المبحث الأول: أثر عامل السن في أسلوب تعليمه «منهجية النبي ﷺ في تعليم الصغار»:
تعليمه ﷺ حكم تعليم الصبيان:
علمهم النبي ﷺ أن تعليم الصبيان مستحب استحبابا متأكدا: وعلمهم ﷺ ذلك بقوله ﷻ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا (التحريم: ٦) والمعنى كما قال غير واحد من السلف: معناه علّموهم ما ينجون به من النّار، وثبت في الصّحيحين عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «كلّكم راع ومسئول عن رعيّته» «١» ف: «الصّبيّ أمانة عند والديه، وقلبه الطّاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كلّ نقش وصورة، وهو قابل لكلّ نقش وقابل لكلّ ما يمال به إليه، فإن عوّد الخير وعلّمه نشأ عليه وسعد في الدّنيا والاخرة، يشاركه في ثوابه أبواه وكلّ معلّم له ومؤدّب، وإن عوّد الشّرّ وأهمل شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيّم به والوليّ عليه، ومهما كان الأب يصون ولده من نار الدّنيا فينبغي أن يصونه من نار الاخرة، وهو أولى، وصيانته بأن يؤدّبه ويهديه ويعلّمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السّوء، ولا يعوّده التّنعّم، ولا يحبّب إليه الزّينة وأسباب الرّفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر ويهلك هلاك الأبد» «٢»، وقال ابن الحاج: «وينبغي له أن يمتثل السّنّة في الإقراء ومن جملة ذلك أنّ السّلف الماضين ﵃ أجمعين إنّما كانوا يقرئون أولادهم في سبع سنين» «٣» .
_________________
(١) البخاري (١/ ٣٠٤)، مسلم (٣/ ١٤٥٩) .
(٢) وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت: الموسوعة الفقهية (١٣/ ٢٣٤) .
(٣) المدخل لابن الحاج (٢/ ٣٤٥)، مرجع سابق.
[ ٣٣٨ ]
وقد بوب البخاري: باب تعليم الصبيان القران «١» «كأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك وقد جاءت كراهية ذلك عن سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وأسنده ابن أبي داود عنهما ولفظ إبراهيم: (كانوا يكرهون أن يعلموا الغلام القران حتى يعقل)، وكلام سعيد بن جبير يدل على أن كراهة ذلك من جهة حصول الملال له ولفظه عند بن أبي داود أيضا: كانوا يحبون أن يقرأ الصبي بعد حين «٢»، فكلام من كره يدل على استحباب تعليم الصبي لكن بعد التمييز، لا فور النطق، وهو ما عضده ابن الحاج بقوله: «بل بعضهم يكون سنّه بحيث لا يقدر أن يمسك ضرورة نفسه بل يفعل ذلك في المكتب ويلوّث به ثيابه ومكانه فليحذر من أن يقرئ مثل هؤلاء إذ لا فائدة في إقرائه لهم إلا وجود التّعب غالبا وتلويث موضع القران وتنزيهه عن ذلك متعيّن » «٣» .
«وأما كلام سعيد بن جبير فيدل على ترك التعليم إذا خيف تسرب الملال من القران إلى الصبي، وهو أمر مطلوب بكل حال، فالأصل أن يحبب القران إليه لا أن يبغض » «٤» .
منهجية النبي ﷺ في تعليم الصغار:
لم تختلف منهجية تعليم الصغار عن تعليم الكبار في عهده ﷺ: بل كانت تسير على الهيئة ذاتها: تعليم الألفاظ مع معانيها والعمل بها: الترتيل، الترجيع، حفظ القران ويدل لذلك مما علمهم النبي ﷺ إياه:
_________________
(١) البخاري (٤/ ١٩٢٢)، مرجع سابق.
(٢) فتح الباري (٩/ ٨٣)، مرجع سابق.
(٣) المدخل لابن الحاج (٢/ ٣٤٥)، مرجع سابق.
(٤) فتح الباري (٩/ ٨٣)، مرجع سابق.
[ ٣٣٩ ]
١- أن ابن عباس بنباهته وذكائه ومع كونه ترجمان القران إلا أنه لم يتقن إلا المفصل مع وفاة النبي ﷺ فقد بوب البخاري: «باب تعليم الصبيان القران» ثم روى عن سعيد بن جبير قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم قال: وقال ابن عباس: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم وفي لفظ:
جمعت المحكم في عهد رسول الله ﷺ فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصل «١» .
٢- ما رواه جندب قال: كنا غلمانا حزاورة مع رسول الله ﷺ فيعلمنا الإيمان قبل القران، ثم يعلمنا القران فازددنا به إيمانا وإنكم اليوم تعلمون القران قبل الإيمان «٢» .
ومن دلائل الحديثين:
أن الصغار يبتدئون حفظهم من اخر القران لا من أوله، ومثلهم من يكون على شاكلتهم، وأنه لا حرج في هذا التنكيس، ورأى البعض في هذا الحديث ما يدل «على أنه يستحسن ألا يبلغ عشر سنين إلا وقد حفظ المفصل، ومعنى هذا أنه يبدأ بتعليمه في سن السابعة، إذ لا يحتاج الصغير إلى أكثر من ثلاث سنين ليحفظ المفصل ويجوده» «٣» .
كما أن في الحديثين الدلالة الصريحة على اتباع تلك المنهجية دون تفريق بين صغار وكبار، إلا أنه لا شك في مراعاة مدى الاستيعاب بين الفئات المختلفة للمعاني والأحكام، فيدربون على ما يدرسه الراشدون بحسب الاستيعاب العقلي.
_________________
(١) البخاري (٤/ ١٩٢٢)، مرجع سابق.
(٢) ابن ماجه (١/ ٢٣)، مرجع سابق، البيهقي في الكبرى (٣/ ١١٩)، مرجع سابق، وقال في مصباح الزجاجة (١/ ١٢)، مرجع سابق: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات» .
(٣) انظر: سنن القراء ص ٥١، مرجع سابق.
[ ٣٤٠ ]
تدريب النبي ﷺ لهم:
كان من هديه ﷺ تدريبهم على أمور الكبار:
فقد كان ﷺ يسلم على الصبيان فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على غلمان فسلم عليهم «١» .
وكان ﷺ يدخلهم في ثنايا الصف في الصلاة بحسب النضج العقلي مع أن الأصل أن صفوفهم متأخرة فعن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بقبر قد دفن ليلا فقال: «متى دفن هذا؟» قالوا: البارحة قال: «أفلا اذنتموني؟» . قالوا:
دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك، فقام فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليه «٢» .
وكان ﷺ يخرجهم إلى مجامع المسلمين العامة كمصلى العيد، ولذا بوب البخاري: «باب خروج الصبيان إلى المصلى» «٣»، وذكر في ذلك حديث ابن عباس في خروجه إلى المصلى مع النبي ﷺ.
وكان يخرجهم في الغزو للخدمة ومشاهدة القتال ولذا قال ابن حبان: ذكر إباحة خروج الصبيان إلى الغزو ليخدموا الغزاة في غزاتهم- ثم ذكر حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي طلحة: «التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني حتى اتي خيبر» فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل «٤» .
_________________
(١) صحيح مسلم (٤/ ١٧٠٨)، مرجع سابق.
(٢) البخاري (١/ ٤٤٤)، مرجع سابق.
(٣) البخاري (١/ ٣٣١)، مرجع سابق.
(٤) ابن حبان (١١/ ٢٧)، مرجع سابق.
[ ٣٤١ ]
وقد كانوا يجعلونهم أئمة لهم، ولا بد للإمامة من وقارها فقد قالت عائشة ﵂: كنا نأخذ الصبيان من الكتاب ليقوموا بنا في شهر رمضان فنعمل لهم القلية والخشكنانج «١»، وقدم الأشعث غلاما فقيل له فقال: إنما قدمت القران «٢» .
ضرورة المراعاة بين الفروق الفردية:
وهذه المراعاة للفروق الفردية والقدرات العقلية بين الكبار والصغار، بل بين أفراد الفئة الواحدة هي التي تسوغ أن يبدأ الصبي في تعلمه للقران الكريم من سورة الناس.
كما أن هذه المراعاة هي التي تجعل تعليم القران لبعض الصبيان محدودا لأن الكمية التي يتعلمها تختلف باختلاف الأشخاص.
_________________
(١) البيهقي في الكبرى (٢/ ٤٩٥)، مرجع سابق.
(٢) ابن أبي شيبة (١/ ٣٠٥)، مرجع سابق، وأخرجه ابن أبي داود كما قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٨٣)، مرجع سابق بإسناد صحيح.
[ ٣٤٢ ]
المبحث الثاني: تعليمه ﷺ ألقاب حامل القران وصفاته:
يتناول المبحث هذا الجانب من الناحية الأكثر تعلقا بالكتاب، وهي الأقرب لتعلم ألفاظ القران الكريم «١»، ويبين الألقاب التي ميز بها الشارع الحكيم أهل القران في المجتمع الإسلامي عن غيرهم، وما تستدعيه هذه الألقاب من صفات حتى يستحق أصحابها الدخول في هذه الفئة المتميزة:
ولذا انقسم المبحث إلى ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعليمه ﷺ تلقيب القراء والمقرئين بألقاب مميزة.
المطلب الثاني: تعليمه ﷺ صفات حامل القران الذي يستحق هذه الألقاب.
المطلب الأول: تعليمه ﷺ تلقيب القراء والمقرئين بألقاب مميزة:
أولا: مصطلح (حامل القران):
ذكر هذا المصطلح في قوله ﷺ: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القران غير الغالي فيه ولا الجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط» «٢»، وفي قوله ﷺ: «ثلاث لا يكترثون للحساب ولا تفزعهم الصيحة، ولا يحزنهم الفزع الأكبر: حامل القران يؤديه إلى الله بما فيه يقدم على ربه ﷿ سيدا شريفا حتى يوافق المرسلين » «٣»، وفي غير ذلك من
_________________
(١) أفاض العلماء في ذكر صفات حملة القران، وألف الإمام الاجري لذلك (أخلاق حملة القران) وألف النووي (التبيان في اداب حملة القران)، وانظر لمزيد من ذلك: القرطبي (١/ ٢٠)، مرجع سابق، وما بعدها.
(٢) أبو داود (٤/ ٢٦١)، وقال في تلخيص الحبير (٢/ ١١٨)، مرجع سابق: «وإسناده حسن» .
(٣) شعب الإيمان (٢/ ٥٥٥)، مرجع سابق، وقال محقق لمحات الأنوار (١/ ٢٨): وهو حسن بشواهده، مرجع سابق.
[ ٣٤٣ ]
الأحاديث، وذكر هذا المصطلح على ألسنة الصحابة ﵃ فسالم مولى أبي حذيفة قيل له يوم اليمامة في اللواء: تخشى من نفسك شيئا فتولي اللواء غيرك فقال: بئس حامل القران أنا إذا فقطعت يمينه فأخذ اللواء بيساره، فقطعت يساره فاعتنق اللواء وهو يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (ال عمران: ١٤٤- ١٤٦) فلما صرع قال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ قيل: قتل قال: فما فعل فلان؟
لرجل قد سماه قيل: قتل قال: فأضجعوني بينهما «١» .
تحريره:
يدل على من يحفظ عن ظهر قلب كما هو واضح من كونه يحمل القران، وليس معتادا في عصر النبي ﷺ أن يحملوا مصاحفا معهم لعسر ذلك في وقتهم، فتعين أنه يريد من حفظه وقرأه عن ظهر قلب، وقد بين أهل العلم أن مصطلح حامل القران إنما يكون لمن «يلازمه بالتلاوة والعمل لا من يقرؤه ولا يعمل به» «٢»، ولا يدعى بحامل للقران من لا يرتل القران، ويتقن أداءه، فمن حفظ لفظه ولم يتقن أداءه فلا يدعى حاملا للقران ولا ينال الثواب المتميز الوارد في
_________________
(١) الحاكم (٣/ ٢٥٢)، وانظر: الجهاد ص ٩٨ لابن المبارك، تحقيق: نزيه حماد، الدار التونسية، تونس، ١٩٧٢ م.
(٢) عون المعبود (٤/ ٢٣٧)، مرجع سابق.
[ ٣٤٤ ]
حملة القران وقرائه على ما قرره علماء الإسلام، إذ «يؤخذ من الحديث أنه لا ينال هذا الثواب الأعظم إلا من حفظ القران وأتقن أداءه وقراءته كما ينبغي له» «١»، وعلى هذا فحملة القران «أي حفظته عن ظهر قلب المداومين لتلاوته العاملين بأحكامه» «٢» العاملون بما فيه الواقفون عند حدوده ورسومه الامرون بما أمر به الناهون عما نهى عنه «٣» ولكن الواقع هو الأخذ بالظاهر فينادى بهذا اللفظ من جمع القران ما دام لم يظهر منه علنا ما ينافي القران، مع الأخذ بعين الاعتبار الحقيقة السابقة.
ثانيا: مصطلح (صاحب القران):
وورد مصطلح (صاحب القران): في قول النبي ﷺ: «يقال لصاحب القران إذا دخل الجنّة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكلّ اية درجة حتّى يقرأ اخر شيء معه» «٤»، وقوله ﷺ: «إذا قام صاحب القران فقرأه بالليل والنهار ذكره..» «٥» .
تحريره:
يدل على المؤالفة بين القران والإنسان الملقب بهذا اللقب؛ إذ المصاحبة هي المؤالفة، وهو كقوله ﷾: أَصْحابَ الْجَنَّةِ (القلم: ١٧) والإلف المطلوب هنا إلف لتلاوته وهو أعم من أن يألفها نظرا من المصحف، أو عن ظهر قلب فإن الذي يداوم على ذلك يذل له لسانه، ويسهل عليه قراءته، فإذا هجره ثقلت عليه
_________________
(١) عون المعبود (٤/ ٢٣٧)، مرجع سابق.
(٢) فيض القدير (١/ ٢٢٦)، مرجع سابق.
(٣) فيض القدير (٢/ ١٩)، مرجع سابق.
(٤) ابن حبان (٣/ ٤٣)، الحاكم (١/ ٧٣٩)، النسائي في الصغرى (١/ ٥٦٠)، الترمذي (٥/ ١٧٧)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح» .
(٥) رواه مسلم (١/ ٥٣٦)، مرجع سابق.
[ ٣٤٥ ]
القراءة، وشقت عليه «١»، ولكن المصطلح الشرعي حصر (صاحب بالقران) بمن يقرؤه عن ظهر قلب، ويحفظه غيبا فيما يظهر من قول النبي ﷺ: «مثل القران إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه باللّيل والنّهار كمثل رجل له إبل فإن عقلها حفظها وإن أطلق عقلها ذهبت فكذلك صاحب القران» «٢» إذ المفهوم العام يدل على أن المراد تنبيه الحافظ لديمومة حزبه وقد يعترض على هذا بأن الذي يترك قراءته نظرا أمدا طويلا يشق عليه بعد ذاك فيصدق على القارئ للمصحف نظرا هذا المصطلح، وهو ما يظهر أن ابن حجر حاول إثباته عندما قال: «وقوله إنما يقتضي الحصر على الراجح لكنه حصر مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك» «٣» ولكن ذلك غير راجح- وإن قبل- لأن الحفظ المذكور في الحديث يقرب أن يكون المراد عن ظهر قلب.
ثالثا: أهل القران:
وقد ورد هذا المصطلح في قوله ﷺ: «إن لله اهلين من الناس» قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القران هم أهل الله وخاصته» «٤»، وعن عبيدة المليكي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: «يا أهل القران لا توسدوا القران واتلوه حق تلاوته في اناء الليل والنهار، وأفشوه، وتغنوا به، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون ولا تستعجلوا ثوابه فإن له ثوابا» «٥»، وعن طاووس أنه سأل ابن
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٩/ ٨٠)، مرجع سابق.
(٢) البخاري (٤/ ١٩٢٠)، مسلم (١/ ٥٤٣)، ابن حبان (٣/ ٤٢)، مرجع سابق.
(٣) انظر: فتح الباري (٩/ ٨٠)، مرجع سابق.
(٤) النسائي في الكبرى (٥/ ١٧)، ابن ماجة (١/ ٧٨)، وفي مصباح الزجاجة (١/ ٢٩)، مرجع سابق: «هذا إسناد صحيح ورجاله موثقون» .
(٥) شعب الإيمان (٢/ ٣٥٠) .
[ ٣٤٦ ]
عباس ﵁: ما معنى قول الناس: أهل القران عرفاء أهل الجنة. فقال: رؤساء أهل الجنة «١» .
