مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فخصوا من الإعجاز بما يصلون إليه ببداية حواسهم والعرب أصح الناس أفهاما وأحدّهم أذهانا قد ابتكروا من الفصاحة أبلغها ومن المعاني أغربها ومن الآداب أحسنها فخضوا من معجزة القرآن بما تجول فيه أفهامهم وتصل إليه أذهانهم، فيدركوه بالفطنة دون البديهة وبالرويّة دون البادرة لتكون كل أمة مخصوصة بما يشاكل طبعها ويوافق فهمها.
والثالث: أن معجز القرآن أبقى على الأعصار «٢» وأنشر في الأقطار من معجز يختص بحاضره ويندرس بانقراض عصره وما دام إعجازه فهو أحج وبالاختصاص أحق.
وجوه الإعجاز
الإعجاز في التركيب اللغوي
وإعجاز القرآن في خروجه عن كلام البشر وإضافته إلى الله تعالى يكون من عشرين وجها أحدها فصاحته وبيانه وذلك معتبر بثلاثة شروط:
أحدها: بلاغة ألفاظه.
والثاني: استيفاء معانيه.
والثالث: حسن نظمه.
فأما بلاغة ألفاظه فتكون من وجهين:
أحدهما: جزالتها حتى لا تلين.
والثاني: انطباعها حتى لا تخبو. وأما استيفاء معانيه فيكون من وجهين:
أحدهما: أن يكون المعنى لائحا «٣» في بادىء ألفاظه غير مفتقر إلى مقاطعه
_________________
(١) الأعصار: العصور والأجيال.
(٢) لائحا ظاهرا باديا.
[ ٧٤ ]
والثاني: أن يكون المعنى مطابقا لألفاظه فلا يزيد عليها ولا يقصر عنها فإن زاد كان الاختلال في اللفظ، وإن نقص كان الاختلال في المعنى وأما حسن نظمه فيكون من وجهين.
أحدهما: أن يكون الكلام متناسبا لا يتنافر.
والثاني: أن يكون الوزن معتدلا لا يتباين.
فإن قيل: قد يجتمع في كلام البشر ما يستكمل هذه الشروط فبطل به الإعجاز.
فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن أسلوب نظمه على هذه الشروط معدوم في غيره فافترقا.
والثاني: أن لنظم ألفاظه بهجة لا توجد في غيره فاختلفا لأنك إذا جمعت بين قول الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ «٤» وبين قولهم القتل أنفى للقتل وجدت بينهما فروقا في اللفظ والمعنى.
الإعجاز في المعاني
والوجه الثاني: من إعجازه، إيجازه عن هذا الإكثار واستيفاء معانيه في قليل الكلام كقوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ «٥» .
فإن قيل: ليس جميعه وجيزا مختصرا وفيه المبسوط والمكرر بعضه أفصح من بعض ولو كان من عند الله لتماثل ولم يتفاضل لأن التفاصيل في كلام من يكل خاطره وتضعف قريحته فعنه جوابان:
أحدهما: أن اختلافه في البسط والإيجاز ليس للعجز عن تماثله ولكن لاختلاف الناس في تصوره وفهمه وتفاضله في الفصاحة بحسب تفاضل معانيه
_________________
(١) سورة البقرة من الآية (١٧٩) .
(٢) سورة هود الآية (٤٤) .
[ ٧٥ ]
لا للعجز عن تساويه.
والثاني: أنه خالف بين معانيه ومختصره وبين أفصحه وأسهله ليكون العجز عن أسهله وأبسطه أبلغ في الإعجاز من العجز عن أفصحه وأخصره ولذلك فاضل بين خلقه ليعرف به فرق ما بين الفاضل والمفضول.
وقد حكى أبو عبيدة أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ «٦» فسجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام.
فأما تكرار قصصه وتكرار وعده ووعيده فلأسباب مستفادة منها أنها في التكرار أوكد وفي المبالغة أزيد، ومنها أنها تتغاير ألفاظها فتكون إلى القبول أسرع وفي الإعجاز أبلغ ومنها أنها إن أخل بالوقوف عليها في موضع أدركها في غيره فلم يخل من رغب ورهب.
الإعجاز في الأسلوب
والوجه الثالث: من إعجازه أن نظم أسلوبه ووصف اعتداله يخرج عن منظوم الكلام ومنثوره ولا يدخل في شعر ولا رجز ولا سجعة ولا خطبة حتى تجاوز محصور أقسامه وباين سائر أنواعه بأسلوب لا يشاكل «٧» ونظم لا يماثل فصار وإن كان من حروف الكلام خارجا عن أقسام الكلام فقد قال أنيس الغفاري وهو أخو أبي ذر الغفاري وكان من الموصوفين بالتقدم في البلاغة والفصاحة عرضت القرآن على السجع والشعر والنظم والنثر فلم يوافق شيئا من طرق كلام العرب.
