مدخل
المسألة الأولى: اهتمام رسول الله ﷺ بالتعليم.
لم يُعرف دين رفع قَدْرَ العلم، واحترم العلماء واهتم بطلب العلم، مثل الدين الإسلامي قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١] .
ولقد رغب رسول الله ﷺ في العلم وبَيَّن أنه طريق الجنة، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة" (١) . ولم يرغَّب ﷺ أحدًا أن يغبط أحدًا على شيء من النعم التي أنعم الله بها على عباده إلا على نعمتين إحداهما: طلب العلم والعمل به، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (٢) (٣) .
ومن المؤكد أن ما ورد عن النبي ﷺ في الحث على التعليم لم يرد على سبيل الإشارة العابرة هنا وهناك بدون امتداد وإثراء للفكرة ذاتها. فالقدر الكبير من أقوال الرسول ﷺ التي تحض على طلب العلم والاستمرار فيه تؤكد
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن رقمه (٢٦٩٩) جـ٤ ص (٢٦٩٩) .
(٢) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة رقمه (٧٣) جـ١ ص٣٠، صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه رقمه (٨١٦) جـ١ ص٥٥٨ واللفظ له.
(٣) انظر كتاب العلم ص١٨.
[ ٣ ]
أن الاهتمام بالتعليم كان فكرة أصيلة ضمن إطار فكري عام (١) .
ولهذا فالإنسان المسلم في حاجة ماسة إلى العلم الذي ينمي الإيمان، ويغرس الفضائل، ويفقهه في دينه، فيحصل على الخيرية التي قال النبي ﷺ فيها: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٢)، فيعبد ربه على بصيرة، فإذا تعلم وتفقه في أمور دينه ودنياه، وعلَّمه غيره ورغبهم في العلم، وبيَّن لهم أن مجالسه تحفها الملائكة، وتنزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، ويذكرها الله في الملأ الأعلى (٣) مقتديًا في ذلك برسول الله ﷺ الذي رغَّب في العلم، وحرص على تعليم المسلمين أمور دينهم سواء كانوا رجالًا أو نساءً أو أطفالًا.
وكان ﷺ أرفق الناس بالمتعلمين، وأبعدهم عن التشديد والتعسير والفظاظة والغلظة، وهذا ما نوَّه به القرآن الكريم عند الإشارة إلى أخلاقه ﷺ، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٤) .
وقد طبق رسول الله ﷺ ما عَلَّمه الله تعالى قولًا وفعلًا وأمر أصحابه
_________________
(١) رسالة الخليج العربي، العدد (٤٧) نظرية التربية المستمرة وتطبيقاتها في التربية الإسلامية، نور الدين محمد عبد الجواد، ص٣٠.
(٢) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا رقمه (٧١) جـ١ ص٣٠، انظر صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة رقمه (١٠٣٧)، جـ٢، ص ٧١٨.
(٣) انظر: كتاب الرسول والعلم ص١٠.
(٤) انظر: المرجع السابق ١١٩.
[ ٤ ]
﵃ بذلك، فعندما أرسل معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري ﵄ إلى اليمن معلمين وقضاة قال لهما: "يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وَبَشِّروا ولا تُنَفِّروا" (١) .
ولهذا ينبغي للمعلمين الاقتداء برسول الله ﷺ في فعله وقوله بالرفق بطلابهم والصبر عليهم، وعدم تعنيفهم، كما قال الماوردي ﵀: "ألا يعنفوا متعلمًا، ولا يحقروا ناشئًا، ولا يستصغروا مبتدئًا، فإن ذلك أدعى إليهم، وأعطف عليهم، وأحث على الرغبة فيما لديهم" (٢) .
ولم يكن رسول الله ﷺ يخص فئة دون أخرى بالتعليم أو يتابع مجموعة دون غيرها، بل كان حرصه على التعليم ممتدًا ليشمل الصغار والكبار، والنساء والرجال، متابعًا لأمورهم، حريصًا على إرشادهم وتعليمهم بالقول والفعل والقدوة.
