الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، أنزله الله عليه زمن الشعر والبلاغة والخطابة والبيان، وجعله علمه لمَا جعل علم كل نبي من أشبه الأمور بما في زمانه المنبعث فيه، فكان لموسى صلى الله عليه: فلق البحر، والعصا،
[ ٢١١ ]
وتفجر الحجر في التيه بالماء، وأشباه ذلك زمن السحر، وكان لعيسى - ﵇ -: إحياء الموتى، وخلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، وأشباه ذلك زمن الطب، وقد تحداهم عليه في موطن بعد موطن؛ على أن يأتوا بسورة من مثله، وتعتبر سورة، وقرأ عليهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]، ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، يريد استدلوا بعجزكم على صدقه، واتقوا النار التي وعدكم بها في الآخرة، وقد ادعوا القدرة على ذلك من غير أن يأتوا بشيء، وحكاه الله عنهم، فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١]، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
فلا أتوه بسورة من مثله؛ إن كان ما ادعوه من إمكان ذلك حقا، فخذَّلوا عنه الناس، وفرقوا الأتباع، وشتتوا الجموع، واستراحوا من الحرب المخرجة عن المال والديار، وكفوا أنفسهم بأيسر المؤونة.
ومما يدل على استقرائهم القرآن، وتعجبهم من ألفاظه البارعة، ومعانيه اللطيفة، تشبيههم إياه بالسحر، يقول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٧].
كما قال الأولون للمسيح حين أتاهم بالآيات المعجزة؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، هذا سحر مبين، ولهذا قال الله ليثبِّته: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣].
[ ٢١٢ ]
والعرب تكني بالسحر: عما لطف ودق، واستميلت به القلوب، وبلغت به الحاجة، وعظم به الصغير، وصغر العظيم، ولذلك قالوا: «إن من البيان سحرا»، وقالوا: سحرني فلان بكلامه، أي: خدعني، وما فلان إلا ساحر، ولو كانوا يقدرون على مثله؛ ما شبهوه بالسحر، كالأطباء لو قدروا على مثل آيات المسيح، ما شبهوها بالسحر.
وفي هذا من قولهم نقض لقولهم، لو شئنا لقلنا مثل هذا: إن هذا إلا أساطير الأولين، وقلنا من قوم من أهل الزيغ والإلحاد، أوتوا طرفًا من البلاغة وحظا من البيان، أن يصنعوا شيئًا يقرب منه، مثل سورته، فلما وجدوه مكان النجم من يد المتناول، مالوا إلى السور القصار: كسورة الكوثر، وسورة الفتح، وأشباهها، لوقوع الشبهة على الجهال فيما قل عدد حروفه ولأن العجز إنما يظهر في التأليف والاتصال، فإذا قل التأليف وقعت الشبهة.
ومن قيلهم: ماذا في هذا؟ المطبوعون من العرب التشبيه بالسور القصار، فقال مسيلمة: «ياضفدع نُقِّي، كم تَنُقين، لا الماء تُكدِّرين، ولا الشراب تمنعين»، فلمَّا سمع هذا أبو بكر - ﵁ -، قال: «إنه لكلام لم يخرج من إِلّ».
[ ٢١٣ ]
وقال آخر: «ألم تر كيف فعل ربك بالحُبْلى، أخرج من بطنها نَسمَةً تسعى، من بين شراسيف وأحشى».
وقال آخر: «الفيل وما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وَثِيْل، ومشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل».
وهذا الكلام مع قلة حروفه؛ من السخافة على ما لا خفاء به، على من لا يعلم فضلًا على من يعلم.
فأين هؤلاء المعارضون لكتاب الله بالتمثيل والتشبيه؛ عن سورة النحل، وسورة الكهف، ثم هود وطه، ولم نخصص هذه بالذكر؛ لأنا رأيناها فوق غيرها من القرآن، ولا أن شيئًا دونها منه، ولكن أردنا أن نذكر منه شيئًا، فلم يكُ بعضه أحق بالذكر من بعض، وخطرت هذه سورة بالبال، ولقد قرأت يومًا على رجل من أهل الكتاب سورة بني إسرائيل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، حتى بلغت:
[ ٢١٤ ]
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]، فاقشعرت شواته واصفر لونه ومال إلى الإسلام، وظننت بل لم أشك أن الذي أوقع ذلك في قلبه ما نويته، فإن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج عن اللسان لم يجاوز الآذان، ولا أدري بعد ذلك ما حال الرجل؛ أدخل في الإسلام؛ أم أقام على كفره.