وحكي عن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان سيد عشيرته وأفصح قومه أنه جاء إلى أصحاب رسول الله ﷺ وهو على كفره فقال: اقرأوا عليّ شيئا من القرآن فقرأوا عليه فقال: ليس هذا من كلام البشر وليس بشعر، فمضى إليه أبو لهب وقال: أفسدت قريشا بهذا القول فارجع عنه فقال: أقول أنه سحر
_________________
(١) سورة الحجر من الاية (٩٤) .
(٢) لا يشاكل: لا يؤتى بما يشابهه شكلا أو معنى.
[ ٧٦ ]
وقد تعاطاه من الشعراء ما خرج عن أسلوبه إلى طريقة شعره فقال في قصة الفيل:
ألا من مهلك الفيل ومن سار مع الفيل
بطير صبه الله عليهم من أبابيل
رمتهم بجنادل ترى من طين سجيل
فأضحى القوم في القاع كعصف غير مأكول
فلم يساعده الطبع عليه مع أخذ معانيه واستعمال ألفاظه حتى عاد إلى مطبوع شعره وضمن آخر من الشعراء شيئا منه في شعره فخرج عن أسلوبه حيث يقول:
وقرأ معلنا ليصدع قلبي والهوى يصدع الفؤاد السقيما
أرأيت الذي يكذب بالدين ذاك الذي يدع اليتيما
فإن قيل لو كان لنظم القرآن أسلوب معجز لما طلب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عند جمع القرآن من يأتيه بالآية والآيتين شهودا أنه سمعه من رسول الله ﷺ ولا كتفى بأسلوب نظمه عن بينة تشهد به، ولكان لا يشتبه على ابن مسعود في المعوّذتين حين أخرجهما من القرآن ولا على أبيّ بن كعب في القنوت حين أدخله في القرآن ولا على امرأة ابن رواحة في شعره حتى توهمته من القرآن فعنه جوابان:
أحدهما: أن عمر التمس الشهادة في الآية والآيتين مما لا يكون بانفراده معجزا لأن الإعجاز مختص بما وقع به التحدي وأقل ما يقع به التحدي كأقصر سورة في القرآن آيات وحروفا وهي سورة الكوثر، وما قصر عنه لا إعجاز فيه فكان طلبه للشهادة متوجها إليه.
والثاني: أنه طلب الشهادة على محلها من أي سورة هي وفي أي موضع منها وإن كان معلوم الأسلوب بالمباينة لأن الله تعالى كان يأمر بوضع ما أنزله فيما يراه من السور لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
«٨» فأما ابن مسعود فلم
_________________
(١) سورة القيامة الآية (١٧) .
[ ٧٧ ]
يشكل عليه أسلوب المعوذتين أنهما من القرآن وإنما حكمهما من مصحفه لأنه ظن أن تلاوتهما قد نسخت.
وأما أبيّ بن كعب فظن أن تلاوة القنوت باقية ولم يعلم أنها قد نسخت، وأما امرأة ابن رواحة فلم تكن من ذوي الفصاحة والبلاغة فتفرق بين الشعر وأسلوب القرآن فلم يكن لوهمها تأثير.
الإعجاز في الإيجاز وجزالة المعاني
والوجه الرابع: من إعجازه كثرة معانيه التي لا يجمعها كلام البشر وذلك من وجهين:
أحدهما: ما يجمعه قليل الكلام من كثير المعاني كقوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ «٩» فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
والثاني: أن ألفاظه تحتمل معاني متغايرة تحار فيها العقول وتذهل فيها الخواطر وتكل فيها القرائح ثم لا تبلغ أقصاه ولا تدرك منتهاه حتى اختلفت فيه الوجوه وتقابلت فيه النظائر.
فإن قيل: فهذا إلغاز ورمز هو بالذم منه أولى بالحمد فعنه جوابان:
أحدهما: أن الإلغاز وإن ذم فالرمز ليس بمذموم وليس فيه لغز وإن كان فيه رمز.
والثاني: إن ما اختلفت معانيه يخرج عن اللغز والرمز لأن اللغز ما أريد به غير معناه والرمز ما خفي معناه.
الإعجاز العلمي
والوجه الخامس: من إعجازه ما جمعه القرآن من علوم لا يحيط بها بشر
_________________
(١) سورة القصص الآية (٧) .
[ ٧٨ ]
ولا تجتمع في مخلوق فلم يكن إلّا من عند الله المحيط بكل شيء علما حتى علمه من لم يكن به عالما.