وانتشر هذا المصطلح فيما بعد فقد جاء عن عبيد بن عمير كان يقول إذا جاء الشتاء: يا أهل القران طال الليل لصلاتكم، وقصر النهار لصيامكم فاغتنموا «٢» .
رابعا: مصطلح (جمع القران) فالاسم منه جامع:
ورد هذا المصطلح في أحاديث عديدة ومنها: حديث أنس ﵁: جمع القران على عهد رسول الله ﷺ أربعة الحديث، وحديث أبي هريرة في أول ثلاثة يقضى بينهم يوم القيامة وفيه: «فأول من يدعوا به رجل جمع القران ورجل يقتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت أقوم به أثناء الليل واناء النهار فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل » الحديث «٣» .
تحرير هذا المصطلح:
واضح أن المراد به القراءة عن ظهر قلب، ومن ذلك قول المحدث أبي صالح: لأن أكون جمعت القران ثم قمت به سنة كان أحب إلي من كذا وكذا، وذلك أنه بلغني أنه يقال لصاحب القران اقرأ وارق ورتل فيرجى إذا كان جمع القران أن يكون من المقربين «٤»، وقد يرد هذا المصطلح بمعنى كتابته كله
_________________
(١) لسان العرب (٩/ ٢٣٩)، مرجع سابق.
(٢) ابن أبي شيبة (٢/ ٣٤٤)، مرجع سابق.
(٣) ابن خزيمة (٤/ ١١٦)، ابن حبان (٢/ ١٣٦)، الحاكم (١/ ٥٧٩)، الترمذي (٤/ ٥٩١)، مراجع سابقة.
(٤) سعيد بن منصور (١/ ٦٩)، مرجع سابق.
[ ٣٤٧ ]
حروفا وكلمات وايات وسورا هذا جمع في الصحائف والسطور وذاك جمع في القلوب والصدور «١» .
خامسا: مصطلح (حافظ القران):
ورد في حديث الماهر بالقران قال رسول الله ﷺ: «مثل الذي يقرأ القران وهو حافظ له» «٢»، وورد بصيغة الفعل منه، وورد بلفظه في لغة التابعين فعن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع فقلنا: يا أبا الأسقع حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه وهم ولا تزيد ولا نسيان فقال:
هل قرأ أحد منكم من القران شيئا فقلنا نعم وما نحن له بالحافظين جدا إنا لنزيد الواو والألف وننقص.. «٣» ..
وورد أصل اسم الفاعل وهو الفعل، وقد كثر هذا فعن أبي الدّرداء ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من حفظ عشر ايات من أوّل سورة الكهف عصم من الدّجّال» «٤» .
وقد شاع هذا المصطلح لموافقته لقول الله ﷿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩)، ولأنه يحقق مراد مصطلح الصاحب والحامل وهو (الحافظ) ليطلقوه على من قرأ القران عن ظهر قلب ولذا كثر في عبارات المتأخرين ولا شك أن مصطلح (حامل القران) أكثر دلالة وظهورا على المطلوب مع التواضع الظاهر فيه مقارنة بمصطلح حافظ القران.
_________________
(١) مناهل العرفان (١/ ١٦٧)، مرجع سابق.
(٢) البخاري (٤/ ١٨٨٢)، مرجع سابق.
(٣) الطبراني في الكبير (٢/ ٥٤)، مسند الشاميين (٢/ ٣٦٨)، مرجعان سابقان.
(٤) مسلم (١/ ٥٥٥)، الحاكم (٢/ ٣٩٩)، أبو داود (٤/ ١١٧)، مرجع سابق.
[ ٣٤٨ ]
سادسا: مصطلح القارئ، وجمعه القراء:
وقد ورد كثيرا في الأحاديث النبوية وتقدم بعضها وسيأتي بعضها بعد هذا- إن شاء الله-.
تحرير هذا المصطلح:
بيان حقيقة هذا المصطلح مسألة جليلة تغافل عنها كثير من مؤسسات تعليم القران الكريم ولذا لا بد من التوسع في تبيينها فإن لمصطلح (القراء) عند القوم إطلاقين: مطلق العالم بما يتعلق بالكتاب والسنة، والجامع للقران الكريم الذي يقرؤه عن ظهر قلب، ولكن لم يكن الفرق بينا في عهد رسول الله ﷺ بين هذين المعنيين، ويدل على شمول مصطلح القارئ لمفهوم العالم قولها ﷺ: «فأول من يدعوا به رجل جمع القران ورجل يقتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت أقوم به أثناء الليل واناء النهار فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل » الحديث «١» .
وهذان اللفظان: قارئ وعالم إن اجتمعا افترقا، وإن انفرد القارئ فالأصل فيه الدلالة على العلم، ويؤيد هذا الرواية الاخرى لهذا الحديث: «إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القران فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القران قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القران ليقال هو قاريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار » الحديث «٢» .
_________________
(١) ابن خزيمة (٤/ ١١٦)، ابن حبان (٢/ ١٣٦)، الحاكم (١/ ٥٧٩)، الترمذي (٤/ ٥٩١)، مراجع سابقة.
(٢) مسلم (٣/ ١٥١٣)، النسائي في الكبرى (٦/ ٤٧٧)، مرجعان سابقان.
[ ٣٤٩ ]
وغلب على الصحابة ﵃ علم نقل اللفظ القراني لأنه مادة البلاغ الأصلية حتى قال فيهم المنافقون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء «١» .
ومن هذا الباب: «أن القارئ لا يكون قارئا إلا مع فهم القران» قال ابن زيد في قوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (النحل: ٤٣): «الذكر القران» وقرأ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩)، وقرأ:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ (فصلت: ٤١) «٢» .
فقد دخل في معنى قوله ﷺ: «خيركم من تعلم القران وعلمه» «تعليم حروفه ومعانيه جميعا، بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه، وذلك هو الذي يزيد الإيمان» «٣» .
صفة أئمة الإقراء من أصحابه ﵃: وهذه صفة تلاميذه (أصحابه) من القراء فقد كانوا أعلم الناس بالعلوم الشرعية فعن عبد الله بن مسعود قال: من تعلم القران فليتعلم الفرائض ولا يكن كرجل لقيه أعرابي فقال له: يا عبد الله أعرابي أم مهاجر؟ فإن قال: مهاجر. قال: إنسان من أهلي مات فكيف نقسم ميراثه فإن علم كان خيرا أعطاه الله إياه وإن قال لا أدري قال فما فضلكم علينا؟
أنكم تقرؤون القران ولا تعلمون الفرائض «٤»، وقال أبو موسى ﵁: من علم القران ولم يعلم الفرائض فإنّ مثله مثل البرنس لا وجه له أو ليس له وجه «٥» .
_________________
(١) ابن كثير (٢/ ٣٦٢)، مرجع سابق.
(٢) الطبري (١٤/ ١٠٩)، مرجع سابق.
(٣) ابن تيمية (١٣/ ٤٠٣)، مرجع سابق.
(٤) سنن البيهقي الكبرى (٦/ ٢٠٩)، مرجع سابق.
(٥) الدارمي (٢/ ٤٤١)، مرجع سابق.
[ ٣٥٠ ]
ومن أعظم مخاطر اقتصار المقرئ على مجرد تلقين الألفاظ أن يفسد عمله في تعليم الناس القران دون أن يشعر:
إذ أصناف القراء على التحقيق ثلاثة: «فمن حملة القران المعرب العالم بوجوه الإعراب والقراات العارف باللغات ومعاني الكلمات البصير بعيب القراات المنتقد للاثار فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القران في كل مصر من أمصار المسلمين، ومنهم من يعرب ولا يلحن ولا علم له بغير ذلك فذلك كالأعرابي الذي يقرأ بلغته ولا يقدر على تحويل لسانه فهو مطبوع على كلامه، ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذ عنه ليس عنده إلا الأداء لما تعلم لا يعرف الإعراب ولا غيره فذلك الحافظ فلا يلبث مثله أن ينسى إذا طال عهده فيضيع الإعراب لشدة تشابهه وكثرة فتحه وضمه وكسره في الاية الواحدة لأنه لا يعتمد على علم بالعربية ولا بصر بالمعاني يرجع إليه وإنما اعتماده على حفظه» «١» .
وعلى ضوء هذا يفهم معنى ما جاء عن ابن المبارك عندما قام رجل إليه فقال: يا أبا عبد الرحمن! في أي شيء أجعل فضل يومي في تعلم القران أو في طلب العلم؟ فقال: هل تقرأ من القران ما تقيم به صلاتك؟ قال: نعم! قال:
فاجعله في طلب العلم الذي يعرف به القران «٢» .
كما أن المراد بتعلم المعاني ليس تعلم العلوم بالمعنى المصطلحي- وإن كان مطلوبا للمتأهل والمتصدر للإقراء، بل المراد بالنسبة للعامة من المقرئين التدبر وفهم المعنى على الأقل.
_________________
(١) السبعة ص ٤٦، مرجع سابق.
(٢) حلية الأولياء (٨/ ١٦٥)، مرجع سابق.
[ ٣٥١ ]
ولكن ينبغي ذلك مع عدم الإكثار من المادة المصاحبة لحفظ ألفاظ القران الكريم كما في حديث بن مسعود ﵁: جرّدوا القران ليربو فيه صغيركم ولا ينأى عنه كبيركم «أي لا تقرنوا به شيئا من الأحاديث ليكون واحده مفردا وقيل أراد ألايتعلّموا من كتب الله شيئا سواه ، والمعنى اجعلوا القران لهذا وخصّوه به، واقصروه عليه، دون النّسيان والإعراض عنه، لينشأ على تعلّمه صغاركم، ولا يتبعاد عن تلاوته وتدبّره كباركم» «١» .
المطلب الثاني: تعليمه ﷺ صفات حامل القران الذي يستحق هذه الألقاب:
علم النبي ﷺ أصحابه ﵃ صفات حامل القران الذي يستحق الألقاب السابقة:
أولا: أول صفات الحافظ التي تجعله يعتز بكونه حاملا للقران: محاولته الدائمة للتفكر في جلال الله، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلى:
فإن ذلك هو الذي يولد في قلبه مقدار جلال كلامه ﷻ، وقد علم النبي ﷺ أصحابه ذلك أشد التعليم وأعظمه؛ إذ تلحظ ذلك من أحاديثه المتوافرة، ومن إضافة ايات الكتاب إليه سبحانه في مثل قوله ﷻ: آياتُ اللَّهِ (البقرة: ٢٥٢)، ومن تبجيل كلام الله ﷾ ببيان كيف تلقاه جبريل ﵇، وكيف كان يتلقاه النبي ﷺ وهو الذي جعله الغزالي في جواهر القران أهم ما يستعان به على حفظ القران وفهمه، ومما قاله: «حال العارفين ونسبة لذتهم إلى لذة الغافلين: واعلم أنه لو خلق فيك شوق إلى لقاء الله، وشهوة إلى معرفة جلاله أصدق وأقوى من شهوتك للأكل والنكاح لكنت تؤثر جنة المعارف ورياضها وبساتينها على الجنة
_________________
(١) النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٥٦)، مرجع سابق.
[ ٣٥٢ ]
التي فيها قضاء الشهوات المحسوسة» «١»، فإذا استقر في ذهن المرء وسويداء قلبه أن القران كلام الله ﷻ أنزله الله على البشر مباركا وهدى للناس علم مقدار جلاله، وعظمته.
وإنما كان خير الناس هو المقرئ إلا لأن خيرهم بعد النبيين من يتعلم القران ويعلمه «٢» بعد أن استقر أن خير الكلام كلام الله، فقوله ﷺ: «خيركم من تعلم القران وعلمه» أي خير المتعلمين والمعلمين من كان تعلمه وتعليمه في القران لا في غيره إذ خير الكلام كلام الله فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل به «٣»، ولذا فإن معنى كونه مع الملائكة أنه يكون رفيقا لهم هناك لاتصافه بصفتهم من حمل كتابه «٤» .
ثانيا: تعلم معاني الألفاظ مع تلقيها:
فيتعلمون مع ألفاظه معانيه، ويتدبرونه، ويعلمون حلاله وحرامه: فإن النبي ﷺ هكذا علمه فلم يكن تعليم النبي ﷺ لأصحابه ألفاظ القران الكريم إلا مع معانيه وتدل لهذا الأدلة التالية:
١- ما جاء في قوله ﷾: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ (ال عمران: ٧٩): فقد قال الضحاك فيها: «حق على كل من تعلم القران أن يكون فقيها» وقد قال الفضيل بن عياض في المكثرين من العلوم الاخرى تاركين كتاب الله: وقد ضيعتم كتاب الله ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما
_________________
(١) جواهر القران ص ٨٢، مرجع سابق.
(٢) شرح سنن ابن ماجة (١/ ١٩)، مرجع سابق.
(٣) انظر: فيض القدير (٣/ ٤٩٩)، مرجع سابق.
(٤) فيض القدير (١/ ٢٢٦)، مرجع سابق.
[ ٣٥٣ ]
تريدون قال قلنا: قد تعلمنا القران قال: إن في تعلمكم القران شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم:
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (يونس: ٥٧- ٥٨) «١» .
٢- لم يعلمهم النبي ﷺ أن يتقنوا الألفاظ إلا لتحقيق مقاصد القران:
كما في قوله ﷾: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ (ص: ٢٩)، وأنكر النبي ﷺ على قوم يقرؤونه لا يفقهونه فقال: «يقرؤن القران لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع» فالمطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب «٢» .
ولذا نعى العلماء على قارئ أو مقرئ لا يحسن غير ذلك، فقد قال الغزالي رحمه الله تعالى-: «أنبهك على رقدتك أيها المسترسل في تلاوتك المتخذ دراسة القران عملا المتلقف من معانيه ظواهر وجملا إلى كم تطوف على ساحل البحر مغمضا عينيك عن غرائبها، أو ما كان لك أن تركب متن لجتها لتبصر عجائبها وتسافر إلى جزائرها لاجتناء أطايبها، وتغوص في عمقها فتستغني بنيل جواهرها؟ أو ما بلغك أن القران هو البحر المحيط ومنه يتشعب علم الأولين والاخرين؟» «٣» .
_________________
(١) القرطبي (١/ ٢٢)، مرجع سابق.
(٢) الديباج على صحيح مسلم (٢/ ٤١٥)، مرجع سابق.
(٣) جواهر القران ص ٢١، مرجع سابق.
[ ٣٥٤ ]
٣- حديث ابن مسعود ﵁ قال: كنّا نتعلّم من رسول الله ﷺ عشر ايات فما نعلم العشر الّتي بعدهنّ حتّى نتعلّم ما أنزل في هذه العشر من العمل «١»
فهذا بيان للمنهجية النبوية في تعليم اللفظ القراني.
٤- عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثني الذين كانوا يقرئوننا عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ﵃ وفي رواية الطحاوي كان أصحابنا يقرئونا ويعلّمونا ويخبرونا- أنّ النّبيّ ﷺ كان يقرئ أحدهم عشر ايات فما يجاوزها حتّى يتعلّم العمل فيها قال: وقالوا علمنا القران والعمل جميعا «٢» وفي لفظ: فعلمنا العلم والعمل «٣» .
٥- وقال: إنا أخذنا هذا القران عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر ايات لم يجاوزوهن إلى العشر الاخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القران والعمل به، وإنه سيرث القران بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم بل لا يجاوز ها هنا ووضع يده على الحلق «٤» .
٦- وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: لقد عشنا برهة من دهر وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القران وتنزل السّورة على محمّد ﷺ فيتعلّم حلالها وحرامها وامرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلّمون أنتم اليوم القران ثمّ لقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القران قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى
_________________
(١) مشكل الاثار للطحاوي (٢/ ٤٥٦)، مرجع سابق، البيهقي في الكبرى (٣/ ١١٩)، مرجع سابق.
(٢) مشكل الاثار للطحاوي (٢/ ٤٥٦)، مرجع سابق.
(٣) أحمد (٥/ ٤١٠)، ابن أبي شيبة (٦/ ١١٧)، مرجعان سابقان، وانظر: مجمع الزوائد (٧/ ١٦٥)، مرجع سابق.
(٤) (ابن سعد) محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري ت ٢٣٠ هـ: الطبقات الكبرى (٦/ ١٧٢)، دار صادر بيروت.
[ ٣٥٥ ]
خاتمته، ولا يدري ما امره، ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينتثره نثر الدّقل «١» .