ولتقديم توضيح لاهتمامه ﷺ بالجميع دون استثناء نتناول كيفية اهتمامه ﷺ بتعليم الرجال، والنساء، وكذلك الأطفال.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا رقمه (٦٩) جـ١ ص٣٠، واللفظ له. انظر صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير رقمه (١٧٣٢) . جـ٣ ص١٣٥٨.
(٢) فيض القدير جـ٤/٣٣٨
[ ٥ ]
أولًا: الاهتمام بتعليم الرجال.
كان رسول الله ﷺ حريصًا على تعليم أصحابه وتوجيههم وإرشادهم حسب واقع الحال الذي يتطلبه الموقف، فمثلًا هذا رجل غريب جاء يسأل
[ ٥ ]
عن دينه فترك ﷺ خطبته ليعلمه ما سأل عنه، فقد روى الإمام مسلم عن أبي رفاعة ﵁ قال: "انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، قال: قلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه، ولا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليّ. فأُتي بكرسي، حسبت قوائمه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ. وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها" (١) .
قال الإمام النووي ﵀: "فيه تواضع النبي ﷺ ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم، وخفض جناحه لهم" (٢) .
وفي موضع آخر يصف صحابي جليل اهتمام رسول الله ﷺ بتعليم أصحابه ﵃ مشيرًا إلى رفقه وحسن تعليمه بقوله: "بأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه"، فعن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله؛ فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليّ! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت. فلما صلى رسول الله ﷺ. فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ماكهرني، ولا ضربني ولا شتمني قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله ﷺ. قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالًا يأتون الكُهَّان؟
_________________
(١) صحيح مسلم – كتاب الجمعة، باب" حديث التعليم في الخطبة، رقمه (٨٧٦) جـ٢/ ٥٩٧.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ٦/١٦٥.
[ ٦ ]
قال: "فلا تأتهم". قلت: ومنا رجال يتطيرون قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم" (١) .
قال النووي – ﵀ -: "فيه بيان ما كان عليه رسول الله ﷺ من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته، وشفقته عليهم، وفيه من التخلق بخلقه ﷺ في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف، وتقريب الصواب إلى فهمه" (٢) .
ونلحظ أثر الرفق واللين في معاملة رسول الله ﷺ لمعاوية ﵁، إذ بدأ يستفسر عن الأمور التي كانت شائعة في الجاهلية كي يتجنبها إن كانت محرمة – لئلا تظهر منه فينكر عليه (٣) . فالمعلم شفيق على طلابه حريص على تعليمهم وتقريب المعاني إلى أفهامهم مقتديًا بفعل رسول الله ﷺ.
وهذا رجل يدخل المسجد ويتبول فيه، من دون مراعاة لحرمة المكان ووجود الناس فيتركه رسول الله ﷺ حتى ينتهي، ثم يدعوه إليه ليعلمه أن للمسجد حرمة وأنه للصلاة والذكر والتسبيح. فعن أنس ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ، إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: "مه مه" (٤) قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزرموه (٥)،دعوه (٦) " فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله ﷺ - دعاه
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة – باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة رقمه (٥٣٧) جـ ١/ ٣٨١. وقوله: «ما كهرني»، أي: ما نهرني.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ٥/٢٨.
(٣) انظر: من صفات الداعية اللين والرفق، ص ٣٤.
(٤) «مه مه» هي كلمة زجر، انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٩٣.
(٥) (لا تزرموه) لا تقطعوا عليه بوله، المرجع السابق، ٣/١٩٢.
(٦) (دعوه) اتركوه.
[ ٧ ]
فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة، وقراءة القرآن" أو كما قال رسول الله ﷺ. قال: "فأمر رجلًا من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنه (١) عليه".