فإن قيل: فضل العلم لا يكون إعجازا في النبوّات لأن العلماء قد يتفاضلون ولا يكون للأفضل إعجاز على المفضول فعنه جوابان:
أحدهما: أن التفاضل في العلم موجود والإحاطة بجميع العلوم مفقودة «١٠» .
والثاني: أن ظهور العلم فيمن يتعاطاه ليس بمعجز لظهوره من جهته وظهور العلم فيمن لم يتعاطه معجزا لظهوره من غير جهته وقد كان أميا من أمة أميّة لم يقرأ كتابا ولم يتعاط علما فصار ما أظهر معجزا.
الإعجاز في الدلائل والبراهين
والوجه السادس: من إعجازه ما تضمنه من الحجج والبراهين على التوحيد والرجعة وعلى الدهرية والثنوية حتى قطع بحجاجه كل محتج وخصم بجدله كل خصم ألدّ.
فإن قيل: فدلائل التوحيد مستفادة بالعقول فلم يكن فيها إعجاز من وجهين:
أحدهما: وجودها من ذاته.
والثاني: مشاركته فيها لغيره، والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه لم يكن من أهل الجدل فيقطع كل مجادل.
والثاني: أنه أحتج للرجعة بما زاد على قضايا العقول فخصم «١١» كل عاقل.
_________________
(١) وقد ذكر فيه من العلم أشياء لم تعرف في عصر الرسول ﷺ ولا بعده ولم تكشف إلا مؤخرا كالتقاء البحرين المالحين وعدم امتزاج مائهما وقد تم كشف هذه الظاهرة في العام الماضي والحديث عنها يطول والأمثلة كثيرة.
(٢) خصم كل عاقل: غلبه بالحجة.
[ ٧٩ ]
الإعجاز في الإخبار عن الماضي
والوجه السابع: من إعجازه ما تضمنه من أخبار القرون الخالية وقصص الأمم السالفة، وما تحداه به أهل الكتاب من قصة أهل الكهف وشأن موسى والخضر وحديث ذي القرنين فكان على ما ذكره أنبياؤهم وتضمنته كتبهم.
فإن قيل: فالإخبار بما كان ليس بمعجز لأن علم غير الأنبياء به ممكن فعنه جوابان:
أحدهما: أنه ممكن فيمكن علمها وممتنع فيم لم يعلمها ولم يكن من أهلها فيعلمها فصار معجزا ممتنعا.
والثاني: أنهم اقترحوا تحديه مما لم يكن مبتدئا ولا كان له متناهيا من غوامض أسرار وغرائب أخبار جعلوها حجاجا له وعليه ففصح بالجواب عن سرائرها وصدع بنعت غوامضها فخرج عن العرف إلى ما ليس بعرف فصار معجزا.
الإعجاز بالإخبار عن الغيب
والوجه الثامن: من الإعجاز ما تضمنه من علم الغيب بأخبار تكون فكانت كقوله لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١٢» ثم قال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ «١٣» فما تمناه أحد منهم، وكقوله لقريش: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «١٤» فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا وكقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «١٥» وكان ذلك في يوم بدر وكقوله تعالى في هجرته من مكة إلى المدينة: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ «١٦» فأعاد الله إلى مكة عام الفتح إلى غير ذلك من نظائره.
_________________
(١) سورة البقرة الآية (٩٤) .
(٢) سورة البقرة الآية (٩٥) .
(٣) سورة البقرة الآية (٢٤) .
(٤) سورة القمر الآية (٤٥) .
(٥) سورة القصص الآية (٨٥) .
[ ٨٠ ]
فإن قيل: فقد يكون ذلك حدسا بشواهد الأفعال وفراسة بفضل الألمعية وقوة الفطنة، فعنه جوابان:
أحدهما: أن الحدس والفراسة وإن أصاب بهما تارة فقد يخطىء بهما أخرى وهذا إصابة في الجميع فخرجت عن الحدث والفراسة إلى علم من لا تخفى عليه الغيوب.
والثاني: أن الحدس والفراسة توهم غير مقطوع بهما قبل الوجود وهذه أخبار بأنه مقطوع بها قبل الوجود فافترقوا.
الإعجاز بالإخبار عمّا في النفوس من أسرار
والوجه التاسع: من إعجازه ما فيه من الأخبار بضمائر القلوب التي لا يصل إليها إلّا علّام الغيوب كقوله: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا «١٧» من غير أن يظهر منهم قول أو يوجد منهم فشل وكقوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ «١٨» فكان كقوله، «وإن لم يتكلموا به» إلى غير ذلك من نظائره.
فإن قيل: فالجمع الكثير تخلف ضمائرهم في العرف فإن وجد ذلك في بعضهم لم يوجد في جميعهم، فإن لم يخل أن يعقده بعضهم خلا منه بعضهم فتقابل القولان فيهم وبطل إعجازه معهم، فعنه جوابان:
أحدهما: أنهم وجهوا بهذا الخبر على العموم فلم ينكروه فزال هذا التفصيل فصار معجزا.