وهذا يقتضي منهجيا أن يتدرج القائمون على دور القران وكلياته وجامعاته في تدريس المواد الشرعية الضرورية مع تعليم القران الكريم بحسب المرحلة المناسبة للطالب.
وكان مجلس أئمة الإقراء ﵃ يمتلئ بالمذاكرة العلمية فمثلا كان الناس عند عبد الله بن مسعود فوقع بين رجلين ما يقع بين الناس فوثب كل واحد منهم إلى صاحبه فقال بعضهم: ألا أقوم فامرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر فقال:
بعضهم عليك نفسك إن الله تعالى قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المائدة: ١٠٥) فسمعها ابن مسعود فقال: لم يجيء تأويل هذه الاية بعد، إن القران أنزل حين أنزل وكان منه اي مضى تأويله قبل أن ينزل، وكان منه اي وقع تأويله اليوم، ومنه اي يقع تأويله عند الساعة، وما ذكروا من أمر الساعة، ومنه اي يقع تأويله بعد يوم الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويلها «٢» .
ثالثا: تعلم الإيمان مع تعلم ألفاظ القران «٣»:
والمراد به هنا العمل؛ إذ لفظ الإيمان يستغرق العلم والعمل جميعا، ولكن تخصيص مدلول الإيمان بالعمل يقتدى فيه بالتعبير القراني في قوله ﷻ: وَقالَ
_________________
(١) مشكل الاثار للطحاوي (٢/ ٤٥٧)، الإيمان لابن منده (١/ ٣٦٩) .
(٢) البيهقي في الكبرى (١٠/ ٩٢)، مرجع سابق.
(٣) وينظر- مثلا- في أعمال الباطن في التلاوة: الإحياء (١/ ٢٨٠)، مرجع سابق.
[ ٣٥٦ ]
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ (الروم: ٥٦)، وسلب الإيمان (العمل) من أخوف ما يتقيه حامل القران، وقد علمهم النبي ﷺ ذلك حتى أخبرهم بأن القران قد يستظهره ألد أعدائه فقال ﷺ: «يخرج من الكاهنين رجل يدرس القران دراسة لا يدرسها أحد يكون بعده» «١» .
وأما ما أشار إليه بعض الصحابة كجندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وغيرهما بقولهم: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القران فازددنا إيمانا وأنتم تتعلمون القران ثم تتعلمون الإيمان، وكذلك قال حذيفة: إنا قوم أوتينا الإيمان قبل أن نؤتى القران، وإنكم قوم أوتيتم القران قبل أن تؤتوا الإيمان «٢» فالمراد بالإيمان هنا أخص العمل وهو الاستعداد والخشية والحب والتلهف، ومثله ما جاء عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الاخر أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القران ثم علموا من السنة.. «٣» . على أن تعلم لفظ القران سابق على كل شيء.
ولا يتوهم من قوله ﷺ: «خيركم من تعلم القران وعلمه»: «أن العمل خارج عنهما؛ لأن العلم إذا لم يكن مورثا للعمل ليس علما في الشريعة إذا أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل» «٤»، وقد قال ابن عبد البر: «وحملة القران هم العاملون بأحكامه وحلاله وحرامه بما فيه» «٥»، ولذا فالأجر إنما يكون لمن يعمل به فعن النّوّاس بن سمعان الكلابيّ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول:
_________________
(١) الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٩٧)، مرجع سابق.
(٢) البيهقي في الكبرى (٣/ ١١٩)، مرجع سابق.
(٣) البخاري (٥/ ٢٣٨٢)، مرجع سابق.
(٤) تحفة الأحوذي (٨/ ١٧٩)، مرجع سابق.
(٥) التمهيد لابن عبد البر (١٧/ ٤٣٠)، مرجع سابق.
[ ٣٥٧ ]
«يؤتى بالقران يوم القيامة وأهله الّذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وال عمران وضرب لهما رسول الله ف ثلاثة أمثال ما نسيتهنّ بعد قال كأنّهما غمامتان أو ظلّتان سوداوان بينهما شرق أو كأنّهما حزقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما» «١» .
مثال تطبيقي من تلاميذ النبي ﷺ: وقد أثنى النبي ﷺ على رجل ذكر عنده بأنه يعمل بالقران: فعن السائب بن يزيد أنّ شريحا الحضرميّ ذكر عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «لا يتوسّد القران» «٢»، فقوله: «لا يتوسد القران» مدح على الراجح بأنه يعظّم القران ويجلّه ويداوم على قراءته، لا كمن يمتهنه ويتهاون به ويخلّ بتلاوته «٣» .
ومن الأمور العملية التي خص حملة القران بالنداء إليها: ما ورد عن علي ﵁ قال: إن الوتر ليس بحتم ولا كصلاتكم المكتوبة ولكن رسول الله ﷺ أوتر ثم قال: «يا أهل القران أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر» «٤»، وذكر بعض أهل العلم أن تخصيصه أهل القران بالأمر فيه يدل على أنه واجب. «٥» .، ويؤكد التخصيص نص حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن الله وتر يحب الوتر أوتروا يا أهل القران» فقال أعرابي: ما يقول رسول الله ﷺ؟ قال: ليس لك ولا لأصحابك.
_________________
(١) مسلم (١/ ٥٥٣)، ابن حبان (١/ ٣٢٢)، الحاكم (١/ ٧٤٧)، مراجع سابقة.
(٢) أحمد (٣/ ٤٤٩)، النسائي في الكبرى (١/ ٤١٢)، والصغرى (٣/ ٢٥٦)، مراجع سابقة.
(٣) انظر: الفائق (٤/ ٥٩)، النهاية (٥/ ١٨٢)، حاشية السندي (٣/ ٢٥٧)، مراجع سابقة.
(٤) ابن خزيمة (٢/ ١٣٦)، الحاكم (١/ ٤٤١)، المختارة (٢/ ١٣٦)، أبو داود (٢/ ٦١)، الترمذي (٢/ ٣١٦)، مراجع سابقة.
(٥) عون المعبود (٤/ ٢٠٥)، مرجع سابق.
[ ٣٥٨ ]
وعلمهم النبي ﷺ أن شيوع القران ترتيلا وتغنيا دون إيمان وعمل وتدبر من الخصال التي يخاف أن تصيبهم فعن عابس الغفاري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يعني خصالا يتخوفهن على أمته من بعده إمارة السفهاء واستخفافا بالدم وقطيعة الرحم وكثرة الشرط ونشء يتخذون القران مزامير يتغنون غناء يقدمون الرجل بين أيديهم ليس بأفضلهم ولا أعلمهم لا يقدمونه إلا ليغنى لهم «١» «فما أقبح لحامل القران أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب، وهو لا يفهم ما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه» «٢» .
وكتسلسل لهذه المنهجية كان أبو موسى ﵁ يقول لتلاميذه: إنّ هذا القران كائن لكم أجرا وكائن لكم ذكرا وكائن بكم نورا وكائن عليكم وزرا.
اتّبعوا القران ولا يتّبعكم القران فإنّه من يتّبع القران يهبط به في رياض الجنّة ومن اتّبعه القران يزخّ في قفاه فيقذفه في جهنّم «٣»، وكان أبو عبد الرحمن السلمى إذا ختم عليه الخاتم القران أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له: يا هذا اتق الله فما أعرف أحدا خيرا منك إن عملت بالذي عملت «٤» وذكر أبو بكر الأنباري عن عبد الله بن مسعود: إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القران وسهل علينا العمل به وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القران ويصعب عليهم العمل به.
تعلم العلم والعمل جميعا أساس في المنهجية النبوية:
فقد ظهر مما سبق المنع من تعلم المعشر الجديد حتى يتم العلم بما في القديم من العمل، وهذا يقتضي العلم بما فيها من المعنى.
_________________
(١) شعب الإيمان (٢/ ٥٤١)، مرجع سابق.
(٢) القرطبي (١/ ٢١)، مرجع سابق.
(٣) الدارمي (٢/ ٥٢٦)، سعيد بن منصور في سننه (١/ ٤٩)، ابن أبي شيبة (٧/ ١٤٢)، مراجع سابقة.
(٤) القرطبي (١/ ٧)، مرجع سابق.
[ ٣٥٩ ]
والمقتضى المنهجي لذلك:
إعادة هذا الأسلوب، وتطبيقه، وإتحافه بعدد من الأنشطة العملية التي تواكب تطبيق الايات: كالإنفاق ولو بمبلغ رمزي عند قراءة اية الإنفاق، والتفكر عند قراءة اية التفكر، وأمر المتعلم بشرح أحكام الزواج مثلا بعد قراءتها كنوع من الإصرار على الفهم العام.
ومن المقتضيات إعداد منهج مواكب لعمل التحفيظ أو التلقين أو الإقراء تشرح فيه معاني القران بيسر، وتقترح فيه النشطة العملية المقترحة لمواكبة الايات المتعلمة.
اعتراض وجوابه:
قد يعترض على هذا بأنه يطيل أمد الحفظ ومدته والجواب أن هذا هو الأمر الشرعي، ولا دخل لما ال إليه الأمر هذه الأيام في كثير من مؤسسات التحفيظ، كما أن من مقتضيات ذلك إعداد معلم القران إعدادا قويا يناسب قيامه بهذه الوظيفة الجليلة. كما لا يعترض على هذا بتفاوت مدارك المتعلمين لأن هذا المبدأ يفرض تفاوت التعامل مع كل طالب بحسب حاله.
وأما الصغار فلا بد من مراعاة مقدار ذلك معهم ذلك لا إزالة الفكرة من أصلها.
رابعا: ورأس الصفات العملية للإيمان الإخلاص لله تعالى:
وهو ما كان النبي ﷺ يعلمهم إياه مذ بعث، وبين القاري أن الخيرية في قوله ﷺ: «خيركم من تعلم»: «لكن لا بد من تقييد التعلم والتعليم بالإخلاص» «١»، فمن أخلصهما وتخلق بهما دخل في زمرة الأنبياء «٢»، ولإذكاء صفة الإخلاص في نفس القارئ، فقد كان من أسلوب النبي ﷺ في نفوس حملة القران أن يبين لهم
_________________
(١) شرح سنن ابن ماجه (١/ ١٩)، مرجع سابق.
(٢) انظر: فيض القدير (٣/ ٤٩٩)، مرجع سابق.
[ ٣٦٠ ]
مقدار الوعيد الشديد فيمن يزيغ عن ايات الله بعد أن يعلمها كما في قول ﷻ:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
(١٧٦) (الأعراف: ١٧٥- ١٧٦)، ففي ذلك زيادة التشنيع لمن يفعل فعل الذي أخلد إلى الأرض، وبيان حقيقة مكانة حامل القران إن اهتدى أو ضل، وقد حبذ بعض المقرئين تحفيظ القراء- مع قراءتهم- حديث أبي هريرة في أول ثلاثة يقضى بينهم يوم القيامة وفيه: «فأول من يدعوا به رجل جمع القران ورجل يقتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت أقوم به أثناء الليل واناء النهار فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل » الحديث «١» ..
وتسلسل منهجية التذكير بالإخلاص للقراء، فقد خطب عمر ابن الخطّاب ﵁ فقال: يا أيّها النّاس ألا إنّا إنّما كنّا نعرفكم إذ بين ظهرينا النّبيّ ﷺ وإذ ينزل الوحي وإذ ينبئنا الله من أخباركم ألا وإنّ النّبيّ ﷺ قد انطلق وقد انقطع الوحي وإنّما نعرفكم بما نقول لكم من أظهر منكم خيرا ظننّا به خيرا وأحببناه عليه ومن أظهر منكم لنا شرّا ظننّا به شرّا وأبغضناه عليه سرائركم بينكم وبين ربّكم ألا إنّه قد أتى عليّ حين وأنا أحسب أنّ من قرأ القران يريد الله وما عنده فقد خيّل إليّ باخرة إنّ رجالا قد قرؤه يريدون به ما عند النّاس فأريدوا الله بقراءتكم وأريدوه بأعمالكم «٢» .
_________________
(١) ابن خزيمة (٤/ ١١٦)، ابن حبان (٢/ ١٣٦)، الحاكم (١/ ٥٧٩)، الترمذي (٤/ ٥٩١)، مراجع سابقة.
(٢) المختارة (١/ ٢١٩)، عبد الرزاق (٣/ ٣٨٣)، أحمد (١/ ٤١)، أبو يعلى (١/ ١٧٥)، وانظره في مجمع الزوائد (٥/ ٢١١)، مراجع سابقة.
[ ٣٦١ ]
خامسا: مداومة تلاوته:
والمراد بالتلاوة هنا معناها الخاص، وهو القراءة فقد علمهم النبي ﷺ ذلك فيما رواه أبو هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين رجل علّمه الله القران فهو يتلوه اناء اللّيل واناء النّهار فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل» «١» .
وقد علمهم أن ذلك يجب ألا يعدل ما سواه حتى لو كان حديث رسول الله فقد حدث عقبة بن عامر الجهنيّ عن رسول الله ﷺ أحاديث فقال أبو موسى:
إنّ صاحبكم هذا لحافظ أو هالك إنّ رسول الله ﷺ كان اخر ما عهد إلينا أن قال عليكم بكتاب الله وسترجعون إلى قوم يحبّون الحديث عنّي فمن قال عليّ ما لم أقل فليتبوّأ مقعده من النّار ومن حفظ عنّي شيئا فليحدّثه «٢» .
وكثرة التلاوة لأن الله ﷿ «أراد انصباغ النفوس بصبغة هذه المعلومات وتردادها بالنسبة إلى العالم ولأجل ذلك أمرنا بتكرار التلاوة والإكثار منها، ولم يكتف بمجرد الفهم» «٣» .
ولذا علمهم النبي ﷺ القراءة في الطريق، بل علمهم التلاوة قائما، أو مضطجعا، أو في فراشه، أو على غير ذلك من الأحوال، وله أجر «٤» .
فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض ويقرأ القران»، «ورأسه في حجري»، وعن أبي موسى الأشعري قال: إني أقرأ القران
_________________
(١) البخاري (١/ ٣٩)، مسلم (١/ ٥٥٨)، ابن حبان (١/ ٢٩٢)، مراجع سابقة.
(٢) المسند المستخرج على مسلم (١/ ٤٣)، مرجع سابق.
(٣) الفوز الكبير في أصول التفسير ص ٩٧، مرجع سابق.
(٤) التبيان في اداب حملة القران ص ٤١، مرجع سابق.
[ ٣٦٢ ]
في صلاتي وأقرأ على فراشي، وعن عائشة قالت: إني لأقرأ حزبي وأنا مضطجعة على السرير «١» .
وكان النبي ﷺ يعلمهم ذلك ويشتد فيه حتى قال: «تعلّموا القران واقرؤه وارقدوا فإنّ مثل القران ومن تعلّمه فقام به كمثل جراب محشوّ مسكا يفوح ريحه كلّ مكان ومثل من تعلّمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك» «٢» .
وقد ضرب لهم النبي ﷺ الأمثال التعليمية المحسوسة التي ترغب في الإكثار من تلاوة القران الكريم لكل المؤمنين من حملة القران وغيرهم، فمن ذلك ما روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمن الذي يقرأ القران مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القران مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القران مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القران كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» «٣»، وقد زاد البخاري في لفظ له «المؤمن الذي يقرأ القران ويعمل به»، «وهي زيادة مفسرة للمراد وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القران ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي لا مطلق التلاوة» «٤» .
وقد حذرهم النبي ﷺ من ازدياد حفظهم وتكريرهم لأمر اخر فوق حفظ القران الكريم وتكريره، فقال ﷺ: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» «٥»، وهو ما فقهه البيهقي فبوب: «باب ما يكره أن يكون الغالب
_________________
(١) ابن أبي شيبة (٢/ ٢٤١)، مرجع سابق.
(٢) ابن ماجة (١/ ٧٣)، مرجع سابق.
(٣) البخاري (٥/ ٢٠٧٠)، مسلم (١/ ٥٤٩)، ابن حبان (٣/ ٤٧)، مراجع سابقة.
(٤) فتح الباري (٩/ ٦٧)، مرجع سابق.
(٥) مسلم (٤/ ١٧٦٩)، والبخاري (٥/ ٢٢٧٩)، وابن حبان (١٣/ ٩٣)، مرجع سابق.
[ ٣٦٣ ]
على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقران» «١»، ووجهه أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه فيشغله عن القران وعن ذكر الله فيكون الغالب عليه من أي الشعر كان «٢» فالامتلاء يكون للقران.
