدمها فصار الهدم آية بعد أن كان المنع آية، فلذلك اختلف حكمهما في الحالين والله تعالى أعلم.
ولما انتشر في العرب ما صنع الله تعالى بجيش الفيل تهيبوا الحرم وأعظموه وزادت حرمته في النفوس ودانت لقريش بالطاعة وقالوا: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم كيد عدوهم، فزادوهم تشريفا وتعظيما، وقامت قريش لهم بالوفادة والسدانة والسقاية، والوفادة: مال تخرجه قريش في كل عام من أموالهم يصنعون به طعاما للناس أيام منى، فصاروا أئمة ديانين وقادة متبعين، وصار أصحاب الفيل مثلا في الغابرين.
وروى هشام بن محمد الكلبي عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خرج في الجاهلية تاجرا إلى الشام فمرّ بزنباع بن روح وكان عشارا فأساء إليه في اجتيازه وأخذ مكسه فقال عمر بعد انفصاله:
متى ألف زنباع بن روح ببلدة إلى النصف منها يقرع السن بالندم
ويعلم أنا من لؤي بن غالب مطاعين في الهيجا مضاريب في التهم
فبلغ ذلك زنباعا فجهز جيشا لغزو مكة، فقيل له: إنها حرم الله ما
_________________
(١) مانع من الرجعة: منكر للبعث والقيامة
[ ٢٠٨ ]