والثاني: أنه جعله ذنبا لهم فلم ينتضلوا منه فدل على وجوده من جميعه.
الإعجاز في الألفاظ
والوجه العاشر: من إعجازه أن ألفاظ القرآن قد تشتمل على الجزل
_________________
(١) سورة آل عمران من الآية (١٢٢) .
(٢) سورة الأنفال الآية (٧) .
[ ٨١ ]
المستغرب والسهل المستقرب فلا يتوعر جزله ولا يسترذل سهله ويكونان إذا اجتمعا مطبوعين غير متنافرين ولا نجد ذلك في غيره من كلام البشر لأن جزله يتوعر وسهله يسترذل والجمع بينهما يتنافر فصار من هذا الوجه مباينا وفي الإعجاز داخلا.
فإن قيل: إنما كان القرآن كذلك لأنه قد تواطأ بكثرة التلاوة فاستلذته الأسماع واستحلته الألسن، ولولاه لتباين واختلف فعنه جوابان:
أحدهما: أن صفته عند أول سماعه. لو كانت لما ذكر من الكلام المختلف لا يتواطأ بكثرة ذكره فبطلت العلة.
الإعجاز في التلاوة
والوجه الحادي عشر: من إعجازه أن تلاوته تختص بخمسة بواعث عليه لا توجد في غيره:
أحدها: هشاشة مخرجه.
والثاني: بهجة رونقه.
والثالث: سلاسة نظمه.
والرابع: حسن قبوله.
والخامس: أن قارئه لا يكل وسامعه لا يمل وهذا في غيره من الكلام معدوم
فإن قيل: إنما وقع في النفوس هذا الموقع فعنه جوابان:
أحدهما: أن هذا موجود في غيره من كتب الله تعالى كالتوراة والإنجيل والزبور، وليس يوجد ذلك فيها مع وجود هذا التعليل ولذلك ما استعان أهلها على استحلاء تلاوتها بما وضعوه لها من الألحان واستعذبوه لها من الأصوات، والقرآن مستغن عن هذا بصيغة لفظه فلذلك ما راع وهيج الطباع.
والثاني: التدين لا يسلب العقول تمييزها ولا يفسد عليها تصورها وهو
[ ٨٢ ]
بأن يزيدها بصيرة أولى أن ينقصها ولو كان لهذة العلة لجحده من كفر كما اعترف به من آمن وقول الجميع فيه سواء.
الإعجاز في كونه معصوما من الزلل محفوظا لفظا ومعنى
والوجه الثاني عشر: من إعجازه، أنه منقول بألفاظ منزّلة ومعان مستودعة وبلغه الملك بلفظه وعلى نظمه وأداه الرسول إلى الأمة بمثله فلم ينخرم فيه لفظ ولا اختل فيه معنى ولا تغير له ترتيب حتى صار من الزلل مضبوطا ومن التبديل محفوظا تستمر به الأعصار على شاكلته وتتداوله الألسن مع اختلاف اللغات على نظمه وصفته لا يختل بتعاقب الأزمنة ولا يختل بتباعد الأمكنة ولا يتغير باختلاف الألسنة، وغيره من الكتب مقصورة على حفظ معانيها وإن غويرت ألفاظها فإن التوراة ألقى الله تعالى معانيها إلى موسى ﵇ فذكرها بلفظه وعبر عنها بكلامه.
وأما الإنجيل فهو ما أخبر به عيسى ﵇ عن ربه وعن نفسه فجمعه تلامذته بألفاظهم وجعلوه كتابا متلوا.
وأما الزبور فأدعية بتحاميد وتسابيح تنسب إلى داود عن لفظه، ولئن كانت معاني هذه الكتب مضافة إلى الله تعالى فليست بصيغة لفظه ولا على نظم كلامه كما نزل القرآن جامعا لألفاظه ومعانيه وترتيبه فصار مباينا لجميع كتبه، وما هذا إلّا بمعونة إلهية حفظ الله تعالى بها إعجازه وأمدّ بها رسوله كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١٩» .
فإن قيل: فحفظ الكلام على صيغة لفظه واشتمال معانيه لا يكون معجزا كأشعار الجاهلية القدماء وأمثال من سلف من الحكماء «٢٠»، فعنه جوابان:
أحدهما: أن في هذا محولا ومتروكا فلم ينحفظ.
والثاني: أنه لا يعلم حاله فلم ينضبط والقرآن مخالف لهما في حفظه وضبطه.
_________________
(١) سورة الحجر الآية (٩) .