وقد طعن هؤلاء على القرآن، واتبعوا متشابهه بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر في اللغة مدخول، ونسبوا شيئًا منه بخيالهم إلى اللحن، وإلى التناقض، وإلى الاستحالة، وإلى سوء النظم، وقد قابلت ذلك بالاحتجاج عليهم فيه، وتبيين المخارج منه في كتابي المؤلف في: «تأويل المشكل من القرآن»، وكتابي: «المنسوب إلى المسائل»، وطال أن أعيد ذلك في هذا الكتاب، ورأيته يخرجه عن فنه، فاقتصرت من جملته على حروف يسيرة معدودة، تدلك على غلطهم، وسوء أفهامهم، وكرهت أن ينطوي ذلك كله عنك؛ فيتعلق قلبك؛ إلى أن يتيسر لك النظر في ذينك الكتابين.
وكلام العرب وحي وإيماء وإيجاز، فمنه محذوف للاختصار، ومزيد فيه للتوكيد، ومكرر للإفهام، ومستعار ومقلوب، وعام يراد به خاص، وخاص يراد به عام، وواحد يراد به جميع، وجميع يراد به واحد واثنان، ودعاء لا يراد به الوقوع، وجزاء عن الفعل بمثل لفظه؛ والمعنيان مختلفان، وماض من الفعل؛ يكون لمستقبل الزمان، ومستقبل يكون لماضي الزمان، ومفعول على لفظ الفاعل، وفاعل على لفظ المفعول، ولفظان مختلفان والمعنى واحد، ولفظان متفقان ومعناهما مختلف، ولفظان متقاربان ومعناهما مختلف.
[ ٢١٥ ]
ولفظ مستفهم به وهو تقرير، ولفظ مستفهم به وهو تعجب، ولفظ مستفهم به وهو توبيخ، ولفظ خرج على مذهب الأمر وهو نهي، ولفظ خرج على لفظ الأمر وهو تهديد، ولفظ خرج على لفظ الخبر وهو دعاء، مع أشياء كثيرة يطول تعدادها، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، ولذلك لا يقدر أحد من التراجم أن ينقله إلى شيء من الألسنة؛ كما نُقلت كتب الله المتقدمة، فمن تعقبه بالنظر من غير معرفة بما خص الله به هذه اللغة، توهم مثل الذي توهمه هؤلاء الطاعنون، وسأمثّل لذلك مثلا: أقوله على ما أعلمتك حتى تقدر إن شاء الله، وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، فالناظر في هذا بغير علم؛ يمثله بقول القائل: يا أيها الرجل كل هذا الطعام؛ وإن لم تفعل ما أكلته، وليس في هذا الكلام على هذا الوجه فائدة، وإنما أراد - ﷿ -: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، مجاهرًا غير خائف أحدًا؛ وإن لم تفعل ذلك فما بلغت رسالته، فأضمر مجاهرًا به غير خائف، لأن في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، دليلًا على ذلك وهذا من المحذوف الذي يدل على ظاهر الكلام عليه.
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، والناظر في هذا بغير علم؛ يقول أما في قوله: ﴿قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، ما أغنى عن قوله: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾، لأن النساء يدخلن في القوم، يقال: هؤلاء قوم فلان، للرجال والنساء من عشيرته، والقوم للرجال دون النساء، ثم يجاء لعلمهم النساء، فيقال: هؤلاء قوم فلان، ولا يجوز أن يقال لنساء تعين هؤلاء قوم فلان، ولكن يقال: من قومه رجال والنساء منهم، وإنما سمي الرجال دون النساء قومًا؛ لأنهم يقومون بهذا الأمر مع الرجال، ويعينوهم به عند الشدائد ويتصرفون، وواحدهم
[ ٢١٦ ]
قائم، كما يقال: زائد وزويد، وصائم وصوم، ونائم ونوم، ومثله قولهم لقوم الرجل: نفرة جمع نافر؛ لأنهم ينفرون معه إذا استفزهم، قال امرؤ القيس يذكر راميًا:
فَهْوَ لَا تَنْمي رَمِيّتُهُ … مَا لَهُ لَا عُدَّ مِن نَفَرهْ
يقول: إذا عد قومه لم يعد معهم، أي: أماته الله، قتله الله، هذا وأشباهه مما خرج مخرج الدعاء، ولا يراد به الوقوع.