المقصود من الديمومة في التلاوة:
المراد بها الحزب اليومي الذي لا ينبغي لحامل القران تركه، والذي علمهم النبي ﷺ إياه كما في قوله: «إنه طرأ على حزبي من القران فكرهت أن أخرج حتى أتمه» «٣»، ولا مانع من الزيادة لا النقصان مع عمل توازن بين هذه الزيادة والمتطلبات الاخرى لحامل القران على ما قرره ابن تيمية في قوله: «وأما الأفضل في حق الشخص فهو بحسب حاجته ومنفعته فان كان يحفظ القران وهو محتاج إلى تعلم غيره فتعلمه ما يحتاج إليه أفضل من تكرار التلاوة التي لا يحتاج إلى تكرارها «٤»، وكذلك إن كان قد حفظ القران أو بعضه وهو لا يفهم معانيه فتعلمه لما يفهمه من معاني القران أفضل من تلاوة ما لا يفهم معانيه» «٥» .
وتسلسلت المنهجية حيث كان أئمة الإقراء من الصحابة ي يأمرون بالإكثار من تلاوة القران الكريم: فعن شقيق قال: قال عبد الله: إن أحسن ما زين به المصحف لتلاوته في الحق «٦» .
_________________
(١) البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٤٤)، مرجع سابق.
(٢) البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٤٤)، مرجع سابق.
(٣) ابن ماجة (١/ ٤٢٧)، مرجع سابق.
(٤) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٥٥)، مرجع سابق.
(٥) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٥٦)، مرجع سابق، وانظر فتوى جيدة له- بعد هذا- في المفاضلة بين التلاوة والذكر المطلق.
(٦) خلق أفعال العباد (١/ ٨٧)، مرجع سابق.
[ ٣٦٤ ]
سادسا: تحري الصواب مع خفض الجناح في طلبه:
فقد علمهم النبي ﷺ أن مجرد قراءة القران لا تنجي صاحبها ولا ترفع عنه إصره فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج في اخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول الناس يقرؤن القران لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية فمن لقيهم فليقتلهم فإن قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم» «١»، وعن أم الفضل وعبد الله بن عباس عن رسول الله ﷺ أنه قام ليلة بمكة من الليل فقال:
«اللهم هل بلغت» ثلاث مرات فقام عمر بن الخطاب: وكان أواها فقال: اللهم نعم وحرضت وجهدت ونصحت فقال: «ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه ولتخاضن البحار بالإسلام وليأتين على الناس زمان يتعلمون فيه القران يتعلمونه ويقرؤونه ويقولون قد قرأنا وعلمنا فمن ذا الذي هو خير منا فهل في أولئك من خير؟ قالوا: يا رسول الله! ومن أولئك؟ قال: أولئك منكم وأولئك وقود النار» «٢» .
وعلمهم النبي ﷺ خطورة جدال المنافق بالقران: فقال ﷺ: «إياكم وثلاثة: زلة عالم، وجدال منافق بالقران ودنيا تقطع أعناقكم فأما زلة عالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن يزل فلا تقطعوا عنه امالكم، وأما جدال منافق بالقران فإن للقران منارا كمنار الطريق فما عرفتم فخذوه وما أنكرتم فردوه إلى عالمه، وأما دنيا تقطع أعناقكم فمن جعل الله في قلبه غنى فهو غني» «٣» .
_________________
(١) البخاري (٣/ ١٣٢١)، مسلم (١/ ٥٦٣)، المنتقى (١/ ٢٧٢)، ابن ماجة (١/ ٥٩)، مراجع سابقة.
(٢) الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٥٠) .
(٣) ابن أبي شيبة (٦/ ١٢٨)، الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٠٧) مرجعان سابقان.
[ ٣٦٥ ]
سابعا: المحافظة على ما يقرب من الله وينال به حبه من النوافل مع الترفع عن سفاسف الدنيا وإن جازت:
فقال: «إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القران» فقال أعرابي: ما تقول قال ليس لك ولا لأصحابك «١»، وقال ﷺ: «تعلّموا القران واقرؤه وارقدوا فإنّ مثل القران ومن تعلّمه فقام به كمثل جراب محشوّ مسكا يفوح ريحه كلّ مكان ومثل من تعلّمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أو كي على مسك» «٢» وعليه يحمل نهي النبي ﷺ عن بعض المظاهر التي قد يجتنى منها الخير بزيادة التورع، والمحاسبة الدقيقة لقرأة القران كحديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «إن أناسا من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرؤون القران ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد ألا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا قال محمد بن الصباح كأنه يعني الخطايا» «٣»، وقام رجل إلى النّبيّ ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله أيّ النّاس خير؟ فقال ﷺ: «خير النّاس أقرؤهم وأتقاهم وامرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرّحم» «٤» .
_________________
(١) الترمذي (٢/ ٣١٦) .
(٢) ابن ماجة (١/ ٧٣)، مرجع سابق.
(٣) ابن ماجة (١/ ٩٣) .
(٤) أحمد (٦/ ٤٣٢) .
[ ٣٦٦ ]
ويمكن تلخيص تعليمه ﷺ الدوافع لتعلم القران الكريم:
أولا: تعليمه ﷺ الدوافع الصحيحة لتعلم القران الكريم وهي:
١- الدافع الإيماني العام: نصرة للعقيدة، ورفعة للشريعة، وحملا للوائها كما قال عبد الله بن عمر يقول لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القران الأثر «١» .
٢- التشرف بأن يكون الحافظ أحد الأدوات الواقعية لحقيقة الحفظ الإلهي للقران الكريم إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩)، فيكون من أهل الله وخاصته.
٣- زرع الرغبة في الأجر العظيم للحافظ كما سبقت الإشارة إليه.
ثانيا: تعليمه ﷺ الدوافع الخاطئة التي قد تغرس في فؤاد رائم تعلم ألفاظ القران الكريم:
١- التأكل بالقران الكريم: كأن يكون الدافع ابتداء هو المشاركة في مسابقة أو لأجل وظيفة: فمن أهم القواعد التربوية في التعليم لألفاظ القران ما أجمله النبي ﷺ في قوله: «تعلموا القران فإذا علمتموه فلا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به » «٢»، وقال ﷺ: «فيكم كتاب الله يتعلّمه الأسود والأحمر والأبيض تعلّموه قبل أن يأتي زمان يتعلّمه ناس ولا يجاوز تراقيهم ويقوّمونه كما يقوّم السّهم فيتعجّلون أجره ولا يتأجّلونه» «٣» .
_________________
(١) البيهقي في الكبرى (٣/ ١١٩)، مرجع سابق.
(٢) البيهقي في الكبرى (٢/ ١٧)، مرجع سابق.
(٣) أحمد (٥/ ٣٣٨)، مرجع سابق.
[ ٣٦٧ ]
٢- الرئاء والمباهاة، والرئاسة ونحوها من الأخلاق المرذولة: وتقدم اقتراح تحفيظ متعلم القران حديث أول ثلاثة يقضى بينهم يوم القيامة، وعن عبد الله بن مسعود قال: كيف أنتم! إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم الكبير وتتز سنة مبتدعة يجري عليها الناس فإذا غير منها شيء قيل: قد غيرت السنة قيل:
متى ذلك يا أبا عبد الرحمن قال: إذا كثر قراؤكم، وقل فقهاؤكم، وكثر أمراؤكم، وقل أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الاخرة، وتفقه لغير الدين «١»، وعن ابن عباس أنه قال: لو أن حملة القران أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبهم الله ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على الناس «٢» .
_________________
(١) الحاكم (٤/ ٥٦٠)، الدارمي (١/ ٧٥)، ابن أبي شيبة (٧/ ٤٢٥)، مرجع سابق.
(٢) القرطبي (١/ ٢٠)، مرجع سابق.
[ ٣٦٨ ]
المبحث الثالث: أصحاب (تلاميذ) النبي ﷺ من أئمة الإقراء «المخرجات التعليمية»:
يروم هذا المبحث أن يبين أن حفظ القران الكريم وجمعه بين الصحابة قد صار من العلم العام الأساسي في حياة الأمة الإسلامية، وأن النبي ﷺ قد أخرج عددا كبيرا من حفاظ القران ختموه في حياته، وتابعوا جمع آياته النازلة أولا بأول، وذلك في مطلبين:
المطلب الأول: مؤشرات وقواعد عامة في عدد حفاظ القران الكريم في عهد النبي ﷺ.
المطلب الثاني: من أشهر أئمة الإقراء من أصحاب النبي ﷺ على سبيل التفصيل.
فإلى الصحب الألى حافظوا القران ورفعوه نتجه فماذا سنرى؟
حدّث عن القوم فالألفاظ ساجدة خلف المحاريب والأوزان تبتهل
المطلب الأول: مؤشرات وقواعد عامة في عدد حفاظ القران الكريم في عهد النبي ﷺ:
لأن تلاوة القران تعليما وهداية (تزكية) هي وظيفة النبي ﷺ، ولأن معجزته الأولى الخالدة، وبرهان خاتمته للأنبياء هو القران الكريم، وهو أصل أصول الدين- فقد لزم من ذلك ما يلي:
١- ضرورة اليقين في ثبوت كل لفظ من ألفاظه، وهيئة من هيئات أدائه
وذلك لأن العادة تقتضي تواتر تفاصيل ذلك، وذلك يقتضي بالضرورة القطع
[ ٣٦٩ ]
بالثبوت، والجزم بصحة النقل، واليقين بعدم التغيير، ويتفاوت ذلك بحسب تأثير هيئة الأداء على المعنى. ذلك بأن القران «معجزة للرسول ﵇، وأمر الرسول ﵇ بإظهاره مع قوم تقوم الحجة بقولهم وهم أهل التواتر فلا يظن بهم التطابق على الإخفاء ولا مناجاة الاحاد به حتى لا يتحدث أحد بالإنكار فكانوا يبالغون في حفظ القران حتى كانوا يضايقون في الحروف ويمنعون من كتبة أسامي السور مع القران ومن التعاشير والنقط كيلا يختلط بالقران غيره فالعادة تحيل الإخفاء فيجب أن يكون طريق ثبوت القران القطع» «١» .
٢- انتشار القران في الأمة حتى تصير ألفاظه وهيئات أدائه على سبيل الإجمال من المشاع المعلوم عندهم بالضرورة فلا تستطيع بادرة التغيير أن تتسرب إليه لفظا وأداء (العلم العام بمحتوى القران) .
٣- أن يشمل تعليمه كل الأمة، مع وجود متخصصين في دقائقه؛ لطبيعة رسالة النبي ﷺ وهي أنه ما جاء إلا لتبليغهم كلام ربهم الحافظ المهيمن على معاشهم ومعادهم، وهذا الكلام هو هذا الكتاب.
٤- أن تكون الأمة بمجموعها هي الأداة الواقعية لحقيقة الحفظ الإلهية.
وهذا اليقين القاطع بنقل القران، والدقة البالغة بتوثيقه هو ما اصطلح عليه العلماء بالتواتر، ومرادهم نتيجة التواتر، أو مقتضاه وهو العلم اليقيني الاضطراري بتوثيق نقل القران.
ولهذه الأمور مجتمعة صح- واقعيا- «بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه أن هذا القران هو المكتوب في المصاحف المشهورة في الافاق كلها» «٢» .
_________________
(١) المستصفى ص ٨٢، مرجع سابق.
(٢) الإحكام لابن حزم (١/ ٩٢)، مرجع سابق.
[ ٣٧٠ ]
ولذا ظهر الفرق بين القران الكريم وبين الحديث بنوعيه القدسي والنبوي لزاما واقعيا وشرعيا؛ إذ إن هذين للخاصة، بخلاف القران المحفوظ كليا في صدور عدد كبير من الأمة، المكتوب في المصاحف المتلو في المحاريب، وفي سائر الأمكنة التي تسوغ قراءته فيها اناء الليل وأطراف النهار.
قاعدة في حفظ القران في عهد النبي ﷺ:
بالنظر إلى الطبيعة الأصلية لرسالة النبي ﷺ وهي تبليغ الوحي السماوي المنزل (القران الكريم)، وبالنظر إلى تفصيل وظائف النبي ﷺ، وبيانها، وبالتأمل في واقع الصحابة ﵃، وبعيدا عن اتهام الكاتب بالعاطفية المفرطة، أو بالتأثر العاطفي الديني فإنه يمكن إرساء القاعدة التالية:
الأصل في الصحابي المهاجر (المتمدن) - وهو الملازم المقيم في المدينة الذي حرم عليه التعرب بعد الهجرة- أن يكون حافظا للقران، ولكن قد يتلقنه كله أو بعضه من النبي ﷺ مباشرة، وقد يتلقن البعض من النبي ﷺ وبقيته من غيره من الصحابة ﵃، وقد يتلقنه كله من الصحابة أمثاله، ومما يستدل به في طريق ذلك:
١- كان حفظ القران بديهيا بالنسبة للصحابة الكرام:
أما أولا فللطبيعة العربية في ذلك الوقت فهم أميون:
ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره ويعنيه استحضاره وجمعه خصوصا إذا أوتي من قوة الحفظ والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار، وكذلك كانت الأمة العربية على عهد نزول القران وهي متمتعة بخصائص العروبة الكاملة التي منها سرعة الحفظ وسيلان الأذهان حتى كانت قلوبهم أناجيلهم، وعقولهم سجلات أنسابهم وأيامهم، وحوافظهم دواوين أشعارهم ومفاخرهم، ثم جاء القران فبهرهم بقوة بيانه، وأخذ عليهم مشاعرهم
[ ٣٧١ ]
بسطوة سلطانه، وأستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه فخلعوا عليه حياتهم حين علموا أنه روح الحياة «١» .
وأما ثانيا: فلأنه المادة العلمية الوحيدة المقررة عليهم في رسالة النبي ﷺ التعليمية كما سبق تفصيله في الفصل الأول.
٢- تقدمت في الفصل الأول أحاديث تبين اعتماد النبي ﷺ على كثير من المسلمين في إقراء المسلمين الجدد، أو النائين عن المدينة، ومن ذلك:
ما جاء عن عبادة بن الصّامت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يشغل فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منّا يعلّمه القران.. «٢» ..
٣- ثبوت حفظ كثير من أئمة الإقراء في عهد النبي ﷺ:
والمراد غير الذين حددهم بعض الصحابة أو التابعين، ولذا فالحصر لا مفهوم له في كلام من حصر، وقد وصل عدد الحفظة من الأنصار إلى سبعين شخصا من المتفرغين للقران دون غيره، فقد قال ابن حبان: «ذكر وصف القراء من الأنصار» ثم أسند عن أنس بن مالك قال: كان شباب من الأنصار يسمون القراء يكونون في ناحية من المدينة يحسب أهلوهم أنهم في المسجد ويحسب أهل المسجد أنهم في أهليهم فيصلون من الليل حتى إذا تقارب الصبح احتطبوا الحطب واستعذبوا من الماء فوضعوه على أبواب حجر رسول الله فبعثهم جميعا إلى بئر معونة فاستشهدوا فدعا النبي ﷺ على قتلتهم أياما «٣» .
٤- القران إنما نزل ليقرأ ويحفظ وينشر، وينذر به:
_________________
(١) انظر: مناهل العرفان (١/ ١٦٨)، مرجع سابق.
(٢) المختارة (٨/ ٢٦٧)، أحمد (٥/ ٣٢٤)، مرجعان سابقان.
(٣) ابن حبان (١٦/ ٢٥٣)، وهو في البخاري.
[ ٣٧٢ ]
ولأنها كذلك فقد كانت قراءة القران وحفظه في عهد النبي ﷺ لا تحتاج إلى التصريح حديثيا بأنها قد تمت، لضرورة ذلك بما علم من حال المسلمين، وطبيعة الرسالة، وغلبة الحافظة عليهم، والأهمية التي كانت تلقاها الايات النازلة وحيا من الله ﷿ ولذا فالتصريح القائم في الأحاديث لزيادة أهمية المصرّح بهم لا لضرورة التصريح، ولذلك كان الصحابة حتى المتأخرون منهم يختلفون في قراءة القران لعدم العلم بتقرير نزوله على الأحرف السبعة دلالة على إتقانهم لحرف واحد منه على الأقل وأذعن لهذه الحقيقة بعض الباحثين الأوروبيين فقال:
«فور تنزيل القران، وأولا بأول، كان النبي ﷺ والمؤمنون من حوله يتلونه عن ظهر قلب وكان الكتبة من صحبه يدوّنونه. إذن فالقران يتمتاع، منذ البداية، بعنصري الصحة هذين اللذين لا تتمتاع بهما الأناجيل، وظل الأمر هكذا حتى مات النبي ﷺ وفي عصر لا يستطيع فيه الكل أن يكتب، وإن كان يستطيع أن يحفظ عن ظهر قلب، تصبح التلاوة ذات فائدة لا تقدّر، وذلك لإمكانيات التحقيق العديدة التي تعطيها ساعة التثبيت النهائي للنص» «١» .
