من ذلك قوله: «زُوِيت لي الأرض، فأُرِيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أمتي ما زُوي لي منها»، وقد وجدنا مُلك أمته وَغَلَ في مشارق الأرض ومغاربها وغُولًا لم يبلغه مُلك قط. فإن احتج محتج بما لم يبلغه ملك أمته في المشارق والمغارب؛ كالصين
[ ٢٣٥ ]
والروم والهند والحبشة، قلنا له لم نُرِد بقوله: «وسيبلغ ملك أمتي» كل المشارق وكل المغارب، وإنما أراد أن الله زوى له، أي: جمع له من المشارق والمغارب ما يبلغه ملك أمته، ومن الكلام عام يراد به خاص، كقولهم: طفت البلاد؛ وإنما طاف بعضها، وملكت العباد؛ وإنما ملك بعضهم، وشربت ماء البحر؛ وإنما شرب جرعة منه، وأتاني الناس؛ وإنما جاءته جماعة منهم. ويدلك أنه لم يرد الجميع، قوله: «وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها»، أي: سيبلغ ملكها المزوي لي من الأرض دون غيره.
خبر آخر:
ومن ذلك قوله لعدي بن حاتم: «كَيف بك إذا خَرجتْ الظَّعِينَةُ من أقصى قصور اليمن، إلى قصور الحِيرَةِ لا تخاف إلا الله»، قال عدي: قلت: يا رسول الله، كيف بِطَيِّئٍ ومَقَانِبِهَا؟ قال: «يكفيها الله طَيِّئًا وما سواها».
وقد وجدنا ذلك كما ذكر، بعد أن كان لا يستطيع أن يمر بالناحية أحد؛ لقلة الماء وطلب الأعراب، وقد تقدمت كتب الله تعالى بمثل قوله.
[ ٢٣٦ ]
قال شعيا: «وتشق في البادية مياه، وسواق في الأرض والفلاةُ، وتكون الفيافي والأماكن العطاش ينابيع ومياهًا، وتصير هناك محجة وطريق الحرام، ويقال أنه لا يمر به أنجاس الأمم، والجاهل به لا يضل هناك، ولا يكون به سباع، ويكون ممر المخلصين».
وفي فصل آخر من أشعيا:
«ليفرح أهل البادية العطشى، ولتبتهج البراري والفلوات، وليخرج نورًا كنور الشنْبليد ولتزه، لأنها ستعطى … بأحمد محاسن لبنان، وكمثل حسن البستان والرياض».
خبر آخر:
ومن ذلك قوله - ﵁ - لأبي عمرو النخعي، وقد قص عليه رؤيا رآها، ومنها: «رأيت نارًا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي؛ يقال له: عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظي، بصيرٌ وأعمى، أطعموني أكلكم كلكم، أهلكم ومالكم»، فقال رسول الله: «تلك فتنةٌ تكون في آخر الزمان»، قال أبو عمرو: «وما الفتنة يا رسول الله؟» قال:
[ ٢٣٧ ]
«يقتل الناس إمامهم، ثم يشْتَجِرُونَ اشْتِجَارَ أطباق الرأس، يحسب المسيء أنه محسن، ودم المؤمن عند المؤمن أحَلُّ من شرب الماء».
وقد رأينا مصداق ذلك مثل قتل المتوكلِ؛ جعفر بن المعتصم، يدلك على ذلك قوله: «فتنة تكون في آخر الزمان»، [وقبله كان أول الفتنة، ونحن في آخر الزمان].
خبر آخر:
ومن ذلك أنه نَعى النجاشي وخبّر أصحابه بموته وصلى عليه، وتتابعت الأخبار من كل ناحية أنه مات في ذلك اليوم
[ ٢٣٨ ]
خبر آخر:
ومن ذلك قوله لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»، فقُتل يوم صفين مع علي بن أبي طالب - ﵀ -، وذكر عمرو بن العاص لمعاوية - ﵁ -، ما رواه عبد الله ابنه، من قول النبي لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»، فقال معاوية: لا تزال تأتينا بهنة تحض بها في بولك، أنحن قتلناه؛ إنما قتله الذي جاء به. ولو لم يكن الأمر صحيحًا عند معاوية؛ لقال له: كذب ابنك. ولم يحتج إلى هذه الحيلة الضعيفة والتأويل البعيد.
[ ٢٣٩ ]
خبر آخر:
ومن ذلك قوله لعلي بن أبي طالب: «أشقى الناس عاقر الناقة، والذي يخضب من هنا هذه»، يعني: الذي يضربك على رأسك، فيخضب لحيتك من دم رأسك، فضُرب على رأسه حين قتل - ﵁ -.
خبر آخر:
ومن ذلك: قوله - ﷺ -: «اقتدوا بالذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر»، فأعلمنا بهذا القول أن الخليفة بعده يكون أبا بكر، وأن الخليفة بعد أبي بكر عمر.
[ ٢٤٠ ]
خبر آخر:
ومن ذلك قوله في حديث سفينة؛ وعبر رؤياه: «خلافة نبوة ثلاثين سنة، ثم يؤتي الله الملك لمن يشاء»، وكانت في هذه المدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - ﵃ -.
[ ٢٤١ ]
خبر آخر:
ومن ذلك قوله - ﷺ -: «مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نيامًا، ولهم إناء فيه ماء، وقد غطوا عليه، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم رددت الغطاء كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الآن تَصُوبُ من موضع كذا، يقدمها جمل أَوْرَق عليها غِرَارَتَان، إحداهما سوداء، والأخرى برقاء»، فابتدر القوم الثنية، فوجدوا ما وصف، وسألوا عن الإناء والماء، فوجدوا الأمر كما قال.
خبر آخر:
ومن ذلك أنه ضلت ناقته، فأقبل يسأل الناس عنها، فقال المنافقون: هذا محمد يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته. فأقبل فصعد المنبر: فحمد الله وأثنى عليه،
[ ٢٤٢ ]
ثم قال: وحكى قولهم، ثم قال: «وإني لا أعلم إلا ما علمني ربي، وقد أخبرني أنها في وادي كذا متعلق زمامها بشجرة»، فبادر الناس فوجدوها كذلك.
خبر آخر:
ومن ذلك قوله لخالد بن الوليد حين بعثه إلى أكيدر بدومة الجندل: «أما أنكم ستأتونه فتجدونه يصيد البقر»، فوجوده كذلك.
خبر آخر:
ومن ذلك قوله - ﷺ - لعباس عمه حين أسره: «افدِ نفسك وابنَيْ أخيك»،
[ ٢٤٣ ]
يعني: عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، «فإنك ذو مالٍ»، فقال: لا مال عندي. فقال: «أين المال الذي وضعته بمكة عند أم الفضل؟ وليس معك أحد، فقلت إن أُصبت في سفري فللفضل كذا، ولعبد الله كذا، ولفلان كذا»، فقال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري، وإنك لرسول الله وأسلم هو وعقيل.