ومما يدلك على أن القوم هم: الرجال قول زهير:
وَمَا أَدْرِي وَسَوفَ إِخالُ أَدْرِي … أَقَومٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
يريد: أرجال هم أم نساء.
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، والناظر في هذا بغير علم؛ يقول: كيف تكون العيون في غطاء عن الذكر؛ وإنما تكون الأسماع في غطاء عن الذكر؛ وإنما أراد الله: عيون القلوب. يدلك على ذلك قول الناس: عمي قلب فلان، وفلان أعمى القلب؛ إذا كان لا يفهم، والله جل ثناؤه يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، يريد: أن عمى العيون لا يضر في الدين؛ ما لم يكن ضارًّا في الدين، ولا مانعًا من الاهتداء، لم يكن عمى، ولما كان عمى القلب ضارًّا في الدين، مانعًا من الاهتداء؛ كان عمى، ولما جاز أن يقال عمي قلبه؛ جاز أن يجعل للقلب عين، إذا كان العمى في العين.
[ ٢١٧ ]
ومثل هذا قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]، والأكنة: الأغطية، وهذا شيء مثّلته لك؛ لأعرفك من الوجوه التي تقع بهذا الغلط، فأما الأشياء التي طُعِن بها على القرآن، فسأذكر منها عشرة أحرف، أبيّن مجازها لتعرفها، وتقضي على ما تركت بمثل الذي أوجدتك فيما ذكرت، وأسأل الله إرشادنا وإياك.
حرف في سورة الحجر وأشباه له في القرآن:
قالوا في قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٨٩ - ٩١]، ما معنى (كما) هاهنا، وكما تأتي لتشبيه شيء بشيء، ولم يتعلق في أول الكلام ما تشبه به ما تأخر منه، قالوا: وكذلك قوله في سورة الأنفال، وذكر المؤمنين: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٤، ٥]، وما الذي يشبه الكلام الأول؛ من إخراج الله إياه.
قالوا: وكذلك قوله في سورة البقرة: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠، ١٥١].
الجواب: أما قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٨٩، ٩٠]، فإن فيه محذوفًا؛ يدل ظاهر الكلام عليه، كأنه قال: أنا النذير المبين، عقوبة أو عذابًا، مثل ما أنزلنا على المقتسمين فحَذَفَ العقوبة أو العذاب؛ إذ كان الإنذار يدل عليه، كما قال في موضع آخر: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]،
[ ٢١٨ ]
ولو أراد مريد أن يمثل هذا بذاك؛ لقال: أنا النذير المبين. كما أنزلنا على عاد وثمود، يريد: أنا النذير المبين من صاعقة؛ كما أنزلنا على عاد وثمود، ومثل هذا من المحذوف في كلام العرب أكثر من أن يحاط به.
وأما قوله في سورة الأنفال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، فإن المسلمين يوم بدر اختلفوا في الأنفال، وحاجوا النبي وجادلوه، وكره كثير منهم ما كان من فعل رسول الله في النفل، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، يجعلها لمن يشاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، أي: فرقوها بينكم على السواء: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١]، فيما بعد: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]، ووصف المؤمنين، ثم قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، يريد: أن كراهتهم لما فعلته في الغنائم، لكراهتهم للخروج معك، كأنه قال هذا من كراهتهم: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾، وإياهم وهم كارهون.
وأمَّا قوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾، فإنه أراد: ولأتم نعمتي عليكم، كإرسالي فيكم رسولًا أنعمته عليكم، أو كإنعامي عليكم برسول أرسله يبيّن لكم.
حرف في الطور:
قالوا عن قول الله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤٠، ٤١]، ما الكتاب من علم الغيب، وقريش كانوا أميين فكيف جعلهم يكتبون؟
[ ٢١٩ ]
وليس الكتاب ما ذهبوا إليه من عمل اليد؛ وإنما الكتاب هاهنا: الحكم. أي: أعندهم علم الغيب فهم يحكمون؟ فيقولون: سنقهرك ونطردك وتكون العاقبة لنا عليك، هذا وأشباهه، ومثله قول الجعدي:
وَمَالَ الْوَلَاءُ بِالبَلَاءِ فَمِلْتُمْ … وَمَا ذَاكَ قَالَ اللهُ إِذْ هُوَ يَكْتُبُ
يريد: ما أوجد الله ذاك إذ هو يحكم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: حكمنا وفرضنا، وكذلك قوله: كتاب الله عليكم، [١٤٦/أ] أي: فرض عليكم، وكذلك قول النبي للمتحاكمين إليه، وقالا له: اقض بيننا بكتاب الله: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله»، ثم قضى بالرجم والتغريب.
