المطلب الأول: في كيفية تعامله ﷺ مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم
المبحث الثاني: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاجتماعية
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في كيفية تعامله ﷺ مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم.
المطلب الثاني: في كيفية تعليمه ﷺ لبعض الصحابة وتربيته لهم.
المطلب الثالث: في كيفية تعامله ﷺ مع بعض المشكلات الاجتماعية.
[ ١٨ ]
المطلب الأول: في كيفية تعامله ﷺ مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم
لقد سلك النبي ﷺ طريقة عجيبة في كيفية دعوة الناس إلى الإسلام، ستظل نبراسًا لكل من أراد الاهتداء بهديه سالكًا طريقته ﵊، إنّها طريقة الصابرين ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠] .
إنّ سيرة النبي ﵊ مليئة بالمواقف العجيبة التي تَجَلَّى فيها حلمه ﵊ وصبره على الأذى من أجل المحافظة على العلاقة الاجتماعية.
١- لما نزلت الآية الكريمة ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] .
صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي – لبطون قريش – حتى اجتمعوا، فجعل الرَّجُل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب، وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلًا بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مصدِّقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (١) [المسد:١-٢] .
_________________
(١) البخاري رقم (٤٧٧٠)، ومسلم رقم (٢٠٤) واللفظ للبخاري.
[ ١٩ ]
فانظر إلى موقف أبي لهب العجيب من النبي ﷺ يصدقه أولًا، ثم يكذبه ويسخر منه ومن مقولته، بل إن مجيئه ابتداء وتلبيته لنداء النبي ﷺ يدل على تصديقه، لكنه ما تمالك نفسه حتى نال من النبي الكريم ﷺ وهو الصادق المصدوق ﵊.
والحق أن الأعجب من ذلك هو موقف النبي ﷺ من أبي لهب، فلم يرد عليه مقولته؛ لأنّه يعلم يقينًا إِنْ ردّ عليه فسينقسم الناس إلى قسمين، قسم مؤيد لأبي لهب مستنكرين رَدَّ النبي ﷺ بحكم موقع أبي لهب النَّسَبي، فهو عَمُّه، وعمُّ الرجل صنو أبيه (١)، وقد يَعُدُّ بعضهم ذلك الرد تطاولًا من النبي على عمِّه، وقسم مؤيد للنبي ﷺ، وبهذا يفسد الهدف الذي من أجله كان الاجتماع، وهو دعوتهم إلى الله، وإقامة الحجة عليهم فآثر السكوت ﵊، مفوضًا أمره إلى الله ﷾، فلم يكن النبي ﷺ فحاشًا ولا صخابًا، فتولى الباري جل وعلا الرد على أبي لهب، فأنزل في شأنه سورة تتلى إلى يوم القيامة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ الآيات [المسد:١-٣] .
٢- قال ابن إسحاق: «ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله ﷿، فخرج إليهم وحده (٢)، فلما وصل إليهم ودعاهم إلى الإسلام ردُّوه أقبح رد، وأغلظوا له القول، بل وحرَّشُوا
_________________
(١) جزء من حديث، أخرجه مسلم، رقم (٩٨٣) وغيره.
(٢) سيرة ابن إسحاق (ابن هشام) (١/٤١٩) .
[ ٢٠ ]
عليه الصبيان والسفهاء، فآذوه ورموه بالحجارة حتى سال الدم من عقبيه الشريفين ﵊، فكان موقفًا أليمًا، رجل يدعو قومه إلى الله ﷿، وهم يكذبونه ويتجهمونه، عن عروة عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حدثته أنها قالت للنبي ﷺ: «هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يُجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ، وأنا مهموم على وجهي (١)، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (٢)، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل"، فنادى فقال: «إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: «يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (٣)، فقال النبي ﷺ: "بل أرجو أن يخرج الله مِن أصلابهم مَن يعبده وحده لا يشرك به شيئًا" (٤) .
فانظر إلى صبر النبي ﷺ وحلمه، الدم يسيل من عقبيه الشريفين، ويسأله ملَك الجبال إن كان يريد أن يطبق عليهم الأخشبين يفعل، ومع ذلك يتضرع إلى الله سبحانه، ويدعوه أن يخرج مِنْ أصلابهم مَنْ يعبده وحده، لا يشرك به
_________________
(١) أي على الجهة المواجهة لي، الفتح (٦/٣١٥) تحت شرح حديث رقم (٣٢٣١) .