٥- تنافس الصحابة ﵃ في حفظ القران الكريم:
وقد كان كتاب الله ﷻ بالنسبة للصحابة ﵃ «في المحل الأول من عنايتهم يتنافسون في استظهاره، وحفظه، ويتسابقون إلى مدارسته، وتفهمه، ويتفاضلون فيما بينهم على مقدار ما يحفظون منه وربما كانت قرة عين السيدة منهم أن يكون مهرها في زواجها سورة من القران يعلمها إياها زوجها، وكانوا يهجرون لذة النوم وراحة الهجود إيثارا للذة القيام به في الليل والتلاوة له في الأسحار والصلاة به
_________________
(١) الإسلام والوجه الاخر للفكر الغربي (قراات) ص ٩٦ نقلا عن موريس بوكاي في كتابه (القران الكريم والتوراة والإنجيل والعلم) .
[ ٣٧٣ ]
والناس نيام حتى لقد كان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدجى يسمع فيها دويا كدوي النحل بالقران «١»، وكانوا يتبارون في المحفوظ في الصلاة- وهي المحل النموذجي للمراجعة- فقد اعتكف النبي ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له فكشف المستورة وقال ألا أن كلكم يناجي ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة في الصلاة «٢» .
٦- وقد كان الاعتماد على الحفظ مقدما على أي شيء اخر للأحاديث فضلا عن القران كما هو معلوم.
٧- نزّل القران منجما:
وكان من حكم نزول القران منجما استظهار القران، وحفظه عن ظهر قلب، وزيادة على بلاغ النبي ﷺ للنازل من الوحي القراني أولا بأول كان كتبة الوحي يقومون بذلك: فعن زيد ابن ثابت قال كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته برحاء شديدة وعرق عرقا شديدا مثل الجمان ثم سرى عنه فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرة فأكتب وهو يملي علي فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القران حتى أقول لا أمشي على رجلي أبدا فإذا فرغت قال اقرأ فأقرأه فإن كان فيه سقط أقامه ثم أخرج به إلى الناس «٣» .
وقد كان القاص يوم اليرموك وهو يوم قريب من وفاة النبي ﷺ أبو سفيان بن حرب مع قرب إسلامه، وهم لا يجعلون شخصا غير متأهل بالقران.
_________________
(١) مناهل العرفان (١/ ١٦٨)، مرجع سابق.
(٢) ابن خزيمة (١/ ١٩٠)، الحاكم (١/ ٥٩٤)، النسائي في الكبرى (٥/ ٣٢)، البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١١)، مرجع سابق.
(٣) الطبراني في الأوسط (٢/ ٢٥٧)، والكبير (٥/ ١٤٢) .
[ ٣٧٤ ]
٨- ومن أقوى أدلة هذه القاعدة:
وأقوى أدلة هذه القاعدة أن القراء قد كثروا كثرة عظيمة مذ استقرت قواعد دولة الإسلام في المدينة، فكان منهم السبعون من أصحاب بئر معونة، وأشخاصهم بدقة لم تعرف كلها حتى الان، وكان منهم سبعون على الأقل ممن قتل من قراء المسلمين يوم اليمامة، ولا شك أن القتلى قد جمعوا القران في حياة النبي ﷺ إذ تسارعت أحداث الردة ولم تكن لتجعلهم يفرغون لذلك بعد وفاته.
ولهذه القاعدة فقد كان الصحابة يبحثون عن الاية مكتوبة في جمع القران الكريم في عهد أبي بكر للاستيثاق مع أنها كانت محفوظة في صدورهم، وهذا معنى قول زيد بن ثابت: «ففقدت اية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين» «١»، فالمراد أنه فقد الاية مكتوبة؛ لأن وجود الاية مكتوبة أمر حتمي فهمه الصحابة من تسمية القران كتابا، ومن اجتهاد النبي ﷺ في كتابة المصحف وكانوا يطلبون على كتابتها بين يدي النبي ﷺ شاهدين إضافة إلى كونها محفوظة في صدروهم وهذا يبين أن حفظ القران صار بينهم شيئا عاما شائعا.
وكان الصحابة لا يظهرون أحسن ما عندهم شأنهم في شأن شأن الصالحين الذين اقتفوا اثارهم فعن الحسن قال: «إن كان الرجل لقد جمع القران وما يشعر به جاره وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده وردت الزور- الضيوف- وما يشعرون به
_________________
(١) البخاري (٣/ ١٠٣٣)، مرجع سابق.
[ ٣٧٥ ]
ولقد أدركنا أقواما ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم ﷿» «١» .
وعلى هذه القاعدة فإن هشام بن حكيم بن حزام يعد ممن كان يحفظ في عهد النبي ﷺ، وقد أم قوما فيهم عمر بن الخطاب كما في صحيح البخاري «٢» .
وقد يعترض على هذه القاعدة بما يلي:
١- بحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقران؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم «٣» .
والجواب: أن الحديث يؤيد ما ذكر من القاعدة؛ إذ لم تفترض القاعدة أن الجميع يحفظ القران الكريم كله، بل التنافس بينهم جار على قراءته، فالأصل فيهم حفظه، ولذا ترى النص هنا يدل على أن صيغة التفضيل (أيهم أكثر أخذا للقران)، كما يدل هذا النص الذهبي على أن أخذ القران مسألة عامة فاشية أكثر من كتابته، وبدهيته وهو الموافق للطبيعة العربية.
٢- وقد يعترض بتسمية السبعين من أصحاب بئر معونة ب (القراء) دلالة على حصر ذلك فيهم ونفيها عن غيرهم
_________________
(١) الزهد لابن المبارك (١/ ٤٥)، مرجع سابق.
(٢) البخاري (٤/ ١٩٠٩)، مسلم (١/ ٥٦١)، المسند المستخرج على صحيح مسلم (٢/ ٤١٣)، الترمذي (٥/ ١٩٣) .
(٣) البخاري (١/ ٤٥٠)، مرجع سابق.
[ ٣٧٦ ]
والجواب: أين الحصر؟ وقد اشتهر بجمع القران من ليس فيهم كالأنصار الذين سماهم أنس ﵁، ويرد تفصيل ذلك في المطلب الثاني- إن شاء الله ﷻ- فامتنع الحصر، إنما سموا بذلك دلالة على تفرغهم لها، وعدم امتهانهم شيئا اخر ولزومهم المسجد غالبا.
٣- كما قد يعترض بما روي أن ابن عمر البقرة في ثمان سنين فعن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثمان سنين يتعلمها وعنه عن نافع عن ابن عمر قال تعلم عمر بن الخطاب ﵁ البقرة في إثني عشرة سنة فلما أتمها نحر جزورا «١» .
والجواب: أما الأول فبلاغ عن مالك، وهو مع الثاني يحتاجان زيادة نظر في الإسناد، وعلى كل فالتعلم هنا هل المراد به الحفظ أم قراءته بتدبر وتفهم؟ الأمر محتمل على أنه سيأتي في المطلب الثالث أن عمر بن الخطاب كان من حفظة كتاب الله ﷾.
٤- وقد يعترض أيضا: بما روي عن ابن عمر ﵄ قال: «كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القران إلا السورة أو نحوها ورزقوا العمل بالقران وإن اخر هذه الأمة يقرؤن القران منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به» «٢»
والجواب: واضح أن ابن عمر- إن صح هذا عنه- يريد أن الفاضل لا يحفظ السورة حتى يعمل لا أنه لا يحفظ غيرها، وأما غيره فيحفظ القران كله وعلى الرغم م ذلك تجد أنه لما يعمل به بعد.
_________________
(١) شعب الإيمان (٢/ ٣٣١)، مرجع سابق.
(٢) بحثت عنه ولم أجده.
[ ٣٧٧ ]
قاعدة في التنصيص على بعض الأشخاص في أمر معين:
الثناء على صحابي في ميدان علمي لا يعني عدم إمامة غيره لذاك الميدان، ومما يوضح ذلك ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«أرحم أمتي أبو بكر واشدهم في دين الله عمر واصدقهم حياء عثمان وافرضهم زيد واقرؤوا أبي واعلمهم بالحلال والحرام معاذ وان لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» «١» .
فذكر أبي في الإقراء لا يعني أن غيره من المذكورين ليست لهم الإمامة والريادة في القراءة بل هي لهمن ولذا ذكر النبي ﷺ معاذا وأبا عبيدة بالقراءة وتعليم الناس القران في مواضع أخرى.
وبمثل ذلك تفهم كثير من الأحاديث التي فيها تنصيص فلا تقتضي تخصيصا بل بيان لمزية ظاهرة قد توجد في الغير وإنما قيلت في البعض للتأكيد أو نحوه من الأغراض.
وعلى هذه القاعدة العظيمة تنزل رواية أنس ﵁ قال: «جمع القران على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو زيد» «٢» فإن هذا الحديث لا يدل على الحصر، ومثل حديث أنس أو أبعد منه في الحصر- ما أخرج البيهقي في المدخل عن ابن سيرين قال: جمع القران على عهد رسول الله أربعة لا يختلف فيهم ومثله ما أخرجه هو وأبو داود عن عامر الشعبي قال: جمع القران في عهد النبي ﷺ ستة.. «٣» .، فكله تنصيص
_________________
(١) الضياء في المختارة (٦/ ٢٢٦)، الترمذي (٥/ ٦٦٤)، ابن ماجة (١/ ٥٥)، مراجع سابقة.
(٢) البخاري (٣/ ١٣٨٦)، ومسلم (٤/ ١٩١٤) .
(٣) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٢٦١) مرسلا، وانظر: الإتقان (١/ ١٩٥)، مرجع سابق.
[ ٣٧٨ ]
فلا يدل على التخصيص خاصة وأن أنس هو ذاته راوي حديث السبعين قارئا ،
وهذا إن صحت هذه الاثار وتفصيل ذلك في الأصل.
واقعية الإحاطة بحفظ ألفاظ القران:
ولذا فقد كانت الأمة كلها تسمع القران الكريم إجمالا منه ﷺ أو ممن سمع منه، أما حفاظه المحيطون بألفاظه، ودقائقها، وتفاصيل هيئات أدائه فقد كثروا كثرة غامرة، ويظهر أول فرق بين حفاظ القران وحفاظ الحديث في أن حفاظ القران لا بد أن يحيطوا به حفظا بخلاف حفاظ الحديث؛ إذ لا يوجد واحد يدعي أنه قد أحاط بالحديث حفظا
تفرغ الأصحاب ﵃ لحفظ القران:
وقد كان تلاميذ النبي ﷺ الذين تعلموا على يديه القران يفرغون أنفسهم من كل شاغل في الغالب حتى الضرب في الأرض لأجل الرزق، وفيهم نزل قول الله ﷿: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (البقرة: ٢٧٣)؛ إذ المراد أنهم على قول بعض المفسرين: «أهل الصفة منعهم تعلم القران، أو شدة الحاجة والجهد عن الضرب في الأرض للتكسب» «١» .
ومما يتنبه له في هذا الموضوع، وهو مثير للانتباه في منهجية النبي ﷺ التعليمية أنه كان يوجه من توسم فيه الأهلية للتصدر في علم معين إليه:
وخاصة في علم القران فإنه كان يشجع أصحاب الأصوات الحسنة ويثني على قراءتهم كما ورد ذلك في ثنائه على سالم مولى أبي حذيفة، وأبي موسى الأشعري، وابن مسعود، وأسيد بن حضير، ومن ذلك توجيهه ﷺ لأبي محذورة
_________________
(١) حاشية على كتاب الهداية (٣/ ١٢٥) .
[ ٣٧٩ ]
ليكون مؤذنا بعد أن رأى حسن صوته، فعن أبي محذورة قال لما رجع النبي ﷺ من حنين خرجت عاشر عشرة من مكة نطلبهم فسمعتهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن نستهزئ بهم فقال النبي ﷺ: «لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت»، فأرسل إلينا فأذنا رجل رجل فكنت اخرهم فقال حين أذنت: «تعال» فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي وبارك علي ثلاث مرات ثم قال اذهب فأذن عند البيت الحرام قلت كيف يا رسول الله فعلمني الأذان الحديث «١» .
تتبع الأصحاب للنازل أولا بأول:
فعن أبيّ بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم فذكرنا أيام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني فقال متى أنزلت هذه السورة إني لم أسمعها إلا الان فأشار إليه أن اسكت فلما انصرفوا قال سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني فقال أبي ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت فذهب إلى رسول الله ﷺ فذكر له وأخبره بالذي قال أبي فقال رسول الله ﷺ: صدق أبي «٢»، وكلام أبي ذر دال على أنهم كانوا يتتبعون القران النازل، وأبو ذر لم يذكر في عداد الحفاظ.
ومثل ذلك قول عمار ﵁ فقال: «إنا كنا ضلالا فهدانا الله، وكنا أعرابا فهاجرنا يقيم مقيم يتعلم القران، ويغزو الغازي فإذا قدم الغازي أقام يتعلم القران وغزا المقيم» «٣» .
_________________
(١) ابن خزيمة (١/ ٢٠١)، مرجع سابق.
(٢) ابن ماجه (١/ ٣٥٢)، مرجع سابق، وفي مصباح الزجاجة (١/ ١٣٤)، مرجع سابق: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات» .
(٣) طبقات ابن سعد (٣/ ٨٣)، مرجع سابق.
[ ٣٨٠ ]
كثرة القراء:
ومن المؤشرات التي تدل على كثرة هؤلاء القراء كثرة ظاهرة: قصة بئر معونة فعن أنس قال: ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على سرية ما وجد على السبعين الذين أصيبوا يوم بئر معونة كانوا يدعون القراء.. «١» .، والقراء هنا هم «الذين كانوا يحفظون القران» «٢» .
ومما يدل على هذه الكثرة أيضا كثرة من قتل من القراء في وقعة اليمامة كما قال الشاطبي:
إن اليمامة أهواها مسيلمة ال كذاب في زمن الصديق إذ خسرا
وبعد بأس شديد حان مصرعه وكان بأسا على القراء مستعرا
«٣» وفي حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: قال أبو بكر ﵁ إن عمر أتاني فقال إن القتل قد أستحر يوم اليمامة بقراء القران، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القران الحديث «٤» يدل على انتشار القراء في المواطن والثغور، وأقل ما قيل في عدد من قتل من القراء أنهم سبعون قارئا ولم نعرف أكثرهم باسمه على ما هو معلوم.
وقد بلغت القراء في عهد النبي ﷺ كثرة غامرة، وتخصصوا في دقائقه النطقية حتى تنازعوا في بعض الأمور التي اختلفوا فيها، وكان منهم الأعرابي والأعجمي فقد خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يقرؤون القران- قال جابر بن عبد
_________________
(١) مسلم (١/ ٤٦٧)، مرجع سابق.
(٢) حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب (١/ ٢٠٨)، مرجع سابق.
(٣) شرح تلخيص الفوائد وتقريب المتباعد على عقيلة أتراب القصائد ص ١٠.
(٤) البخاري (٤/ ١٧٢٠)، ابن حبان (١٠/ ٣٦٤)، مرجعان سابقان.
[ ٣٨١ ]
الله: وفينا الأعرابي والأعجمي- فقال: «اقرؤوا فكل كتاب الله من قبل أن يأتي قوم يقومونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه» «١» .
وقد أخذ هؤلاء دورهم في قراءة القران على المسلمين والكفار كما اتضح من واقعة بئر معونة؛ إذ أرسل النبي ﷺ القراء إلى القبائل لنشر القران الكريم، وقد كثرت قراءة الأصحاب القران الكريم على المسلمين والكفار حتى أنزل الله في سماع الكفار ايات تدل على ردود الفعل الهائجة أمام تأثير القران الكريم كقول الله ﷿: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا (الحج: ٧٢) «أي أن أثر الإنكار من الكراهة وتعبيس الوجوه معروف عندهم (يكادون يسطون) أي يبطشون ويوقعون بمن يتلو عليهم القران من شدة الغيظ» «٢» .