قال الإمام النووي ﵀: "وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا أو عنادًا (٢) .فالرسول ﷺ لم يترك الأعرابي يبول في المسجد إلا لما خشي من ظهور منكر أعظم من منعه مِن البول" (٣) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "إنما تركوه يبول في المسجد لأنه كان شرع في المفسدة، فلو منع لزادت، إذ حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منع لدار بين أمرين: إما أن يقطعه فيتضرر، وإما ألا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد" (٤)
فالمعلم التربوي يقرن تعليمه بالرفق واللين، فيكون له أعظم الأثر في قلوب طلابه. وهكذا كان لمعاملة رسول الله ﷺ للأعرابي بالرفق أعظم الأثر في نفسه، ونلاحظ ذلك في قول الأعرابي بعد أن فقه "بأبي وأمي" فلم يؤنب ولم يسب.
ومن اهتمامه ﷺ بتعليم الرجال دعوته المستمرة إلى الاهتمام بالفرد، واغتنام أحسن المناسبات لتوعيته وتوجيهه، ومن ذلك قصة الرجل الذي جاء
_________________
(١) (فشنه) فصبه، صحيح مسلم بشرح النووي، ٣/١٩٣.
(٢) صحيح مسلم، باب كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها، رقمه (٢٨٥) جـ١/٢٣٧.
(٣) انظر: مراعاة أحوال المخاطبين، ص٩٧.
(٤) انظر: فتح الباري، ١/ ٣٢٣.
[ ٨ ]
يسأل رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة "فعن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵄ عن النبي ﷺ أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة. فقال له: صَلِّ معنا هذين – يعني اليومين". فلما زالت الشمس أمر بلالًا فأذن. ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره، فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأبرد بها، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها.
ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟
فقال الرجل: أنا يا رسول الله..
قال: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم" (١) .
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "فيه بيان أن للصلاة وقت فضيلة ووقت اختيار، وفيه أن وقت المغرب ممتد، وفيه البيان بالفعل، فإنه أبلغ في الإيضاح، والفعل تعم فائدته السائل وغيره" (٢) .
فعلى المعلم أن يقتدي بفعل رسول الله ﷺ أثناء تعليمه لطلابه، فيقرن العلم بالعمل؛ لتثبيت المعلومات في أذهانهم، وحصر الفكرة في مدلول واقعي يدركه المتعلم ويفهمه.
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب أوقات الصلوات الخمس رقمه (٦١٣)،ج١/٤٢٨.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ٥/١٥٩-١٦٠.
[ ٩ ]
ثانيًا: الاهتمام بتعليم النساء.
لم يغفل الرسول ﷺ عن الاهتمام بتعليم النساء أمور دينهن، بل كان حريصًا على توصيل الأحكام الشرعية إليهن وبخاصة ما يتعلق منها بالمرأة، وله في ذلك شواهد تؤكد اهتمامه وحرصه ﷺ على الاستجابة لأي سؤال أو استفسار يأتيه من النساء، حتى ولو كان في أدق خصوصياتهن. ومن ذلك ما ورد عن عائشة ﵂: أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض، فأخبرها كيف تغتسل. ثم قال: "خذي فرصة من مسك، فتطهري بها" قالت: وكيف أتطهر بها. ثم قال: "سبحان الله تطهري بها"، قالت عائشة ﵂: فجذبت المرأة وقلت: "تتبعين بها أثر الدم" (١) .
كما كان ﷺ يتفقد أحوال النساء، ويطمئن على صحتهن. فها هو رسول الله ﷺ يدخل على ضباعة بنت الزبير، ويسألها عن الحج، وهل تستطيع ذلك؟ فيشجعها بقوله ﷺ: "حجي واشترطي". فعن عائشة - ﵂ – قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: " لعلك أردت الحج" قالت: والله لا أجدني إلا وجعة (٢) فقال لها: "حجي واشترطي، قولي: اللهم محلِّي (٣) حيث حبستني (٤) " وكانت تحت المقداد بن الأسود (٥) .
_________________
(١) صحيح سنن النسائي – كتاب الطهارة، باب ذكر العمل في الغسل من الحيض رقمه (٢٤٥)، جـ١/٥٣.
(٢) وجعة: ذات مرض.
(٣) محلي: أي مكان تحللي من الإحرام.
(٤) حيث حبستني أي عن النسك بعلة المرض.