(٢) قرن الثعالب، هو ميقات أهل نجد، ويقال له أيضًا قرن المنازل. المصدر السابق. وهو على طريق الطائف من مكة المار بنخلة اليمانية، يبعد عن مكة ثمانين كيلًا، ومن الطائف ثلاثة وخمسين كيلًا. المعالم الأثيرة في السنة النبوية، لمحمد شراب.
(٣) المراد بالأخشبين: جبلا مكة، أبو قبيس، والذي يقابله وكأنه قُعَيْقِقَان، وسميا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما، والمراد بإطباقهما: أن يلتقيا على من بمكة. الفتح (٦/٣١٦)، تحت شرح حديث رقم (٣٢٣١) .
(٤) البخاري مع الفتح (١٦/٣١٦) حديث رقم (٣٢٣١) .
[ ٢١ ]
شيئًا! سبحان الله! ما أعظمها من دروس، أين دعاة اليوم من هذه الدروس العظيمة في الصبر والحلم والعفو والصفح؟
فلو دعا عليهم ووافق الملَك فيما أُمر به لهلكت قريش، ولكن ثم ماذا؟ فإذا هلكت قريش وهي ريحانة العرب فماذا بقي؟
لكن يظهر أيضًا أن القضية أكبر من ذلك، فهي دروس تعليمية للدعاة من أمته ﵊، فلو أن كل من أصابه بلاء انتقم لنفسه لم يبق للصبر ثمرة، كيف وقد رتب الله عليه أعظم الأجر، حيث قال جل شأنه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥-١٥٧] .
وما هي إلا سنوات قلائل، وتفتح مكة على يد النبي ﷺ، في السنة الثامنة من الهجرة وتتحقق دعوته ﷺ، ويُسْلم بقية أهل مكة بعد أن عفا عن كل من ناصبه العداء، ثم تأتي ثقيف فتدخل في الإسلام، ويعم الخير العظيم هاتين القبيلتين، وشاء الله أن يقبض نبيه ﷺ ويتوفاه بعد فترة وجيزة تقارب السنتين، ويرتد كثير من العرب عن الإسلام، لكن العجب أن قبائل قريش وثقيف لم يرتد منهم أحد، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (١) . فقد كانت قريش من خيار العرب، وكيف لا يكونون كذلك والرسول الكريم ﷺ منهم؟ وهكذا نرى آثار تلك الدعوات الصادقة قد آتت ثمارها، وذلك الحِلْم والعفو والصبر والصفح أثمر غراسه، فصلى الله عليه وسلم.
٣- خرج النبي ﷺ في السنة السابعة من الهجرة لفتح خيبر، وكانت
_________________
(١) البخاري، رقم ٠٣٣٥٣)، ومسلم، رقم (٢٣٧٨) .
[ ٢٢ ]
معقل يهود بعد إجلاء بني النضير إليها، فلما وصلها ﷺ حاولت يهود قتله ﷺ بطريقة حقيرة ودنيئة تنم عن خبث ومكر اليهود، فعن أنس ﵁: «أن امرأة (١) يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ، فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، قال: "ما كان الله ليسلطك على ذاك"، قال: أو قال: "عليّ" قال: قالوا ألا نقتلها؟ قال: "لا" (٢) .
فانظر إلى سماحة الإسلام، لم يأمر ﷺ بقتلها مع أنها اعترفت بجريمتها وظفر بها، ومع ذلك عفا عنها؛ لأنّ الإسلام دين السماحة والعفو.
٤- لما خرج النبي ﷺ لفتح مكة في السنة الثامنة (٣) من الهجرة وبالتحديد في شهر رمضان (٤) كان عدد جيش المسلمين عشرة آلاف رجل، فرأت قريش أنه لا طاقة لها بقتال النبي ﷺ، وظنت أنه سيبطش بها، لكن النبي ﷺ عفا عن الجميع، فأسلم عدد كبير منهم، بل وعندما جاءت غنائم حنين، جعل ﷺ يعطي بعضهم عطاء جزلًا، فقد أعطى صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة (٥)، وعندما غضبت الأنصار من ذلك، ذكر لهم الرسول ﷺ أنه إنما
_________________
(١) اسمها: زينب بنت الحارث، أخي مرحب، وهي امرأة سلاَّم بن مِشْكم، ذكر ذلك ابن إسحاق (ابن هشام) (٢/٣٣٧)، وابن سعد في الطبقات (٢/٢٠١) .