كما كثر حفظة القران كثرة عظيمة بعد عهد رسول الله ﷺ ويكفي مؤشرا على ذلك أن يعلم أن عدد التلاميذ من حفاظ القران الذين كانوا في البصرة واحدها من تلاميذ أبي موسى الأشعري كانوا قد بلغوا قريبا من ثلاثمائة؛ فعن معاوية بن قرة ﵁ أن أبا موسى الأشعري ﵁ جمع الذين قرؤوا القران فإذا هم قريب من ثلاثمائة فعظم القران وقال: «إن هذا القران كائن لكم أجرا، وكائن عليكم وزرا، فاتبعوا القران ولا يتبعنكم القران، فانه من اتبع القران هبط به على رياض الجنة، ومن تبعه القران زخ في قفاه فقذفه في النار» «٣» .
_________________
(١) سعيد بن منصور في سننه (١/ ١٥٠)، أبو داود (١/ ٢٢٠) .
(٢) زاد المسير (٤/ ٤٥١)، مرجع سابق.
(٣) المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم (٣/ ١١٥)، ابن أبي شيبة (٧/ ١٤٢)، حلية الأولياء (١/ ٢٥٧)، مراجع سابقة.
[ ٣٨٢ ]
وأما تلاميذ أبي الدرداء فبلغوا ألفا وستمائة ونيفا يقرئهم جميعا في يوم واحد بطريقة فذة، كأنه أسس بها جامعة قرانية «١» .
ويدل على كثرتهم ما جاء عن ابن عباس ﵁ قال: قدم على عمر رجل فجعل عمر يسأله عن الناس فقال: يا أمير المؤمنين قد قرأ منهم القران كذا وكذا فقال ابن عباس ﵁ فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا في القران هذه المسارعة قال: فزبرني عمر ثم قال: مه قال: فانطلقت إلى أهلي مكتئبا حزينا فقلت: قد كنت نزلت من هذا الرجل منزلة فلا أراني إلا قد سقطت من نفسه قال: فرجعت إلى منزلي فاضطجعت على فراشي حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، وما هو إلا الذي تقبلني به عمر قال: فبينا أنا على ذلك أتاني رجل:
فقال: أجب أمير المؤمنين قال: خرجت فإذا هو قائم ينتظرني، قال: فأخذ بيدي ثم خلا بي فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل انفا؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! إن كنت أسأت فإني استغفر الله وأتوب إليه وأنزل حيث أحببت قال:
لتحدثني بالذي كرهت مما قال الرجل فقلت: يا أمير المؤمنين! متى ما تسارعوا هذه المسارعة، يحيفوا ومتى ما يحيفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا ومتى ما يختلفوا يقتتلوا فقال عمر: لله أبوك لقد كنت أكاتمها الناس حتى جئت بها «٢» .
وقد خرج على علي ﵁ ثمانية الاف من قراء الناس ولما طلبهم قيل لا يدخل إلا رجل قد حمل القران فلما أن امتلأ الدار من القراء الحديث «٣»
_________________
(١) جمال القراء وكمال الإقراء (٢/ ٤٥٤)، مرجع سابق، وانظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٥٣)، مرجع سابق.
(٢) الجامع لمعمر بن راشد (١/ ٢١٧)، مرجع سابق.
(٣) الحاكم (٢/ ١٦٥)، المختارة (٢/ ٢٢٣)، أحمد (١/ ٨٦)، أبو يعلى (١/ ٣٦٨)، مجمع الزوائد (٦/ ٢٢٣)، مراجع سابقة، وقال: «ورجاله ثقات» .
[ ٣٨٣ ]
وهؤلاء القراء من الخوارج جزء من قراء الأمة ضرورة، فإذا كانوا هنا ثمانية الاف في مكان واحد، ومن فرقة خارجة على جمهور الأمة، فكم يكونون في الأمة؟.
وظهرت حافظات القران حتى كن يناقشن المقرئين فيه كما في مناقشة أم يعقوب القارئة لابن مسعود بشأن حديث النامصات.
هيئة الإقراء في عهده ﷺ:
وعلى الرغم من هذه الكثرة إلا أن المقرئين المتخصصين في إقراء الناس في عهد النبي ﷺ أناس معروفون قد حددهم النبي ﷺ بنفسه، فشكلوا مثل هيئة إقراء، ويدل على هذا حديث بئر معونة، كما يدل عليه قصة إسلام عدد من الصحابة الذين ورد فيهم التصريح بتعليمهم القران دلالة على أن ذلك دأب وعادة كما في قص إسلام عمير بن وهب: فقال رسول الله ﷺ: «اجلس نواسك» وقال: «علموا أخاكم القران» وأطلق له أسيره «١» .
وبذا يكون النبي ﷺ قد اصطفى من أصحابه ﵃ نخبة أقرأهم القران، كله أو بعضه، حتى أتقنوا صفة أدائه وهيئة قراءته، وأقبلت الأمة على هؤلاء فتلقت القران عنهم مشافهة، ونوه بهم في مثل قوله: «خذوا القران عن أربعة »، أو «من أحب أن يقرا القران غضا »، أو في بعثه مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى المدينة، أو في بعثه أبا عبيدة إلى نجران أو في بعثه عليا ومعاذا إلى اليمن.. «٢» ..
وقد ابتغى الباحث من إبراز كثرة عدد القراء في الأمة تثبيت حقيقة أن علم القراءة بذلك صار علما عاما شائعا.
_________________
(١) المعجم الكبير (١٧/ ٥٧)، مرجع سابق.
(٢) وانظر: سنن القراء ص ١٥، مرجع سابق.
[ ٣٨٤ ]
المطلب الثاني: من أشهر أئمة الإقراء من أصحاب النبي ﷺ على سبيل التفصيل:
أبو بكر الصديق ﵁:
فقد كان من حفظة كتاب الله ﷿ وممن جمع القران عن ظهر قلب، ومن أكثر القوم قراءة، وذلك لا مراء فيه لمن يعرف حال أبي بكر ﵁ مع شدة حرصه على تلقي القران من النبي ﷺ، وفراغ باله له وهما بمكة، وكثرة ملازمة كل منهما للاخر حتى بينت عائشة أن النبي ﷺ كان يأتيهم بكرة وعشية «١» فماذا ترى النبي ﷺ كان يفعل إلا بيان اخر ما نزل من الوحي عليه، مع ظهور اهتمام أبي بكر وحفظه وتلاوته، حتى اتخذ له مسجدا في بيته يقرأ فيه مستعلنا، وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على عدة أمور أساسية:
أ- أن أبا بكر كان يحفظ القران أولا بأول، كيف والنبي ﷺ يغدو إليه ويروح، وهل يكون حديث بينهما أهم من الوحي المنزل؟.
ب- أن أبا بكر كان يقرأ القران بالترتيل (التجويد) الذي أمر الله به في السورة الثالثة في ترتيب النزول «٢» وذلك هو الذي أعجب النساء والأطفال وجذبهم نحوه.
فهذا حاله ﵁ في مكة من ملازمة النبي ﷺ حتى كان صاحبه الوحيد الذي انفرد بمنقبة مصاحبته له في هجرته ﷺ بأمر رسول الله ﷺ له، وأما حاله في المدينة من الملازمة فقد وصفها عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: كان رسول الله ﷺ لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة في الأمر من أمور المسلمين، وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا
_________________
(١) البخاري (١/ ١٨١)، ابن خزيمة (١/ ١٣٣)، مرجعان سابقان.
(٢) انظر: الإتقان (١٦٩)، مرجع سابق.
[ ٣٨٥ ]
معه «١»، وقول عمر (لا يزال) يدل على الاستمرار والديمومة، وأبو بكر في المدينة هو الذي نعته رسول الله ﷺ بصاحبه مطلقا (مفردا معينا) دون غيره في قوله لعمر بن الخطاب: «فهل أنتم تاركو لي صاحبي» مرتين «٢» حتى كاد أن يتخذه خليلا لولا أن الله ﷿ اتخذ رسوله ﷺ خليلا
وبعد هذا البيان لمدى ملازمة أبي بكر وصحبته رسول الله ﷺ تكون هذه هي المقدمة الصغرى في قضيتنا المنطقية، والمقدمة الكبرى هي قول النبي ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» «٣»، ورواية الحاكم: «يؤم القوم أكثرهم قرانا»، وقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يؤم في مكانه لما مرض فدل ذلك على أنه كان أقرأهم ﵁، ونص على حفظه للقران أجلة المحققين منهم: أبو الحسن الأشعري، ومكي بن أبي طالب، والداني، ويستأنس ها هنا بموقفين في تلاوة القران لأبي بكر غير ما تقدم تظهر فيهما تلاوة أبي بكر للقران الكريم:
الأول: ما أورده البخاري في قصة وفاة النبي ﷺ حيث قال أبو بكر لعمر:
«أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدا ﷺ فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) (الزمر: ٣٠) وقال:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
_________________
(١) ابن حبان ٥/ ٣٧٩، موارد الظمان ١/ ٩١، مرجع سابق.
(٢) البخاري ٣/ ١٣٣٩، أبو عوانة في مسنده ٤/ ٢٤٠، مرجعان سابقان.
(٣) مسلم (١/ ٤٦٥)، المنتقى (١/ ٨٥)، ابن خزيمة (٣/ ٤)، ابن حبان (٥/ ٥٠١)، الترمذي (١/ ٤٥٩) .
[ ٣٨٦ ]
(ال عمران: ١٤٤) فنشج الناس يبكون» «١» فانظر لشدة الاستحضار عند أبي بكر ﵁، وهذا استئناس لما نحن بصدده وليس استدلالا.
الثاني: ما جاء من وصف لتلاوة أبي بكر القران في صلاته فعن أنس قال:
صلّى بنا أبو بكر صلاة الصبح، فقرأ ال عمران فقالوا: كادت الشمس تطلع قال: لو طلعت لم تجدنا غافلين «٢»، وعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: صلّى بنا أبو بكر ﵁ صلاة الصبح، فقرأ بسورة البقرة في الركعتين جميعا.. «٣» . فأين يكون هذا إلا من محفوظه ﵁، وقد أخذ عمر ذلك منه فعن أبي عثمان النهدي قال: صليت خلف عمر ﵁ الفجر فما سلم حتى ظن الرجال ذوو العقول أن الشمس قد طلعت فلما سلم قالوا: يا أمير المؤمنين كادت الشمس تطلع قال: لو طلعت الشمس لم تجدنا غافلين «٤» .
وقد ذكر البعض أن تقديم أبي بكر كان لأجل الفضل والعلم لا القراءة، وللإشارة للخلافة «٥»، فأما الإشارة للخلافة فصحيح ظاهر، وأما نفي أن يكون أبو بكر أقرأهم فغريب مستبعد؛ فإن قراءة أبي بكر للقران كانت مشهورة، وفي حديث تأمين ابن الدغنة لأبي بكر: قالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنا قد خشينا أن يفتن
_________________
(١) البخاري (٣/ ١٣٤١)، ابن حبان (١٤/ ٥٨٩)، المختارة (٢/ ٢٣٣)، الحاكم (٣/ ١٣٦)، النسائي في الكبرى (٥/ ١٢٥)، مراجع سابقة.
(٢) عبد الرزاق (٢/ ١١٣)، شرح معاني الاثار (١/ ١٨١)، البيهقي في سننه الكبرى (١/ ٣٧٩)، مراجع سابقة.
(٣) ابن أبي شيبة (١/ ٣١٠)، البيهقي في سننه الكبرى (١/ ٣٨٩)، شرح معاني الاثار (١/ ١٨٢)، مراجع سابقة.
(٤) عبد الرزاق (٢/ ١١٥)، البيهقي في سننه الكبرى (١/ ٣٧٩) .
(٥) انظر: السنة للخلال (٢/ ٣٠٣) .
[ ٣٨٧ ]
أبناءنا ونساءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز فكان يصلي فيه، ويقرأ القران فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القران فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين.. «١» . على أن في قبول ذلك القول إبعاد لمعالم تطبيق المنهج الشرعي، وهو ادعاء بأن النبي ﷺ يقول قولا ويعمل بغيره دون صارف، أو بصارف غير ظاهر.
وإنما أطال الباحث النفس في تقرير حفظ أبي بكر للأهمية الشديدة واكتفاء به عن بقية الخلفاء الراشدين الذين قيل بأنهم لم يحافظوا القران أولم يجمعوه، وإنما كان هذا القول واردا عن بعض التابعين مع الانقطاع وعدم التأكد من صحة سند الرواية.
٢- ومنهم عمر بن الخطاب ﵁:
وجعله أبو بكر مساعدا لزيد في جمع القران في عهده حيث قال لهما- كما عند ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه-: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه «٢»، وقد بلغ ذلك من عمر حدا جعل جابر بن عبد الله يقول: «ما رأيت أحدا كان اقرأ لكتاب الله ولا أفقه في دين الله ولا أعلم بالله من عمر» «٣» .
ويؤيد هذا أيضا حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ قال: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري ثم أعطيت
_________________
(١) البخاري (٢/ ٨٠٤)، مرجع سابق.
(٢) رواه ابن أبي داود في المصاحف (١/ ١٦٨)، مرجع سابق، وفي تحفة الأحوذي (٨/ ٤٠٨)، مرجع سابق: «ورجاله ثقات مع انقطاعه» .
(٣) ابن أبي شيبة (٦/ ١٣٩)، مرجع سابق.
[ ٣٨٨ ]
فضلي عمر بن الخطاب قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم «١»، وهل يكون علم أو عالم بدون حفظ القران، وقد قال ابن مسعود: من أراد العلم فليثور القران فإن فيه علم الأولين والاخرين «٢»، وفي حديث أبي بكر: استخلفت عليهم خير أهلك مع قول النبي ﷺ: «أهل القران هم أهل الله وخاصته» وقد ثبت أن عمر ﵁ كان يصلي الصبح فيقرأ فيها سورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة «٣» وعن الأحنف قال: صليت خلف عمر الغداة فقرأ بيونس وهود ونحوهما وعن زيد بن وهب أن عمر قرأ في الفجر بالكهف «٤» .
وانتشر تلاميذ عمر الذين قرأوا عليه فعن زيد بن وهب قال: أتينا ابن مسعود فوجدناه يصلي فانتظرناه حتى فرغ من صلاته فجاءه رجلان قد اختلفا في اية فقرأه أحدهما فقال عبد الله: أحسنت من أقرأك؟ قال: أقرأني أبو حكيم المزني، واستقرأ الاخر فقال: من أقرأك فقال أقرأني عمر ابن الخطاب فبكي عبد الله حتى خضبت دموعه الحصا ثم قال: اقرأ كما أقرأك عمر ثم دور دارة بيده ثم قال: إن عمر كان حصنا حصينا للإسلام يدخل الناس منه، ولا يخرجون منه فلما مات عمر انثلم الحصن فالناس يخرجون منه ولا يدخلون «٥» .
وقد ثرّب الإمام أبو القاسم الهذلي على ابن قتيبة في كونه لم يذكر أبا بكر وعمر في جملة الحفظة فقال: «وقد تجاوز ابن قتيبة حين قال توفى أبو بكر وعمر ولم يكملا القران» «٦» .
_________________
(١) البخاري (١/ ٤٣)، مرجع سابق.
(٢) الطبراني في الكبير (٩/ ١٣٥)، الزهد لابن أبي عاصم (١/ ١٥٧) .
(٣) خرج هذه الاثار البيهقي في الكبرى (٢/ ٣٨٩)، مرجع سابق.
(٤) خرج هذه الاثار ابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٣١٠)، مرجع سابق.
(٥) الطبراني في الكبير (٩/ ١٦٢)، مرجع سابق.
(٦) الكامل ص ٣٨ وجه ب، مرجع سابق.
[ ٣٨٩ ]
٣- وأما عثمان بن عفان ﵁:
فأمره أشهر من أن يذكر، وهو مجمع على حفظه القران الكريم، وقد ذكره الذهبي في طبقاته في القراء كأول صحابي «١» .
٤- علي بن أبي طالب ﵁:
وقد ذكره الذهبي- رحمه الله تعالى- في جملة من حفظ القران من الصحابة في أول كتابه (طبقات القراء)، وقد ذكر عن علي ﵁ جمعه للقران فور وفاة النبي ﷺ كما ذكر ذلك ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم علي ألا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القران في مصحف ففعل، فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا! والله إلا إني أقسمت ألاأرتدي برداء إلا لجمعة فبايعه ثم رجع «٢»
ولكن ابن أبي داود ضعّف هذه الرواية، وقالك «لم يذكر المصاحف أحد إلا الأشعث، وهو لين الحديث، وإنما رووا حتى أجمع القران، يعني أتم حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القران قد جمع القران»، وقال ابن حجر: «وبتقدير صحته فمراده بجمعه حفظه في صدره» «٣» .