(٥) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، رقمه (٥٠٨٩) جـ٦ ص١٤٩، وصحيح مسلم – كتاب الحج، باب اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه، رقمه (١٢٠٧) جـ٢/٨٦٧.
[ ١٠ ]
كما كان رسول الله ﷺ يعلم من أشكل عليها أمرًا، وأثار لديها تساؤلًا، حيث عَلَّم رسول الله ﷺ أم سلمة ﵂، حينما أشكل عليها صلاة النبي ﷺ بعد العصر لتعارضها ظاهرًا مع نهيه ﷺ. فعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ ينهى عنها ثم رأيته يصليها حين صلى العصر، ثم دخل عليّ وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه، قولي له: "تقول لك أم سلمة: يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين، وأراك تصليها". فإن أشار بيده فاستأخري عنه.
ففعلت الجارية، فأشار بيده، فاستأخرت عنه. فلما انصرف، قال: "يا ابنة أمية سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني أناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان" (١) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفيه الفحص عن الجمع بين المتعارضين (٢) فأم سلمة ﵂ استشكلت ما ظهر لها من خلاف بين قول النبي ﷺ وفعله، فأثار لديها تساؤلًا، أجاب عنه رسول الله ﷺ حتى لا يكون هناك مجال لظن".
فالطالب إذا أشكل عليه أمر فظهر له الخلاف بين القول والفعل أو الفعل والأمر، ينبغي له المسارعة بسؤال المعلم، فإنه بالسؤال يسلم من إرسال الظن السيئ بتعارض الأفعال والأقوال (٣) .
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب السهو، باب إذا كُلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع. جزء من حديث رقمه (١٢٣٣)، جـ٢/٨٤.
(٢) فتح الباري، جـ٣/١٠٦.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي، جـ٦/١٢١.
[ ١١ ]
كما كان ﷺ حريصًا على تعليم من جهل منهن أمرًا من أمور الدين والرفق بهن، وعدم مؤاخذتهن. ومن ذلك ما ورد عن أنس بن مالك ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: "اتقي الله واصبري".
قالت: "إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه". فقيل لها: إنه النبي ﷺ. فأتت النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين. فقالت: لم أعرفك.
فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى " (١) .
قال العلامة العيني ﵀: "فيه ما كان ﵊ من التواضع والرفق بالجاهل، وترك مؤاخذة المصاب، وقبول اعتذاره" (٢) . وكان لتعامل رسول الله ﷺ باللطف مع المرأة الأثر الكبير في نفسها. فهذا التعامل بالرفق واللين مع المرأة ولَّد لديها محبةً لرسول الله ﷺ ومهابة. ومما يؤيد ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: فلما ذهب النبي ﷺ قيل لها: "إنه رسول الله، فأخذها مثل الموت. فأتت بابه الحديث" (٣) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح قول أنس بن مالك ﵁ "فأخذها مثل الموت" أي: من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه ﷺ؛ خجلًا منه ومهابة (٤) .
فحسن تعامل المعلم مع طلابه والرفق بهم، والأخذ بأيديهم يُوَلِّد لديهم
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، رقمه (١٢٨٣)، جـ٢/٩٩.
(٢) انظر: عمدة القاري، جـ٨/٦٨.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، رقمه (٩٢٦)، باختصار، جـ٢/٦٣٧.
(٤) فتح الباري، جـ٣/١٤٩.
[ ١٢ ]
محبة المعلم ومهابته، وحسن الاستماع إلى ما يأمر به. وهذا هو المطلوب في العملية التعليمية.
[ ١٣ ]
ثالثًا: اهتمامه ﷺ بتعليم الصغار.
كان رسول الله ﷺ نعم المعلم لأصحابه متصفًا بصفات الكمال، ومن كمال منهجه التربوي اهتمامه بتربية الصغار وتعليمهم، وصبره عليهم وأخذه بأيديهم، حيث كان ﷺ يحرص أن يكون معلمًا ومؤدبًا لهم ليتحقق صلاحهم حينما يكبرون.