(٢) صحيح مسلم، رقم (٢١٩٠) وقد ذكر عبد الرزاق في المصنف، رقم (١٩٨١٤) عن الزهري أنها أسلمت، وكذلك ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/٤٩٧-٤٩٨) نقلًا عن مغازي سليمان التيمي أنها أسلمت أيضًا.
(٣) صحيح البخاري، رقم (٤٢٧٦) .
(٤) المصدر السابق.
(٥) كصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، انظر قصة هروبهما، الموطأ رقم (٤٤)، وابن إسحاق (ابن هشام) (٢/٤١٧-٤١٨)، وفيه ضعف لكن قال ابن عبد البر في التمهيد (١٢/١٩): «وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده» إن شاء الله.
[ ٢٣ ]
أعطاهم من أجل أنه يتألفهم لأنهم حديثو عهد بكفر (١) .
إنّ القصد من ذكر تلك الأمثلة المتقدمة هو أنه ﷺ كان يحاول جاهدًا تجنب المصادمة والمواجهة مع القبائل القرشية في المرحلة المكية، وحرص على تألفهم بعد الهجرة مرورًا بقصة الحديبية عندما قال لهم: ”يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة " الحديث (٢)، وانتهاءً بقصته معهم بعد حنين.
هكذا تتجلى سماحة الإسلام في تألُّف الناس، والتودد إليهم، والصفح عن مسيئهم؛ لتقوية آصرة الروابط الاجتماعية.
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم، رقم (٢٣١٣) .
(٢) السيرة النبوية لابن إسحاق (ابن هشام) (٢/٣٠٨-٣٠٩) بسند جيد.
[ ٢٤ ]
المطلب الثاني: في كيفية تعليمه ﷺ لبعض الصحابة وتربيته لهم
إذا كان النبي الكريم ﷺ حريصًا على تألف الناس للدخول في الإسلام، فإنّه كان أشد حرصًا على تعليم من أسلم منهم بالرفق واللين في حالة حدوث تصرفات من بعضهم بسبب جهلهم بتعاليم الإسلام أو لقربهم من العهد الجاهلي وعاداته السيئة، من ذلك:
١- قصة الأعرابي (١) الذي قدم من البادية ممتطيًا بعيره حابسًا بوله حتى
_________________
(١) اختلف في اسم هذا الأعرابي، فقيل: ذو الخويصرة، وقيل: عيينة بن حصن، وقيل: الأقرع بن حابس، انظر: الفتح (١/٣٢٣-٣٢٤) .
[ ٢٤ ]
قدم المدينة، بل وحتى دخل مسجد رسول الله ﷺ، والنبي الكريم ﵊ جالس مع أصحابه إذ بهذا الأعرابي ينيخ بعيره، ويتوجَّه إلى ناحية من نواحي مسجد رسول الله ﷺ، وأمام أعين الناس يرفع ثوبه ويجلس ليتخلص من بوله في مسجد رسول الله ﷺ، إنه منظر يثير الدهشة، سلك طريقًا طويلة لم يجد مكانًا يتبول فيه إلا مسجد رسول الله ﷺ!!
لذلك أثار فعله هذا حفيظة أصحاب رسول الله ﷺ فقاموا ليمنعوه وينهروه، ولكن الرجل استمر في بوله غير عابئ بتلك الصرخات التي تعالت عليه من جوانب المسجد تستنكر هذا الفعل، إلا أن النبي الكريم والمربي الحكيم أنقذ الموقف بقوله ﷺ للصحابة: "دعوه".
عن أنس بن مالك ﵁ قال: «بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يتبوَّل في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ، مَهْ مَهْ، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزرموه (١) دعوه" (٢)، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: "إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القَذَر، إنّما هي لذكر الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن" أو كما قال رسول الله ﷺ، قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه (٣) (٤) .