وليس لهما في القرآن ذكر، أراد: لأقضينَّ بينكما بحكم الله.
حرف في الحديد:
وقالوا في قول الله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، كيف أعجب هذا الزرع الكافرين دون المؤمنين، والزرع الحسن قد يعجب الكافرين والمؤمنين، ولا ينقص المؤمنين إن أعجبهم، ولم يرد بالكفار ما ذهبوا إليه، وإنما أراد بالكفار الزراع، واحدهم
[ ٢٢٠ ]
كافر، وسمي كافرًا؛ لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي: غطاه، وكل شيء غطيته؛ فقد كفرته، ومنه قيل: الليل كافر؛ لأنه يستر بظلمته كل شيء، قال الشاعر:
… فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
أي: غطاها هذا مثل قوله، في موضع آخر: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩].
حرف في سورة مريم:
وقالوا في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، هل يجوز أن يقال: فلان يجعل لك حبًا أو كفل للود إذا أحبك؛ ولم يرد ما ذهبوا إليه؛ وإنما أراد أنه: يجعل لهم في قلوب العباد ودًا ومحبة، وأنت ترى المخلص المجتهد محببًا إلى البر والفاجر، مهيبًا مذكورًا بالجميل، ونحوه قوله في موسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، لم يرد في هذا الموضع أني أحببتك، وإن كان يحبه؛ وإنما أراد أنه حبّبه إلى القلوب حتى استحياه فرعون، في السنة التي كان يقتل فيها الولدان ونحوه.
ونحوه قول عبيد بن عمير للإيمان: «هَيُوب»، يريد: أنه مهيب، فجاء بفعول
[ ٢٢١ ]
في موضع مفعول، كما يقال: ركوب القوم لما يركبون، وحلوب القوم لما يحلبون، أي: محلوبهم ومركوبهم.
حرف في الأنعام:
قالوا في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]، هو في التوراة وجميع الكتب المتقدمة، وروايات النُّسَّاب: تارح، فكيف سُمي في القرآن: آزر، ونحن نعلم أن اسمه في التوراة تارح، ولا يعلم صفة اسمه في غيرها من الكتب، فلا يبعد أن يكون أيضًا تارح، والرجل قد يكون له اسمان، ويكون له الكنيتان، ويكون له الاسم والوصف، فيُدعَى بالوصف إذا غلب عليه، ويترك الاسم. هذا إدريس صلى الله عليه اسمه في التوراة خَنُوخ، ويعقوب اسمه إسرائيل، وعيسى يدعى المسيح، وقال رسول الله: «خمسة أسماء أنا محمد وأحمد والماحي والعاقب والحاشر». وقد يكون للرجل الكنيتان كما كان له اسمان؛ حمزة بن عبد المطلب يكنى: أبا يعلى
[ ٢٢٢ ]
وأبا عمارة، وعبد العزى بن عبد المطلب يكنى: أبا لهب وأبا عتبة، وصخر بن حرب أبو معاوية يكنى: أبا سفيان وأبا حنظلة، وعثمان بن عفان - ﵁ - يكنى: أبا عبد الله وأبا عمرو وأبا ليلى، فما يُنكر أن يكون لأبي إبراهيم اسمان؛ بأيهما دعوته به كنت صادقًا أو اسم وصفة، فتدعوه بالصفة تارة، وبالاسم تارة، كما قلت في عيسى والمسيح، وخنوخ وإدريس، وإسرائيل ويعقوب، وقد كان بعض القراء يقرأ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾، برفع آزر على نية النداء؛ كأنه قال: يا آزرُ أتتخذ أصناما آلهة، وعلى هذه القراءة يجوز أن يكون دعاهُ لصفةٍ، كأنه قال: يا ضعيف أو يا جاهل، وما أشبه هذا إن كان ذَمَّهُ، وقد سَمى المسيحُ نفسه: (حمل الله)، وسمي شمعون: (الحجر)، وسمى أمته: (النعاج).