من اهتمامه ﷺ بالصغار ما ورد من توجيهه التدريجي في الصلاة حيث قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع" (١) . فبيَّن ﷺ أن الصلاة هي الأساس، وأمر بحثِّ الأبناء على إقامتها على الوجه المطلوب وإن في ذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة.
قال الإمام ابن قدامة ﵀: "قال القاضي: يجب على ولي الصبي أن يعلمه الطهارة والصلاة إذا بلغ سبع سنين، ويأمره بها، ويؤدبه عليها إذا بلغ عشر سنين" (٢) .
لذا ينبغي للمربي أن يأمر الأطفال بالطاعات قبل بلوغهم سن الرشد؛ كي يستأنسوا لها ويعتادوها؛ فالطفل أسلس قيادًا، وأسرع مؤاتاة، ولم تغلب عليه عادة تمنعه من اتباع ما يراد منه، ولا له عزيمة تصرفه عما يؤمر به (٣) .
_________________
(١) سنن أبي داود – كتاب باب متى يؤمر الغلام بالصلاة؟ رقمه (٤٩٥)، جـ١/٩٧.وقال عنه الشيخ الألباني (حسن صحيح)، انظر صحيح سنن أبي داود، جـ١/٩٧.
(٢) المغني جـ٢/٣٥٠.
(٣) انظر: جوامع الآداب في أخلاق الأنجاب، ص٣٩.
[ ١٣ ]
فإذا اعتادوا هذه الطاعات سهل عليهم القيام بها إذا ما كبروا. قال الشيخ محمد السفاريني الحنبلي: "ويجب عليه أيضًا أن يعلمه ما يجب عليه علمه، أويقيم له مَنْ يعلمه ذلك" (١) .
كما كان ﷺ حريصًا على تعليمهم بعض مهارات الحياة التي تفيدهم في دنياهم فعن أبي سعيد ﵁: "أن النبي ﷺ مر بغلام وهو يسلخ شاة فقال له رسول الله ﷺ: "تنح حتى أريك" فأدخل يده بين الجلد واللحم، فدحس بها حتى توارت إلى الإبط، ثم مضى، فصلى للناس، ولم يتوضأ" (٢) .
والرسول ﷺ عطوف ورحيم في تعليمه للصغار معالجًا لأخطائهم بدون قسوة ولا تعنيف. ومن ذلك حينما جمعت لدى الرسول ﷺ الزكاة فأكل منها الحسن ﵁، فوجَّهه الرسول ﷺ بلطف، بأنه لا ينبغي له الأكل من الزكاة؛ وذلك لما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ: "كخ كخ" ليطرحها ثم قال: "أما شعرتَ أنَّا لا نأكل الصدقة" (٣) .
قال الحافظ ابن حجر: كلمة كخٍ كخٍ كلمة زجر للصبي عما يريد فِعْله (٤) .
_________________
(١) غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب، جـ١/٢٣٢.
(٢) صحيح سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس اللحم النيئ وغسله.. رقمه (١٨٥) جـ١/٣٧.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب ما يُذكر في صدقة النبي (، رقمه (١٤٩١)، جـ٢/١٦٤.
(٤) فتح الباري- جـ٦/١٨٥.
[ ١٤ ]
لذا يجب على الأولياء إبعاد أطفالهم عن المحرمات، ومنعهم من تعاطيها، ومعاتبتهم عليها، فرسول الله ﷺ أمر الحسن بطرح التمرة ورميها مِنْ فيه مع أنه طفل لا تلزمه الفرائض، ولم تَجْرِ عليه الأقلام.
قال الإمام النووي ﵀: "وفي الحديث أن الصبيان يُحَذّرون مما يحذر منه الكبار، وهذا واجب على الولي" (١) .
ولا ينسى رسول الله ﷺ أن يقرن توجيهه للصغار بالقول حينما يكون ذلك كافيًا في التوجيه والتعلم. ومن ذلك حينما رأى الرسول ﷺ عمر بن أبي سلمة وهو لا يحسن الأكل من الإناء، فوجَّهه توجيهًا لطيفًا إلى آداب الأكل. فعن عمر بن أبي سلمة ﵄ يقول: "كنت في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة (٢) فقال لي رسول الله ﷺ: "يا غلام، سَمِّ الله وكل بيمينك وكُلْ مما يليك" فما زالت طعمتي بعد (٣) (٤) .