_________________
(١) لا تُزْرموه: بضم التاء وإسكان الزاي، وبعدها راء، أي: لا تقطعوا عليه بوله. النووي مع مسلم (٣/١٩٠) .
(٢) قال النووي: «قال العلماء: كان قوله (: دعوه، لمصلحتين: إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به، والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجس ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد، والله أعلم» ا.؟. النووي على مسلم (٣/١٩١) .
(٣) فَشَنَّه عليه: أي صَبَّه. المصدر السابق.
(٤) مسلم، رقم (٦٦١)، والبخاري مختصرًا رقم (٢٢٠) .
[ ٢٥ ]
فانظر إلى هذه الحادثة العجيبة، وكيف ساق الله هذا الأعرابي ليعمل ذلك العمل وكيف تعامل النبي ﷺ مع تلك الحادثة، ليتعلم الصحابة ومن بعدهم إلى يوم الدين الرفق واللين منه ﵊.
٢- وهناك موقف آخر حدث لبعض الصحابة تجلت فيه حكمة النبي ﷺ وتربيته في معالجة الأمور، فقد دخل رجل في الصلاة مع النبي ﷺ فبينما هم كذلك إذ عطس رجل ممن كان يصلي معهم، فَشَمَّت هذا الرجل ذلك العاطس بقوله: «يرحمك الله» ويظهر أنه كان قد تعلم أن العاطس يُشَمَّت مطلقًا، لأنّ النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه – أو صاحبه – يرحمك الله " الحديث (١) . ولا سيما أن الكلام في الصلاة في أول الإسلام كان جائزا ً، فقد قال زيد بن أرقم ﵁: «كنّا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فأُمِرنا بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام» (٢) . ويظهر أيضًا أنه لم يبلغه النهي، إما لأنه كان يسكن خارج المدينة أو لأمر آخر، فلما قضى النبي ﷺ استدعاه، وعلَّمه تعليمًا نبويًّا تجلَّت فيه التربية المحمدية.
عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ: إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثُكْل (٣) أمياه! ما شأنكم تنظرون إليّ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصَمِّتونني لكني سكتّ، فلما صلى
_________________
(١) البخاري، رقم (٦٢٢٦) .
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي (٥/٢٦) .
(٣) الثُّكْل: بضم الثاء وإسكان الكاف وبفتحها: فقدان المرأة ولدها. شرح النووي على مسلم (٥/٢٠) .
[ ٢٦ ]
رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كَهَرَني (١)، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنّما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن" أوكما قال رسول الله ﷺ الحديث (٢) .
قال الإمام النووي في شرحه للحديث: «فيه بيان ما كان عليه رسول الله ﷺ من عظيم الخُلُق الذي شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته، وشفقته عليهم، وفيه التخلق بخلقه ﷺ في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه (٣) .
هذه هي تعاليم الإسلام التي جاء بها الهادي البشير ﷺ، وهكذا كان يعلم النبي ﷺ أصحابه، والتعليم بهذا الأسلوب النبوي العجيب هو المثمر، وهو الذي يجعل الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، أما الغلظة والجفاء والسخرية والاستهزاء والازدراء فليست من الإسلام في شيء.
وصدق الله سبحانه إذ يقول في حق نبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، والقائل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فصلوات الله وسلامه عليه.
_________________
(١) ما كَهَرَني: أي ما انتهرني. المصدر السابق.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي (٥/٢٠) .
(٣) المصدر السابق.
[ ٢٧ ]
المطلب الثالث: في كيفية تعامله ﷺ مع بعض المشكلات الاجتماعية
إنّ التلاحم والترابط الاجتماعي في ظل العقيدة الإسلامية، والأخوة الإيمانية، يولِّد شعورًا كبيرًا في نفس المسلم، تجعله يعيش في حياة سعيدة طوال حياته؛ لأنّه فَقِه قول المصطفى ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١) .
ولا شكّ أن الروابط التي تجمع الناس تختلف من مجتمع لآخر، فهناك روابط مشتركة بين أمة وأخرى بسبب المصالح الدنيوية، فإذا فقدت تلك المصالح انتهت تلك الروابط، وقد تجتمع الروابط بسبب آصرة القربى النَّسبي أو العِرْقي، ولكن رابطة العقيدة تبقى بين المسلمين حتى الموت.