[ ٢٢٣ ]
حرف في براءة:
[١٤٧/ب] وقالوا في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وليس يقول هذا أحد من اليهود، وإنما هو قول النصارى في المسيح، وقد صدقوا في قولهم أنه ليس أحد من اليهود اليوم، وإنما هو قول متقدم لصنف من اليهود، وكان بُخْتَنَصر أخرب بيت المقدس، ونفى بني إسرائيل، وسبى ذراريهم، وخرق التوراة، حتى لم يبق لهم رسم، وكان في أساراه دانيال وعزيز، فأما دانيال فعبّر له رؤياه، ونزل منه بأحسن المنازل، وأما عزيز فإنه أقام لهم التوراة بعينها، حتى عاد إلى الشام فعرفوها، فقالت طائفة من اليهود: هو ابن الله، ولم يقل ذلك كل اليهود، وهذا خصوص خرج مخرج العموم، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ولم يقل ذلك كل الناس، وكما قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، ولم يرد كل الشعراء بذلك؛ لأنه استثنى منهم المؤمنين.
[ ٢٢٤ ]
حرف في سورة مريم:
قالوا في قول الله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، ولم يكن لها أخ يقال له: هارون، ونحن نقول: أنه لم يرد بها أخوة النسب؛ وإنما أراد: يا شبه هارون، يا مثل هارون في الصلاح، وكان في بني إسرائيل رجل صالح يسمى: هارون، وقد يقول الرجل للرجل: يا أخي. لا يريد به أخوة النسب؛ وإنما يريد أخوة الصداقة أو أخوة الدين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقد آخى رسول الله بين أصحابه، وقد يقول الرجل هذا الشيء؛ أخو هذا، إذا كان له مشاكلًا وشبيهًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨]، يريد من الآية الأولى للتي تشبهها.
حرف في الصافات:
قالوا في قول الله تعالى، وذكر يونس: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥]، وفي قوله في موضع آخر: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩]، وهذا خلاف الأول؛ لأنه ذكر في الكلام الأول: أنه نُبِذَ بالعراء وهو سقيم، وقال في الكلام الثاني: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾، وهذا يدل على أنه لم يُنْبَذ بالعراء، وليس الأمر كما توهموا، ولا بين الكلامين اختلاف كما ذكروا؛ لأنه أراد لولا أن تبنا عليه ورحمناه، حين نبذناه بالعراء مذمومًا، أي: على حاله الأولى، ثم تِيْبَ عليه. ويدلك على ذلك قوله بعد: ﴿مَذْمُومٌ﴾، ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠]، أي: تاب عليه.
[ ٢٢٥ ]
حرف في سورة الفتح:
قالوا في قول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، الاستثناء بإن يدلك على الشك، والله لا يشك و﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، تحقيق؛ فكيف شك بعد تحقيق من الله، والقول في هذا أنَّ (إنْ) تقام مقام إذ في كثير من المواضع، كقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وقوله: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥]، يريد إذ كنتم مؤمنين، فكأنه قال: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله دخولكم إياه آمنين. ومثله قول رسول الله عن أهل القبور: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، لا يجوز أن يكون شك في لحوقه بهم، وإنما أراد نحن إذا شاء الله بكم لاحقون.
حرف في سورة الكهف:
[١٤٨/ب] قالوا في قول الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، فأنبأنا كم كان مدة لبثهم؟ ثم قال: ﴿أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، وقد علمنا ذلك مما أعلمناه. والقول في هذا أنهم اختلفوا في مدة لبثهم في الكهف، كما اختلفوا في عدتهم، فأعلمنا الله تعالى أنهم لبثوا ثلاثمائة، فقالوا: سنين أو
[ ٢٢٦ ]
شهورًا أو أيامًا، فأنزل الله: ﴿سِنِينَ﴾، ولذلك بين ما بعد ثلاثمائة، ثم قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾، وأنا أعلم بما لبثوا من المختلفين.
فهذا جملة من مطاعن الملحدين على كتاب الله، ووراءها من المطاعن أشياء كثيرة، عَيَوا عن مخارجها ومعانيها بقصور العلم، وسوء النظر والجهل بلطائف اللغة، فإن آثرت أن تنهي ذلك مجموعًا كبيرًا التمسته في الكتابين اللذين قدمت ذكرهما.