(٢) وكل هذا دخله التزوير والنحل والإنتحال والتبديل
[ ٨٣ ]
الإعجاز في شمولية معانيه
والوجه الثالث عشر: من إعجازه، إقتران معانيه المغايره واقتران نظائرها في السور المختلفة فيخرج في السورة من وعد إلى وعيد ومن ترغيب إلى ترهيب ومن ماض إلى مستقبل ومن قصص إلى مثل ومن حكم إلى جدل فلا ينبو ولا يتنافر، وهي في غيره من الكلام متنافرة فتتجانس معانيها وكذلك هي في غيره من الكتب المنزلة مفصلة لكل نوع سفر، فإن التوراة مقسومة على خمسة أسفار وكل سفر منها مفرد بمعنى واحد من المعاني المستودعة فيها:
فالسفر الأول: لذكر بدء الخلق.
والسفر الثاني: لخروج بني إسرائيل من مصر.
والسفر الثالث: لأمر القرابين.
والسفر الرابع: لإحصاء موسى بني إسرائيل وما دبرهم به.
والسفر الخامس: لتكرير النواميس وجعل اختلاف معانيها موجبا لتفاضلها، فكان أفضل ما في التوراة عند اليهود الكلمات العشر المشتملة على الوصايا التي خاطب الله تعالى بها موسى وبها يستحلفون دون غيرها «٢١» .
وأفضل ما في الإنجيل الصحف الأربعة المنسوبة الى تلامذة المسيح الأربعة «٢٢» وهي المخصوصة بالقراءة في الصلاة والأعياد وأفضل ما في الزبور ما اتفق أهل الكتابين على اختياره وما اشتمل عليه القرآن من تغايرها، أولى من وجهين:
أحدهما: أن لا يختص قارئه بأحدها فيعدل عن غيره.
والثاني: أن يستوعب إذا أراد جميعها قراءة جميعه فيستكمل فوائده ويستجزل ثوابه.
_________________
(١) جاء في الموسوعة اليهودية المجلد ١١ ص ٥٨٩ ما يلي حول التوراة الموجودة: «وما زال الرّبيون يعنون بتناقضات واختلافات وردت في هذه الصحف وما زالوا يصلحونها بحكمتهم ولباقتهم» فتأمل.
(٢) المقصود إنجيل متى وإنجيل مرقس وإنجيل لوقا وإنجيل يوحنا وقد تحدثنا عنها مطوّلا في كتابنا قصص القرآن الكريم فليراجعه من أراد.
[ ٨٤ ]
فإن قيل: فالتفصيل أبلغ في البيان من الامتزاج فالجواب عنه ما ذكرناه من الوجهين.
الإعجاز في تماسك بيانه
والوجه الرابع عشر: من إعجازه أن اختلاف آياته في الطول والقصر لا يخرج عن أسلوبه ولا يزول عن اعتداله وغيره من نظم الكلام ونثره إذا تفاصلت أجزاؤه زال عن وزن منظومه واعتدال منثوره فصار ذلك من إعجازه.
فإن قيل: زيادة طوله هذر ونقصان قصره حصر فكيف يكون معجزا إذا تردد بين هذر وحصر، فعنه جوابان:
أحدهما: أن الزيادة تكون هذرا إذا لم تفد والنقصان يكون حصرا إذا لم يقنع والزيادة من طوله مفيدة والنقصان من قصره مقنع فخرج عن الهذر والحصر.
والثاني: أن الطويل لو انفرد لم يكن هذرا والقصير لو انفرد لم يكن حصرا فلم يكن اجتماعهما موجبا لهذر وحصر كاختلاف السور في القصر والطول، فإن أقصر السور سورة الكوثر، وتشتمل مع قصرها على أربعة معان أخبار بنعمة وأمر بعبادة وبشرى بمسرة وأسلوب هو معجزة فلم تخرج إذا قرنت بما هو أطول أن تكون معجزة.
الإعجاز في عدم القدرة على الإحاطة بمعانيه
والوجه الخامس عشر: من إعجازه أن مكثر تلاوته لا يزاد به فصاحة وإن ازداد بغيره من فصيح الكلام لخروجه عن طباع البشر فمازجها فصار أسلوبه معجزا في الحالين وعلى كلا الوجهين.
فإن قيل: ما لا يؤثر في الطباع ناقص عن الكمال فكيف يوصف بالكمال، فعنه جوابان:
أحدهما: أن كماله فيه فلم تعديه.
والثاني: أن كماله يوجب المنع من تساويه.
[ ٨٥ ]
الإعجاز في سهولة حفظه
والوجه السادس عشر: من إعجازه تيسيره على جميع الألسنة حتى حفظه الأعجمي الأبكم «٢٣» ودار به لسان القبطي الألكن «٢٤» ولا يحفظ غيره من الكتب كحفظه ولا تجري به ألسنة البكم كجريها به، وما ذاك إلّا بخصائص إلهية فضّله بها على سائر كتبه «٢٥» .
