في كتاب شعيا: «أنه ستمتلي البادية والمدن بقصور قيدار يسبحون، ومن رؤوس الجبال ينادون، هم الذين يجعلون لله الكرامة، ويبثون تسبيحه في البر والبحر»، وقال: «ارفع عَلَمًا لجميع الأمم من بعيد، فيُصفر لهم من أقاصي الأرض، فإذا هم سراع يأتون».
وبنو قيدار هم العرب، لأن قيدار هو ابن إسماعيل بإجماع الناس، والعَلَمُ الذي يرفع هو النبوة، والصفير بهم: دعاؤهم من أقاصي الأرض للحج، فإذا هم سراع يأتون،
[ ١٧٦ ]
وهو قول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
وفي موضع آخر من كتاب شعيا:
«سأبعث من الصَّبَا قوما، فيأتون من المشرق مجيبين بالتلبية أفواجًا، كالصعيد كثرة، ومثل الطيان الذي يدوس برجله الطين، والصَّبَا تأتي من مطلع الشمس، يبعث الله من هناك قومًا من خراسان ومن صاقبها، وممن هو نازل بمهب الصَّبَا، فيأتون مجيبين بالتلبية أفواجًا كالتراب كثرة»، ومثل الطيان الذي يدوس برجليه الطين، يريد أن منهم رجالة كالّين، وقد يجوز أن يكون أراد: الهرولة إذا طافوا بالبيت.
وقال في ذكر الحجر المسلم:
قال شعيا: «قال الرب السيد: ها أنا ذا مؤسس بصهيون، وهو بيت الله حجرًا، يحسنه في زاوية مكرمة، فمن كان مؤمنًا فلا يستعجلن، وأجعل العدل مثل: الشاقول، والصدق مثل: الميزان، فيهلك الذين وقعوا بالكذب». والحجر على ما ذكر الله - ﷿ - في زاوية البيت، والكرامة أن يلثم ويستلم.
[ ١٧٧ ]
وقال شعيا في ذكر مكة:
«سُرِّي واهتزِّي أيتها العاقر التي لم تلد، وانطقي بالتسبيح وافرحي إذ لم تحبلي، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي»، يعني بأهله: أهل بيت المقدس من بني إسرائيل، وأراد أن أهل مكة: يكونون بمن يأتيهم من الحجاج والعمّار أكثر من أهل بيت المقدس، فشبّه مكة بامرأة عاقر لم تلد، لأنه لم يكن فيها قبل النبي إلا إسماعيل وحده، ولم ينزل بها كتاب، ولا يجوز أن يكون أراد بالعاقر بيت المقدس؛ لأنه بيت الأنبياء ومهبط الوحي، فلا يشبه بالعاقر من النساء.
وفي شعيا أيضًا من ذكر مكة:
«قد أقسمت بنفسي؛ كقسم أيام نوح؛ أني لا أغرق الأرض بالطوفان، كذلك أقسمت أن لا أسخط عليك ولا أرفضك، وأن الجبال تزول، والتلاع تنحط، ونعمتي عليك لا تزول»، ثم قال: «يا مسكينة، يا مضطهدة، ها أنا ذا، بان بالحسن حجارتك، ومزينك بالجواهر، ومكلل باللؤلؤ سقفك، وبالزبرجد أبوابك، وتبعدين من الظلم، فلا تخافي من الضعف ولا تضعفي، وكل سلاح يصنع لا يعمل فيك، وكل لسان ولغة يقوم معك بالخصومة تفلحين معها».
[ ١٧٨ ]
ثم قال: «وسيسميك الله اسمًا جديدًا»، يريد أن سُمِّي المسجد الحرام، وكان قبل ذلك يُسمَّى الكعبة: «فقومي فأشرقي، فإنه قد دنا نورك ووقار الله عليك، انظري بعينك حولك، فإنهم مجتمعون، يأتوك بنوك وبناتك عَدْوًا، فحينئذ تسرين وتزهرين، ويخاف عدوك ويتسع قلبك، وكل غنم قيدار تجمع إليك، وسادات نباوث يخدمونك»، ونباوث هو: ابن إسماعيل، وقيدار هو: أبو النبي، وهو: أخو نباوث.
[ ١٧٩ ]
ثم قال: «وتفتح أبوابك دائمًا الليل والنهار لا تغلق، ويتخذونك قبلة، وتدعين بعد ذلك مدينة إليا»، أي: بيت الله تعالى.
وفي موضع آخر من شعيا:
«ارفعي إلى من حولك بصرك فستبتهجين وتفرحين؛ من أجل أنه تميل إليك ذخائر البحر، ويحج إليك عساكر الأمم؛ حتى تعمرك قطر الإبل الموبلة، وتضيق أرضك عن القطرات التي تجتمع إليك، وتساق إليك كباش مدين، ويأتيك أهل سبأ، ويسير إليك بأغنام قاذار. ويخدمك رجالات نباوث»، يعني: سدنة البيت، أنهم من ولد نباوث بن إسماعيل.
ذكر طريق مكة في شعيا:
وفي شعيا عن الله: «إني أعطي البادية كرامة، وبها الكرمال»،
[ ١٨٠ ]
وكرمال ولبنان: الشام وبيت المقدس، يريد: أجعل الكرامة التي كانت هناك بالوحي وظهور الأنبياء للبادية بالحج وبالنبي - ﷺ -.
ثم قال: «ويشق في البادية مياه وسواقي أرض الفلاة، ويكون الفيافي والأماكن العطاش ينابيع ومياها، ويصير هناك محجة، وطريق الحرام لا يمر به أنجاس الأمم، والجاهلية لا تصل هناك، ولا يكون به سباع ولا أسد، ويكون هناك ممر المخلصين».
وفي كتاب حزقيل أنه ذكر معاصي بني إسرائيل وشبههم بكرمة غذاها فقال: «لم تلبث تلك الكرامة أن قلعت بالسخطة، ورمى بها عن الأرض، وأحرقت السماء ثم ثمارها، فعند ذلك غرس عرش في البدو، وفي الأرض المهمة العطشى، وخرجت من أغصانها الفاضلة نار أكلت ثمار تلك؛ حتى لم يوجد فيها عصا قوية ولا قضيب».
[ ١٨١ ]
وذكر الحرم في كتاب شعيا:
فقال: «إن الذئب والحمل فيه يرعيان معًا، وكذلك جميع السباع لا تؤذي ولا تفسد في كل حرمي، ثم ترى بذلك الوحش إذا خرجت من الحرم، عاودت الذعر وهربت من السباع، وكان السبع في الطلب والحرص على الصيد؛ كما كان قبل دخوله الحرم».