ولذلك حصر الله الأخوة والموالاة في المؤمنين فقط، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخوة﴾ [الحجرات:١٠] .
وقطعها بين المؤمنين والكافرين حتى لو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أبناءهم (٢) قال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة:٢٣] .
وسنرى بعد قليل فهم الصحابة رضوان الله عليهم للإسلام، وذلك عندما
_________________
(١) البخاري، رقم الحديث (١٣)، ومسلم رقم الحديث (٤٥) .
(٢) السيرة النبوية الصحيحة، لأكرم العمري (١/٢٥١) بتصرف.
[ ٢٨ ]
قام النبي ﷺ بِحَلّ بعض المشكلات الاجتماعية التي واجهته في المدينة والتي تمثلت بتشريعه لنظام المؤاخاة.
١- فقد واجهت النبي ﷺ مشكلة كبيرة بعد هجرته إلى المدينة تتمثل في عدم وجود مأوى مناسب للمهاجرين بالإضافة إلى عدم تمكنهم، وقدرتهم على شراء بيوت يسكنونها لأن المهاجرين رضوان الله عليهم كانوا قد تركوا ثرواتهم في مكة ولم يتمكنوا من أخذها معهم بسبب مضايقة قريش لهم، فما كان منه ﵊ إلا أَنْ شرع نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار اثنين اثنين. وكان من ضمن بنود المؤاخاة أن يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه (١)، بالإضافة إلى المواساة في كل أوجه الخير والمحبة.
وقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في حبهم وتفانيهم في مواساة إخوانهم المهاجرين، من ذلك قصة سعد بن الربيع الأنصاري ﵁، عندما آخى الرسول ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف وهو من المهاجرين، وكان سعد بن الربيع من أكثر الأنصار مالًا، قال أنس بن مالك ﵁: «لما قدم علينا عبد الرحمن بن عوف ﵁ وآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد ابن الربيع وكان كثير المال، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حلَّت تزوجتها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك» (٢)، وفي رواية أنه قال: «بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقك؟ فدلوه على السوق» (٣) .
_________________
(١) البخاري، رقم (٣٧٨١) .
(٢) البخاري، رقم (٣٧٨١) .
(٣) البخاري، رقم (٣٧٨٠) .
[ ٢٩ ]
وكان الهدف من هذه المؤاخاة إذهاب الوحشة والغربة التي أصابت المهاجرين بمفارقتهم للأهل والعشيرة، فلمّا عَزَّ الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة، وعرفوا أسباب اكتساب الرزق، أبطل الله التوارث، وبقيت الأخوة في الله، وذلك بنزول قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٥] .
وبهذا النظام الذي شرعه الرسول ﷺ استطاع وبفضل الله أن يجعل من المهاجرين والأنصار لحمة واحدة، وقد أثرت هذه المواقف العجيبة من الأنصار في نفوس المهاجرين فوقفوا مبهورين من تضحيات إخوانهم الأنصار في سبيل إسعاد إخوانهم المهاجرين، فما ملكوا أنفسهم حتى قالوا: «يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلًا في كثير، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ، لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال: "لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم" (١) .
وهكذا استطاع النبي ﷺ وبفضل الله حل مشكلة من أكبر المشكلات الاجتماعية التي واجهته في المدينة بعد الهجرة.
والحق أنّ موقف سعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف لا يصدقه العقل، ولو لم يرد في صحيح كتب السنة لما صدقه كثير من الناس، وذلك لما فيه من تضحيات تفوق الخيال، هل يُعقل أن الإسلام والأخوة الإيمانية تجعل الشخص يبذل ماله وأهله لأخيه المسلم دون مقابل؟ نعم، يُعقل وموقف سعد خير شاهد، والله إننا لمشتاقون إلى لقائهم والنظر إليهم.
غدًا نلقى الأحبة محمّدًا وصحبه
_________________
(١) مسند أحمد (٢٠/٣٦٠-٣٦١)، رقم ٠١٣٠٧٥)، وسنده صحيح على شرط الشيخين كما قال المحقق.
[ ٣٠ ]