وبمثل هذه الرواية اعتمد من زعم أن عليا لم يجمع القران، ولكن الذي لا مراء فيه أن لزوم ابن عم رسول الله ﷺ عليا لرسول الله ﷺ مسألة لا تستحق النقاش، ووافر ذاكرته حيث أسلم وهو صغير دال على صفاء نفسه وقريحته، وقد كان هو المبلغ عن رسول الله ﷺ في حجة العام التاسع بسورة براءة، وهي من
_________________
(١) معرفة القراء الكبار (١/ ٢٤)، مرجع سابق.
(٢) ابن أبي داود في المصاحف (١/ ١٨٠) .
(٣) فتح الباري (٩/ ١٢)، مرجع سابق.
[ ٣٩٠ ]
اخر ما نزل «١»، وهو من كتاب الوحي المعدودين كل هذا يرجح لنا حفظه للقران قبل، وإنما تحمل الرواية المقبولة منها على محمل اخر عند المؤلف هو أن يراجع علي القران بعد أن وثق أنه قد كمل، وأن الوحي قد انقطع، وهذا اللائق به، وببيئته المحيطة.
٥- عبد الله بن مسعود ﵁:
وتقدم تقرير حفظه في الكلام على العرضة الأخيرة من الفصل الثاني، وقد اشتهر بذلك بين الصحابة فعن قيس بن أبي حازم قال سئل علي عن عبد الله بن مسعود فقال: قرأ القران ووقف عند متشابهه وأحل حلاله وحرم حرامه.. «٢» .،
وقد قرأ على النبي ﷺ حبا من النبي ﷺ لسماعه، «فقراءة ابن مسعود عليه في هذا الموضع لإسماعه إياه لا لأجل التصحيح والتلقين» «٣»، وحسب ابن أم عبد أن يكون أستاذ معاذ بن جبل إمام العلماء.
وشأنه في الترتيل وجودة الأداء عظيم كأنه يقرأ الوحي غضا طريا كما قرر ذلك النبي ﷺ، وعن أبي عثمان النهدي: صلّى بنا ابن مسعود المغرب ب «قل هو الله أحد» والله لوددت أنه قرأ بسورة البقرة من حسن صوته وترتيله «٤» .
وكان له أسلوبه البديع في إقراء الناس فعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرئ الرجل الاية ثم يقول: لهي خير مما طلعت عليه الشمس أو مما على الأرض من شيء حتى يقول ذلك في القران كله، وفي رواية كان ابن مسعود إذا أصبح أتاه الناس في داره فيقول: على مكانكم ثم يمر بالذين يقرئهم القران
_________________
(١) صحيح البخاري (٤/ ١٧٠٩)، ابن حبان (١٥/ ١٧)، مرجعان سابقان.
(٢) انظر: مجمع الزوائد (٩/ ١٥٧)، مرجع سابق.
(٣) ابن تيمية (١٦/ ٤٨٢)، مرجع سابق.
(٤) ابن أبي شيبة (١/ ٣١٤)، خلق أفعال العباد ص ٧٢، مرجعان سابقان.
[ ٣٩١ ]
فيقول: أيا فلان بأي سورة أتيت؟ فيخبره في أي اية فيفتح عليه الاية التي تليها ثم يقول: تعلمها فإنها خير لك مما بين السماء والأرض. قال: فنظر الرجل اية ليس في القران خير منها ثم يمر بالاخرى فيقول اية مثل ذلك حتى يقول ذلك لكلهم «١» .
وقد ورّث علمه لتلامذته، فقد مر خباب بن الأرت بحلقته فقال: يا أبا عبد الرحمن! أيستطيع هؤلاء الشباب أن يقرؤوا كما تقرأ؟ قال: أما إنك لو شئت أمرت بعضهم يقرأ عليك قال: اقرأ يا علقمة ، فقرأت خمسين اية من سورة مريم فقال عبد الله: كيف ترى؟ قال: قد أحسن. قال عبد الله: ما أقرأ شيئا إلا وهو يقرؤه ثم التفت إلى خباب وعليه خاتم من ذهب فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى؟ قال: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم فألقاه «٢» .
٦- أبي بن كعب ﵁:
سيد القراء وإمامهم، وقد قرأ عليه النبي ﷺ بصفة خاصة فقال له: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك» قال: الله سماني لك؟ قال الله: «سماك لي» قال:
فجعل أبي يبكي «٣»، ومن حكم قراءة النبي ﷺ على أبي أن ينبه «الناس على فضيلة أبي في ذلك، ويحثهم على الأخذ منه، وكان كذلك فكان بعد النبي ﷺ رأسا وإماما مقصودا في ذلك مشهورا به» «٤»، وعن عاصم بن بهدلة قال: قلت للطفيل بن أبي بن كعب: إلى أي معنى ذهب أبوك في قول رسول الله له أمرت
_________________
(١) عبد الرزاق (٣/ ٣٦٧)، الطبراني في الكبير (٩/ ١٣٥)، مرجعان سابقان وانظر مجمع الزوائد (٧/ ١٦٦)، مرجع سابق.
(٢) صحيح البخاري (٤/ ١٥٩٥)، مرجع سابق.
(٣) مسلم (١/ ٥٥٠)، البخاري (٤/ ١٨٩٦)، مرجع سابق.
(٤) شرح النووي (١٦/ ١٩)، مرجع سابق.
[ ٣٩٢ ]
أن أقرأ القران عليك فقال ليقرأ علي فأحذو ألفاظه «١»، وذلك «لفضيلة أبي واختصاصه بعلم القران» «٢» .
٧- وكان أبو عبيدة بن الجراح معدودا:
فيمن جمع القران العظيم «٣» وحسبنا به معلما لأهل اليمن (نجران) للقران الكريم، وكان معلما للقران في المدينة فعن أبي ثعلبه الخشني ﵁ قال:
لقيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! ادفعني إلى رجل حسن التعليم فدفعني إلى أبي عبيدة ابن الجراح ثم قال: «قد دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك وأدبك» .. «٤» ..
٨- ومنهم عبد الرحمن بن عوف:
فقد أم بالنبي ﷺ فعن المغيرة بن شعبة قال: عدل رسول الله ﷺ وأنا معه في غزوة تبوك قبل الفجر فعدلت معه فأقبلنا نسير حتى نجد الناس في الصلاة قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حين كان وقت الصلاة ووجدنا عبد الرحمن قد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر فقام رسول الله ﷺ مع المسلمين وراء عبد الرحمن بن عوف
لما سلم رسول الله ﷺ قال لهم أحسنتم أو قد أصبتم «٥» . فما لهم يقدمون ابن عوف إلا لاستحقاقه ذلك؟.
_________________
(١) السبعة ص ٥٥، مرجع سابق.
(٢) ابن تيمية (١٦/ ٤٨٢)، مرجع سابق.
(٣) سير أعلام النبلاء (١/ ٨)، مرجع سابق.
(٤) الطبراني في الكبير (١/ ١٥٧)، مرجع سابق، وانظر: مجمع الزوائد (٥/ ١٨٩)، مرجع سابق.
(٥) ابن حبان (٥/ ٦٠٣) .
[ ٣٩٣ ]
٩- سالم مولى أبي حذيفة:
وهو من المذكورين في حديث «خذوا القران »، وقد قال النبي ﷺ فيه لحسن صوته: «الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا» «١» .
١٠- ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄:
فقد قال: جمعت القران فقرأت به كل ليلة فبلغ النبي ﷺ فقال أقرأه في شهر الحديث «٢» .
١١- أبو موسى الأشعري ﵁:
وقد تقدم ذكر عدد من جمع عليه القران، ومن تلاميذه عامر بن عبد قيس، وكان مشهورا بالإقراء فعن الحسن قال: كان عامر بن عبد قيس إذا صلى الصبح تنحى في ناحية المسجد فقال: من أقرئه؟ قال: فيأتي قوم فيقرئهم حتى إذا طلعت الشمس وأمكنت الصلاة قام يصلي إلى أن ينتصف النهار ثم يرجع إلى منزله فيقيل ثم يرجع إلى المسجد إذا زالت الشمس فيصلي حتى يصلى الظهر، ثم يصلى حتى يصلي العصر، فإذا صلى العصر تنحى في ناحية المسجد ثم يقول:
من أقرئه؟ قال: فيأتيه قوم فيقرئهم حتى إذا غربت الشمس صلى المغرب ثم يصلي حتى يصلي العشاء الاخرة، ثم يرجع إلى منزله فيتناول أحد رغيفيه، فيأكل ثم يضطجع هجعة خفيفة ثم يقوم فإذا كان السحر تناول رغيفه الاخر، فيأكله ثم يشرب عليه شربة من ماء ثم يخرج إلى المسجد «٣» .
_________________
(١) ابن ماجه (١/ ٤٢٥)، مرجع سابق، وقال في مصباح الزجاجة (١/ ١٥٨)، مرجع سابق: «هذا إسناد صحيح» .
(٢) ابن حبان (٣/ ٣٣)، النسائي في الكبرى (٥/ ٢٤)، ابن ماجه (١/ ٤٢) .
(٣) الزهد لابن أبي عاصم ص ٢٢٤، مرجع سابق.
[ ٣٩٤ ]
١٢- أبو أيوب الأنصاري ﵁:
فقد أخرج ابن أبي داود بسند حسن عن محمد بن كعب القرظي قال: جمع القران على عهد رسول الله خمسة من الأنصار معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري «١»، وقد أراد عمر إرساله إلى الشام ليقرئ أهلها، فلما كان زمن عمر كتب إليه يزيد بن أبي سفيان إن أهل الشام قد كثروا وملؤوا المدائن واحتاجوا إلى من يعلمهم القران ويفقههم فأعني برجال يعلمونهم فدعا عمر الخمسة فقال: إن إخوانكم قد استعانوني من يعلمهم القران، ويفقههم في الدين فأعينوني يرحمكم الله بثلاثة منكم إن أحببتم وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم هذا شيخ كبير لأبي أيوب، وأما هذا فسقيم لأبيّ فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدؤوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق والاخر إلى فلسطين «٢» .
١٣- عبادة بن الصامت ﵁:
كما تقدم، وهو من الذين كانوا يقرئون القران على عهد رسول الله ﷺ أهل الصفة.
١٤- أبو الدرداء ﵁:
كالسابق، وكان أبو الدرداء مقرئ الشام ورئيسا لجامعة قرانية عظيمة، وسنذكر طرفا من كيفية إقرائه ليستبين كيف كان يأخذ أهل الشام عنه وكيف
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٥٣)، مرجع سابق.
(٢) سير أعلام النبلاء (٢/ ٦ و٢/ ٣٤٤)، مرجع سابق.
[ ٣٩٥ ]
سادت قراءته: فقد قال سويد بن عبد العزيز التنوخي: كان أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، ويجعل على كل عشرة منهم عريفا، ويقف هو قائما في المحراب يرمقهم ببصره وبعضهم يقرأ على بعض، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفهم، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء فسأله عن ذلك.
وكان ابن عامر عريفا على عشرة، وكان كبيرا فيهم، فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر، وقام مقامه مكانه، وقرأ عليهم جميعهم فاتخذه أهل الشام إماما، ورجعوا إلى قراءته، وعن أبي عبيد الله مسلم ابن مشكم، قال لي أبو الدرداء: اعدد من يقرأ عندي القران، فعددتهم ألفا وستمائة ونيفا، وكان لكل عشرة منهم مقرئ، وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائما يستفتونه في حروف القران، فإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء، فقد بلغ تلاميذه ألفا وستمائة ونيفا يقرئهم جميعا في يوم واحد بطريقة فذة، كأنه أسس بها جامعة قرانية لها نظمها الإدارية المختلفة «١» .
١٥- معاذ بن جبل ﵁:
وهو الذي ورد في حديث أنس وعبد الله بن عمرو السابقين، وقد كان شيخ الناس في القران وإمام العلماء، والناس يصدرون عنه لولا أنه لم يعمّر فعن أبي إدريس الخولاني قال: دخلت مسجد حمص فإذا حلقة فيها نيف وثلاثون رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فجعل الرجل يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا وينصت له الاخرون، وفيهم فتى أدعج براق
_________________
(١) جمال القراء وكمال الإقراء (٢/ ٤٥٤)، مرجع سابق، وانظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٥٣)، مرجع سابق.
[ ٣٩٦ ]
الثنايا فإذا اختلفوا في شيء انتهوا إلى قوله، فلما انصرفت إلى منزلي بت بأطول ليلة قلت: جلست في مجلس فيه كذا وكذا من أصحاب النبي ﵇ لا أعرف منازلهم، ولا أسماءهم، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد فإذا الفتى الأدعج قاعد إلى سارية فجلست إليه: فقلت: إني أحبك لله تعالى قال: فأخذ بحبوتي ثم قال: الله إنك لتحبني في الله؟ قلت: الله إني لأحبك في الله ﵎. قال: أفلا أحدثك بما سمعت من رسول الله ﷺ؟ قلت:
بلى! قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المتحابون في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله»، فبينا نحن كذلك إذ مر رجل ممن كان في الحلقة فقمت إليه فقلت: إن هذا حدثني حديثا عن رسول الله ﷺ فهل سمعته؟ قال:
ما كان ليحدثك إلا حقا فما هو؟ فأخبرته فقال: سمعت هذا من رسول الله ﷺ وما هو أفضل منه. قلت: يرحمك الله وما الذي أفضل منه؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يأثر عن الله تعالى: «حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين، في وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في» قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عبادة بن الصامت. قلت: فمن الفتى؟
قال: معاذ بن جبل «١» .
ولكنه تتلمذ على يد ابن مسعود ﵁ ابتداء: فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء معاذ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أقرئني. فقال رسول الله ﷺ: «أقرئه» فأقرأته ما كان معي ثم اختلفت أنا وهو إلى رسول الله ﷺ فقرأه معاذ فكان معلما من المعلمين على عهد رسول الله ﷺ «٢» .
_________________
(١) المختارة (٨/ ٣٠٩)، مرجع سابق.
(٢) ابن أبي شيبة (٦/ ١٣١)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٧٤)، مرجع سابق.
[ ٣٩٧ ]
١٦- خباب بن الأرت ﵁:
وكان مقرئا من أوائل البعثة فعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا من بني زهرة لقي عمر قبل أن يسلم وهو متقلد بالسيف فقال: إلى أين تعمد؟ قال: أريد أن أقتل محمدا قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر؟ إن ختنك سعيدا وأختك قد صبوا وتركا دينهما الذي هما عليه. قال: فمشى عمر إليهم ذامرا حتى إذا دنا من الباب قال: وكان عندهما رجل يقال له خباب يقرئهما سورة طه فلما سمع خباب بحس عمر دخل تحت سرير لهما.. «١» . الحديث.
ويتضح مدى حفظ خباب من إحالة ابن مسعود عليه فقد جاءه بعضهم فسأله أن يقرأ عليهم طسم المائتين فقال: ما هي معي ولكن عليكم من أخذها من رسول الله ﷺ خبّاب بن الأرتّ، فأتينا خبّاب ابن الأرتّ فقرأها علينا «٢»، وحكم على مدى جودة وحفظ أصحاب ابن مسعود ﵁.
١٧- أسيد بن حضير:
وقد كان من القراء المعدودين المشهورين في عهد النبي ﷺ فعن أسيد بن حضير أنه قال: يا رسول الله بينما أنا أقرأ الليلة سورة البقرة إذ سمعت وجبة من خلفي فظننت أن فرسي انطلق فقال رسول الله ﷺ: قرأ يا أبا عتيك فالتفت فإذا مثل المصباح مدلى بين السماء والأرض ورسول الله ﷺ يقول: «اقرأ يا أبا عتيك» فقال: يا رسول الله فما استطعت أن أمضي فقال رسول الله ﷺ: «تلك الملائكة نزلت لقراءة سورة البقرة أما إنك لو مضيت لرأيت العجائب» «٣»، وقد
_________________
(١) الحاكم (٤/ ٦٥)، مرجع سابق.
(٢) أحمد (١/ ٤١٩) .
(٣) ابن حبان (٣/ ٥٨)، مرجع سابق.