فإن قيل: فقد يحفظ الشعر كحفظه والعلة فيه اعتدال وزنه الذي يحفظ بعضه بعضا فلم يكن ذلك معجزا، فعنه جوابان:
أحدهما: أن ما اندرس من الشعر أكثر مما حفظ وهذا محفوظ لم يندرس فاختلفا.
والثاني: ما لم تستعذ به الأفواه متروك، والقرآن مستعذب غير متروك فافترقا.
الإعجاز في عدم القدرة على الإتيان بمثله
والوجه السابع عشر: من إعجازه أن الكلام يترتب ثلاث مراتب منثور يدخل في قدرة الخلق وشعر هو أعلى منه يقدر عليه فريق ويعجز عنه فريق وقرآن هو أعلى من جميعها وأفضل من سائرها تجاوز رتبة النوعين فخرج عن قدرة الفريقين.
فإن قيل: لو كان القرآن برهانا معجزا لخرج كثيره وقليله عن القدرة، وقليله مقدور عليه وهو أن يجمع بين ثلاث كلمات منه أو أربع، فكذلك كثيره لأن الشيء إذا دخلت أوائله في جنس الممكن خرجت أواخره من جنس الممتنع، فعنه جوابان:
_________________
(١) الأبكم: الذي يحفظه دون أن يفقه لغته.
(٢) الذي يقرأه بلكنته أي بلهجته البعيدة عن صفاء العربية.
(٣) التوراة والأناجيل ترجمت ألفاظها ومعانيها لعدم وجود إعجاز لغوي فيها أما القرآن فلا تترجم إلا معانيه وحسب الشروح المعتمدة من الشارح.
[ ٨٦ ]
أحدهما: أن قليله وكثيره خارج عن القدرة إذا انتظم إعجازه وهو كأقصر سورة منه فبطل هذا الاعتراض.
والثاني: أنه ليس القدرة على الكلمة والكلمتين منه قدرة على استكمال ما يقع من التحدي كالمفحم في الشعر لا تكون قدرته على الكلمة والكلمتين من بيت من الشعر قدرة على نظم بيت كامل من الشعر.
الإعجاز في عدم القدرة على الزيادة فيه أو إنقاصه
والوجه الثامن عشر: من إعجازه أن الزيادة فيه ممتازة وتغيير ألفاظه منه مفتضحة ولو كان في القدرة لالتبس ولو أمكن لاشتبه.
فإن قيل: فقد زيد فيه فالتبس واشتبه وهو أن النبي ﷺ لما نزلت عليه سورة النجم بمكة قرأها في المسجد الحرام حتى بلغ إلى قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «٢٦» ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى ثم تمم السورة وسجد فسجد معه المسلمون وفرح المشركون فسجدوا معه ورضيت كفار قريش به وسمع به من هاجر إلى أرض الحبشة فعادوا إلى أن أنكر عليه جبريل فشق عليه ونزل فيه قوله تعالى:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ «٢٧» قالوا: ومعلوم أن هذه الزيادة هي في مثل أسلوب السورة وليست من الله تعالى وقد اشتبهت فلم لا كان ما سواها بمثابتها، فعنه جوابان:
أحدهما: أن هذه زيادة لا تبلغ قدر التحدي فخرجت عن حكمه.
والثاني: أنه أنزل فيها التي عندهم أيها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى، فاشتبه على قريش وحذفوا منه قوله التي عندهم فنسخ الله تعالى لهذا الأشتباه تلاوة هذه الزيادة.
_________________
(١) سورة النجم الآيتان (١٩- ٢٠) .
(٢) سورة الحج الآية (٥٢) .
[ ٨٧ ]
الإعجاز في العجز عن معارضته
والوجه التاسع عشر: من إعجازه عجز الأمم عن معارضته وقد تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فلم تخرجهم أنفة التحدي وصبروا على نغص العجز مع شدة حميتهم وقوة أنفتهم وقد سفه أحلامهم وسب أصنامهم ولو وجدوا إلى المعارضة سبيلا وكان في مقدورهم داخلا، وقد جعله حجة لهم في رد رسالته لعارضوه ولما عدلوا عنه إلى بذل نفوسهم في قتاله وسفك دمائهم في محاربته.
فإن قيل: فليس يمتنع أن يكونوا قد عارضوه بمثله فكتم كما كتم ما هجي به من الأشعار وقرف به من العار، فعنه جوابان:
أحدهما: أنهم لو عارضوه لظهر ولو ظهر لانتشر لأن تكاتم الاستفاضة لا تستطاع لما في الطباع من الإذاعة وفي نفثات الصدور من الإشاعة ولقيل قد عورض فكتم كما قيل هجي فكتم، ولو جاز هذا في معارضة القرآن لجاز مثله في معجزة كل نبي أن يقال قد عورض معجزة فكتم فيفضي إلى إبطال كل معجز، وهذا مدفوع في معارضة غير القرآن فكان مدفوعا في معارضة القرآن.