فرسول الله ﷺ علَّم عمر بن أبي سلمة ﵁ آداب الأكل بالرغم من صغر سنه. ومما يدل على ذلك مخاطبة رسول الله ﷺ له بقوله: "يا غلام"، والغلام - كما بيَّن العلماء - هو الصبي من حين يولد إلى أن يبلغ الحلم (٥) .
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي جـ٧/١٧٥.
(٢) الصحفة: «ما تشبع خمسة ونحوها، وهي أكبر من القصعة» المرجع السابق، جـ٩/٥٢٢.
(٣) «فما زالت طعمتي بعد - أي صفة أكلي- فلزمت ذلك وصار عادة» والمراد جميع ما تقدم من الابتداء بالتسمية والأكل باليمين، والأكل مما يليهانظر فتح الباري جـ٩/٥٢٣.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الأطعمة – باب التسمية علىالطعام والأكل باليمين، رقمه (٥٣٧٦)، جـ٦/٢٤١.
(٥) فتح الباري، جـ٩/٥٢١، وانظر عمدة القاري، جـ٢١/٢٩.
[ ١٥ ]
فعلى الأولياء والمعلمين الحرص على تعليم الأطفال ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، على أن يكون التعليم بالرفق واللين، حتى يتقبل الطفل من وليه، ويكون له الأثر العظيم في مستقبل حياته.
كما كان في تعليم رسول الله ﷺ لعمر بن أبي سلمة الأثر العظيم حيث قال ﵁: "فما زالت تلك طعمتي بعد أي: لزمت ذلك وصار عادة لي" (١) .
ومن اهتمامه ﷺ بتعليم الصغار: أنه ﷺ عندما سمع من البنت الأنصارية الصغيرة قولًا مخالفًا للشرع، بأن نَسَبت إليه أنه يعلم ما في الغد علَّمها ما ينبغي لها قوله، ومنعها من إعادة كلامها. فقد روت الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂: جاء النبي ﷺ يدخل حين بُني عليّ (٢) فجلس على فراشي كمجلسك (٣) مني، فجعلت جويريات (٤) لنا يضربن بالدف (٥) ويندبن (٦) من قُتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: "وفينا نبيّ يعلم ما في غد".
قال: "دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين" (٧) .
_________________
(١) انظر: فتح الباري، جـ٩/٥٢٣.
(٢) (بُني علي) البناء: الدخول بالزوجة – فتح الباري، جـ٩/٢٠٣.
(٣) (كمجلسك) بكسر اللام أي مكانك، المرجع السابق جـ٩/٢٠٣.
(٤) (جويريات) جمع جويرية، ومصغر جارية، عمدة القاري، جـ٢٠/١٣٥.
(٥) (الدف) الأفصح في (الدف) ضم الدال، وقد تُفتح وهو الذي بوجه واحد عمدة القاري، جـ٢٠/٢١٣٥.
(٦) (يندبن) أي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه وتعديد محاسنه بالكرم والشجاعة ونحوها (فتح الباري، جـ٩/٢٠٣) .
(٧) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ضرب الدف في النكاح والوليمة، رقمه (٥١٤٧)، جـ٦/١٦٧.
[ ١٦ ]
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "إنما أنكر عليها ما ذُكر من الإطراء حيث أُطلق علم الغيب له، وهو صفة تختص بالله تعالى كما قال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] .
فعلى المعلمين والأولياء الحرص على تعليم الصغار الكلمات الصحيحة التي لا تتنافى مع التوحيد ولا تتعارض مع احترام الرسول ﷺ، وأن يمنعوهم إذا سمعوا منهم كلمات تخالف الشرع، مِنْ حلفٍ بغير الله، أو سب أو شتم أو غيبة أو نميمة أو تنابز بالألقاب (١) .
_________________
(١) انظر: الاحتساب على الأطفال، ص٤٥.
[ ١٧ ]