والثاني: أنه قد جعل معارضته حجة لهم في رد رسالته فلو عارضوه لاحتجوا عليه بالمعارضة ولما احتاجوا معه إلى القتال والمحاربة مع بذل النفوس واستهلاك الأموال ولدفعوه بالأهون دون الأصعب وقد نقل ما عورض به فظهر فيه العجز وبان فيه النقص حتى فضحته ركاكة لفظه وسخافة نظمه.
فحكى ابن قتيبة عن مسيلمة أنه قال في معارضة القرآن: يا ضفدع نقي، كم تنقين، لا الماء تكدرين ولا الشراب تمنعين، فلما سمع هذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه قال: إن هذا الكلام لم يخرج من إل «٢٨» .
وحكي عن غيره وأحسبه العنسي أنه قال: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة تسعى من بين شراسيف وحشى.
_________________
(١) إل: أصل جيد، أو منشأ طيب وهو المقصود هنا. والإل أيضا: الوحي وكل ما له حرمة.
[ ٨٨ ]
وحكي عن آخر: الفيل ما الفيل له ذنب وثيل ومشفر طويل فإن ذلك من خلق ربنا لقليل.
وحكى الحكم عن عكرمة أن النضر بن الحرث وكان من فصحاء قريش عارض القرآن فقال: والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا فاللاقمات لقما.
وقال آخر: قد أفلح من هينم في صلاته وأطعم المسكين من مخلاته وأخرج الواجب من زكاته.
وقال آخر في معارضة سورة النجم: والنجم إذا سما والبحر إذا طما ما زاغ منذركم وما طغى وما كذب بها وغوى فيما نطق به وروى، فأنزل الله تعالى في ذلك: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ «٢٩» فهذه المعارضة وقد احتذوا فيها مثالا عدلوا بها عن طوال السور إلى فصارها فأتوا بسقيم الكلام دون سليمه وبسخيفه دون جميله، فكيف يقابل له غايته القصوى ويوازي به طبقته العليا، وهل ذلك إلّا كمن عارض فصاحة سحبان بعي باقل أو تخليط مجنون بحزم عاقل أو قاس الدر بالمدر وشاكل بين الصفو والكدر، ومن تعاطى ما ليس في طبعه افتضح فخر صريعا وهوى سريعا.
الإعجاز في الصرف عن معارضته
الوجه العشرون: من إعجازه الصرفة عن معارضته واختلف من قال بها هل صرفوا عن القدرة على معارضته أو صرفوا عن معارضته مع دخوله في مقدورهم على قولين:
أحدهما: أنهم صرفوا عن القدرة ولو قدروا لعارضوه.
والقول الثاني: أنهم صرفوا عن المعارضة مع دخوله في مقدورهم.
_________________
(١) سورة الأنعام الآية (٩٣) .
[ ٨٩ ]
والصرفة إعجاز على القولين معا في قول من نفاها وأثبتها فخرقها للعادة فيما دخل في القدرة.
فإن قيل: فإن عجزوا عن معارضته بمثله لم يعجزوا عن معارضته بما تقاربه وإن نقص عن رتبته، والمعجز ما لم يمكن مقاربته كما لا يمكن مماثلته فعنه جوابان:
أحدهما: أن مقاربته تكون بما في مثل أسلوبه إذا قصر عن كماله والأسلوب ممتنع فبطلت المقاربة وثبت الإعجاز.
والثاني: أن المقاربة تمنع من المماثلة والتحدي إنما كان بالمثل دون المقاربة.
جامع الإعجاز
فإذا ثبت إعجاز القرآن من هذه الوجوه كلها صح أن يكون كل واحد منها معجزا فإذا جمع القرآن سائرها كان إعجازه أقهر وحجاجه أظهر وصار كفلق البحر وإحياء الموتى لأن مدار الحجة في المعجزة إيجاد ما لا يستطيع الخلق مثله سواء كان جسما مخترعا أو جرما مبتدعا أو عرضا متوهما.
فإن قيل: أفيعتبرون عجز العرب العاربة عنه دون المولدين أو عجز الجميع.
قيل: فيه خلاف بين أهل العلم على وجهين:
أحدهما: أن المعتبر فيه عجز الجميع ليكون أعم.
والوجه الثاني: معتبر فيه عجز العرب العاربة دون المولدين ليكون معتبرا بمن يلجأ إلى طبعه ولا يعول على تكلفه وتعلمه. وهكذا اختلفوا هل يعتبر فيه عجز أهل عصره أو في جميع دهره على هذين الوجهين:
أحدهما: يعتبر فيه عجز أهل العصر لأنهم حجة على أهل كل عصر.
والوجه الثاني: أنه يعتبر فيه عجز أهل كل عصر لعموم التحدي فيه لأهل كل عصر.
[ ٩٠ ]
فإن قيل: فليس عجز كل الانس عن مثله موجبا لإضافته إلى الله تعالى لجواز أن تكون الشياطين أعانت عليه حتى خرج عن مقدور الإنس كما أعانت سليمان على ما عجز عنه الإنس فعنه أجوبة:
أحدها: أن هذا يتوجه على موسى في فلق البحر وعلى عيسى في إحياء الموتى، ويقدح في جميع النبوّات فلم يجز لمن أثبتها أن يخص به بعض المعجزات.
والجواب الثاني: أن الشياطين لم يعرفوا إلّا من الرسل ولولاهم لما علم الناس أن في الدنيا شيطانا ولا جنا ولا جانا وقد جهل الرسل بلعنهم ودعوا إلى معصيتهم ولو كانوا أعوانا لدعوا إلى طاعتهم وموالاتهم لأن معونة من أطيع وولي أحق من معونة من عصى وعودي.
والجواب الثالث: أن الشياطين لا يقدرون على ذلك إلّا بمعونة الله تعالى لهم وهو لا يعين كاذبا عليه فإن كان عن أمره كان معجزا لأنه من فعله، وعلى هذا كان تسخير سليمان للجن والله تعالى غني عن الشياطين أن يكونوا سفراء إلى رسله وأعوانا لأنبيائه وهم ينهون عن طاعته ويدعون إلى معصية هذا القرآن وقد تحدى به الجن كما تحدى به الإنس بقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا «٣٠»، وحكى عنهم عجزهم عنه بقوله تعالى: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ «٣١» .
القرآن كلام رب العالمين
فإذا تقررت هذه الجملة في إعجاز القرآن فبإعجازه يعلم أنه من غير كلام البشر ولا يعلم أنه من عند الله تعالى إلّا بقول الرسول، فلو أراد الرسول أن يقول مثله لم يقدر عليه لأنه من البشر إلّا أن يمده الله تعالى بعون منه فيصير قادرا
_________________
(١) سورة الإسراء الآية (٨٨) .
(٢) سورة الجن الآيتان (١- ٢) .
[ ٩١ ]
عليه ومعجزا له لو لم يضف القرآن إلى الله تعالى فأما مع إضافته إليه فلا يكون معجزا له ويكون مصروفا عنه لأن ما أضيف إلى الله تعالى يمتنع أن يكون من غيره لدخوله في جملة الكذب ثم يصير القرآن أصلا للشرع ومعجزا للرسول فيجب على الأمة التزام أحكامه وطاعة الرسول.
واختلف في لزوم طاعته هل وجبت بعد ثبوت رسالته بالعقل أو بالشرع على وجهين:
أحدهما: بالعقل لأن طاعة الرسول طاعة المرسل.
والوجه الثاني: بالشرع بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «٣٢» لأن الرسول مبلغ.
وإذا كان القرآن أصلا للشرع فقد اختلف العلماء في حد الأصل والفرع على وجهين:
أحدهما: أن حد الأصل ما دل على غيره وحد الفرع ما دل عليه غيره، فعلى هذا يكون القرآن فرعا لعلم الحس لأنه الدال على صحته.
والوجه الثاني: أن الأصل ما تفرع عنه غيره والفرع ما تفرع عن غيره، فعلى هذا يمتنع أن يكون القرآن فرعا لعلم الحس لأن الله تعالى تولاه وجعله أصلا دل العقل عليه.
واختلف العلماء في إبلاغ الرسول هل يكون أمرا أو إعلاما، فقال بعضهم
يكون أمرا لا يلزم الأمة أحكامه لو عرفوه قبل إبلاغه.
والوجه الثاني: يكون إعلاما ويلزمهم أحكامه لو عرفوه قبل إبلاغه ويجوز أن يعلم جميع الأحكام الشرعية من القرآن ولا يجوز أن يعلم جميعها من الإجماع ولا من القياس لأنهما ينعقدان عن أصل مسموع.
_________________
(١) سورة النساء الآية (٥٩) .
[ ٩٢ ]
واختلف في جواز العلم بجميعها من سنة الرسول فجوزه بعضهم لقوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٣٣» وامتنع منه بعضهم لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٣٤» والله تعالى أعلم.
_________________
(١) سورة الحشر الآية (٧) .
(٢) سورة النجم الآيتان (٣- ٤) .
[ ٩٣ ]