[ ٣٩٨ ]
كان شديد التأثر بالقران فعن عائشة أنها قالت: كان أسيد بن حضير من أفاضل الناس، وكان يقول: لو أكون كما أكون على حال من أحوال ثلاث لكنت من أهل الجنة وما شككت في ذلك: حين أقرأ القران، أو حين أسمعه يقرأ، وإذا سمعت بخطبة رسول الله ﷺ، وإذا شهدت جنازة وما شهدت جنازة قط فحدثت نفسي سوى ما هو مفعول بها وما هي صائرة إليه «١» وفي ترجمة إبراهيم بن جابر الصحابي: أنه كان من جملة العبيد الذين نزلوا على النبي ﷺ أيام حصاره الطائف فأعتقه وبعثه إلى أسيد ابن حضير وأمره أن يمونه ويعلمه.
١٨- مصعب بن عمير ﵁:
فقد كتبت الأوس والخزرج إلى رسول الله ﷺ ابعث إلينا مقرئا يقرئنا القران فبعث إليهم مصعب بن عمير العبدري، فنزل على أسعد بن زرارة فكان يقرئهم القران فروى بعضهم أن مصعبا كان يجمع بهم ثم خرج مع السبعين حتى وافوا الموسم مع رسول الله ﷺ «٢»، وعن البراء ابن عازب قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ ثم قدم النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ فما قدم حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور من المفصل «٣» .
«وكان مصعب يسمى المقرئ بالمدينة، وفي الاستبصار لابن قدامة المقدسي لما قدم مصعب ابن عمير المدينة نزل على أسعد بن زرارة فكان يطوف به على دور
_________________
(١) الضياء في المختارة (٤/ ٢٧٥)، مرجع سابق.
(٢) طبقات ابن سعد (١/ ٢٢٠)، مرجع سابق.
(٣) البخاري (٣/ ١٤٢٨)، مرجع سابق.
[ ٣٩٩ ]
الأنصار يقرئهم القران ويدعوهم إلى الله ﷿ فأسلم على يديهما جماعة منهم سعد بن معاذ وأسد بن حضير وغيرهما» «١» .
١٩- عبد الله بن أم مكتوم ﵁:
وما سبق يدل على ذلك، وهو صاحب قصة عبس وهنيئا له مقامه.
٢٠- عثمان بن أبي العاص:
وتقدمت قصته في المبحث الثاني من الفصل الثاني، وكانت تعرض المصاحف عليه للتصحيح فعن أبي نضرة قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة لنعرض مصحفا لنا بمصحفه فجلسنا إلى رجل يحدث ثم جاء عثمان بن أبي العاص فتحولنا إليه «٢» .
ومن أخباره ﵁: أنه تزوج امرأة من نساء عمر بن الخطاب فقال: والله ما نكحتها حين نكحتها رغبة في مال ولا ولد ولكن أحببت أن تخبرني عن ليل عمر ﵁ فسألها كيف كانت صلاة عمر بالليل قالت: كان يصلي العتمة ثم يأمر أن نضع عند رأسه تورا من ماء نغطيه ويتعار من الليل فيضع يده في الماء فيمسح وجهه ويديه ثم يذكر الله ما شاء أن يذكر ثم يتعار مرارا حتى يأتي على الساعة التي يقوم فيها لصلاته «٣»، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ على المنبر ومعه كتاب فقال: لأعطين هذا الكتاب رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله
_________________
(١) (الكتاني) عبد الحي الإدريسي الحسني الفاسي: نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية (١/ ٤٠)، دار الكتاب العربي- بيروت.
(٢) ابن أبي شيبة (٧/ ٤٩١)، مرجع سابق.
(٣) الطبراني في الكبير (٩/ ٤٣)، مرجع سابق، وفي مجمع الزوائد (٩/ ٧٣)، مرجع سابق: «رواه الطبراني ورجاله ثقات» .
[ ٤٠٠ ]
ورسوله قم يا عثمان بن أبي العاص فقام عثمان بن أبي العاص فدفعه إليه «١»، وعن أبي نضرة قال: أتيت عثمان بن أبي العاص في أيام العشر وكان له بيت قد أخلاه للحديث فمر عليه بكبش فقال لصاحبه: بكم أخذته؟ فقال: باثني عشر درهما فقلت: لو كان معي اثنا عشر درهما اشتريت بها كبشا فضحيت وأطعمت عيالي فلما قدمت اتبعني بصرة فيها خمسون درهما فما رأيت دراهم قط كانت أعظم بركة منها أعطاني وهو لها محتسب وأنا إليها محتاج «٢»، وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي: أن النبي ﷺ قال له: «أم قومك» قال قلت: يا رسول الله إني أجد في نفسي شيئا قال أدنه فجلسني بين يديه ثم وضع كفه في صدري بين ثديي ثم قال تحول فوضعها في ظهري بين كتفي ثم قال: أم قومك.. «٣» ..
٢١- غيرهم ﵁:
١- عمرو بن سلمة: وتقدمت قصته في المبحث الثاني من الفصل الثاني.
٢- شريح الحضرمي: كان من أفضل أصحاب النبي ﷺ «٤»، فعن السائب بن يزيد أن شريحا الحضرميّ ذكر عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «لا يتوسّد القران» «٥» .
_________________
(١) الطبراني في الأوسط (١/ ٢٣٩)، مسند الحارث (٢/ ٦٢٤)، مرجعان سابقان، وانظر: مجمع الزوائد (٩/ ٣٧١)، مرجع سابق.
(٢) الطبراني (٩/ ٤٢)، مرجع سابق، وفي مجمع الزوائد (٩/ ٣٧١)، مرجع سابق: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح» .
(٣) مسلم (١/ ٣٤١)، مرجع سابق.
(٤) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٧٠٢)، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.
(٥) أحمد ٣/ ٤٤٩، النسائي في الكبرى ١/ ٤١٢، والصغرى ٣/ ٢٥٦، مراجع سابقة.
[ ٤٠١ ]
٣- سعد بن المنذر الأنصاري: وقد قال: يا رسول الله أقرأ القران في ثلاث قال نعم قال وكان يقرؤه حتى توفي «١» .
- عبد الله بن سعد بن خيثمة كنيته أبو خيثمة الأوسي الأنصاري ممن شهد بدرا والعقبة وجوامع المشاهد وكان من المعدودين في القراء والمشهورين في البراز توفى بالمدينة «٢» .
٥- أبو زيد المذكور في حديث أنس: وليس هو سعد بن عبيد بن النعمان لأن هذا أوسي وأنس خزرجي وقد قال: إنه أحد عمومته وعند ابن أبي داود بإسناد على شرط البخاري إلى ثمامة عن أنس أن أبا زيد الذي جمع القران اسمه قيس بن السكن قال وكان رجلا منا من بني عدي بن النجار أحد عمومتي ومات ولم يدع عقبا ونحن ورثناه، وكان عقبيا بدريا «٣» .
٦- سعد بن عبيد: وهو الذي قال فيه أبو أحمد العسكري: لم يجمع القران من الأوس غير سعد بن عبيد وقال ابن حبيب في المحبر: سعد بن عبيد أحد من جمع القران على عهد النبي ﷺ «٤»، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان سعد بن عبيد يسمى على عهد رسول الله ﷺ القاري «٥» .
_________________
(١) الطبراني في الكبير (٦/ ٥١)، الزهد لابن المبارك ص ٤٥٢، مرجعان سابقان، وصرح ابن لهيعة في إسناديهما بالتحديث.
(٢) مشاهير علماء الأمصار (١/ ٢٦)، مرجع سابق.
(٣) فتح الباري (٩/ ٥٣)، وانظر: الإتقان (١/ ١٩٥)، مرجعان سابقان.
(٤) الإتقان (١/ ١٩٥)، مرجع سابق.
(٥) رواه الطبراني في الكبير (٦/ ٥٣) مرسلا، مرجع سابق، وانظر: مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٢)، مرجع سابق.
[ ٤٠٢ ]
٧- قيس بن أبي صعصعة: ذكره ابن أبي داود فيمن جمع القران وهو خزرجي يكنى أبا زيد «١» .
٨- ثابت بن قيس بن شماس: وأخرج أبو داود من طريق مرسلة قال النبي ﷺ: «ألم تر ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح» «٢» .
٩- سلمان الفارسي: فعن خليد العصري قال لما ورد علينا سلمان أتيناه لنستقرئه فقال إن القران عربي فاستقرئوه عربيا فكان زيد بن صوحان يقرئنا فإذا أخطأ أخذ عليه سلمان وإذا أصاب قال: أيم الله «٣» .
١٠- زياد بن لبيد الأنصاري البياضي: من بني بياضة بن عامر بن زريق قال الواقدي: خرج إلى رسول الله ﷺ وأقام معه بمكة حتى هاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة فكان يقال لزياد مهاجري أنصاري شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، واستعمله رسول الله ﷺ على حضرموت «٤» وقد ورد ما يشير إلى تقدمه وحفظه فعن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء» فقال زياد ابن لبيد الأنصاري: يا رسول الله! وكيف
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٥٣)، مرجع سابق. ملحوظة مهمة: وجدت أن ابن حجر في الفتح والسيوطي في الإتقان يعزوان لابن أبي داود ما ليس في كتابه المصاحف، والظاهر أن عزوهما غير المصرح به إنما هو لكتاب الشريعة إما شريعة المقاري وهو الأرجح كما يظهر من اسمه، وإما شريعة التفسير، وله ثالث هو كتاب فضائل القران، ورابع هو كتاب نظم القران- انظر: كتاب المصاحف (١/ ٥٧) فيحتمل العزو لها جميعا.
(٢) تحفة الأحوذي (٨/ ١٥٧)، مرجع سابق.
(٣) ابن أبي شيبة (٦/ ٤١٠)، مرجع سابق.
(٤) الاستيعاب (٢/ ٥٣٣)، مرجع سابق.
[ ٤٠٣ ]
يختلس منا وقد قرأنا القران فو الله لنقرأنه ولتقرئنه نساءنا وأبناءنا، وفي لفظ للحاكم: قال زياد: بأبي وأمي وكيف يذهب أوان العلم ونحن نقرأ القران ونعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى أن تقوم الساعة فقال: «ثكلتك أمك يا زياد إني كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة هذا التوراة والإنجيل ثم اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم» «١» .
١١- ومنهم وبر بن مشهر الحنفي: فعنه ﵁ أن مسيلمة بعثه هو وابن سعاف الحنفي وابن النواحة حتى قدموا على رسول الله ﷺ قال وبر بن مشهر ﵁: كانا هما أسن مني فتشهدا أنه رسول الله ﷺ وأن مسيلمة من بعده قال فأقبل علي رسول الله ﷺ فقال: «بم تشهد يا غلام؟» فقلت: أشهد بما شهدت به وأكذب بما كذبت به قال: «فإني أشهد عدد ترب الدهناء وترب يثرب أن مسيلمة كذاب» . قال وبر ﵁: شهدت بما شهدت به. فقال رسول الله ﷺ:
«خذوهما» قال فأخذا فأخرج بهما إلى البيت يحبسان فقال رجل: هبهما لي يا رسول الله ففعل فخرجا وأقام وبر بن مشهر ثم رسول الله ﷺ يتعلم القران حتى قبض رسول الله ﷺ ورجع صاحباه فلما توفي رسول الله ﷺ قدم وبر ﵁ فنزل على أمه بعرقبا فسمع به مسيلمة فأرسل إليه فقال: لا يراني الله تعالى أمشي إليه أبدا فأرسل إليه إذا لأدمينك في حجر أمك فأبى فأصرف عنه حتى جاء خالد بن الوليد ﵁ فغزاه وغزا معه وقتل مسيلمة وخرج وبر.. «٢» ..
١٢- وهناك أسماء أخرى غير مشهورة ومنها: أبان بن سعيد بن العاص فقد ذكر ابن حجر في الإصابة عن الواقدي أن صحابيا يقال له وردان أسلمه النبي ﷺ
_________________
(١) الحاكم (١/ ١٧٩)، الترمذي (٥/ ٣١)، مرجعان سابقان.
(٢) الاحاد والمثاني (٣/ ٣٠٨)، مرجع سابق، وانظر ترجمته في الإصابة (٦/ ٥٩٨)، مرجع سابق.
[ ٤٠٤ ]
إلى أبان بن سعيد بن العاص ليمونه ويعلمه القران «١» ويؤكد هذا استعمال عثمان لأبان في نسخ المصاحف.
١٣- وذكر في التراتيب الإدارية «٢» عددا من المعلمين للقران على عهد النبي ﷺ، والأصل في معلم القران أن يكون حافظا له على ما هو معلوم، فمنهم: رافع بن مالك الأنصاري ترجمه في الإصابة فذكر عن ابن إسحاق أنه أول من قدم المدينة بسورة يوسف، وأن الزبير بن بكار روى في أخبار المدينة أن رافعا لما لقي المصطفى ﷺ بالعقبة أعطاه ما أنزل إليه في العشر سنين التي خلت فقدم به رافع إلى المدينة ثم جمع قومه فقرأ عليه في موضعه قال وعجب المصطفى ﷺ من اعتدال قلبه «٣» .
١٤- ومنهم خالد بن سعيد بن العاص ففي ترجمة لأزرق بن عقبة الثقفي من عبيد الحارث بن كلدة الثقفي أنه ممن نزل على النبي ﷺ في حصار الطائف وأنه أسلم وأعتقه وسلمه لخالد بن سعيد بن العاص ليمونه ويعلمه «٤» .
١٥- ومنهم عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري قال في الاستبصار في أنساب الأنصار: استعمله رسول الله على نجران وهو ابن سبع عشرة سنة ليفقههم في الدين ويعلمهم القران ويأخذ صدقاتهم وذلك سنة عشر «٥» .
١٦- وذكر أبو القاسم الهذلي منهم أيضا غير من تقدم: طلحة بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وأبو برزة، ومعاوية بن أبي سفيان «٦» .
_________________
(١) الإصابة (٦/ ٦٠٢)، مرجع سابق.
(٢) نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية (١/ ٤٤)، مرجع سابق.
(٣) الإصابة (٢/ ٤٤٤) .
(٤) الإصابة (١/ ٤٦) .
(٥) نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية (١/ ٤٤)، مرجع سابق.
(٦) الكامل ص ٤٠ وجه ب، وكذا عدهم الكردي في تاريخ القران ص ٦٩. انظر: تاريخ القران وغرائب رسمه وحكمه ص ٨.
[ ٤٠٥ ]
١٧- وقد يقال بأن حارثة بن النعمان منهم: فعن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: دخلت الجنة فسمعت قراءة فقلت: من هذا؟ فقيل: «حارثة بن النعمان» فقال رسول الله ﷺ: «كذلكم البر» وكان برا بأمه، وفي لفظ: كان أبر الناس بأمه «١» .
١٨- ومن النساء الحافظات في عهد رسول الله ﷺ عائشة ولذا كانت تضبط الايات وعددها: فعنها أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسا فيقرأ وهو جالس فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين اية قام فقرأ وهو قائم ثم ركع ثم سجد ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك «٢»، وهي نفت عن نفسها الحفظ الكامل في أوائل زواجها برسول الله ﷺ حين رميت بحادث الإفك إفكا وزورا وهي الطاهرة المطهرة فقالت: «فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القران» «٣»، والنبي ﷺ إنما توفي بعد حادثة الإفك بخمس سنوات على الأقل فعائشة العالمة التي يصدر عن فتواها كبار الأئمة من الصحابة أفما كانت تحفظ القران؟.
١٩- حفصة بنت عمر بن الخطاب:
٢٠- وأم سلمة: ويدل على ذلك شدة عنايتهن باتخاذ المصاحف.
وتعلمت حفصة الكتابة من الشفاء بنت عبد الله فعن الشفاء قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة فقال لي: «ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة» «٤» .
_________________
(١) الإصابة (١/ ٦١٨)، مرجع سابق، وقال ابن حجر: «إسناده صحيح» .
(٢) البخاري (١/ ٣٧٦)، مسلم (١/ ٥٠٥)، مرجعان سابقان.
(٣) مسلم (٤/ ٢١٣٥)، ابن حبان (١٠/ ٢٠)، مرجعان سابقان.
(٤) أبو داود (٤/ ١١)، النسائي في الكبرى (٤/ ٣٦٦)، مرجعان سابقان.
[ ٤٠٦ ]
٢١- أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث: فقد كان رسول الله ﷺ يقول عنها:
انطلقوا بنا نزور الشهيدة وأذن لها أن يؤذن لها مؤذن، وأن تؤم أهل دارها في الفريضة وكانت قد جمعت القران «١»، وكان من شأنها: أن رسول الله ﷺ كان يزورها ويسميها الشهيدة ولما غزا رسول الله ﷺ بدرا قالت له: أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم، وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة قال: «إن الله مهد لك شهادة»، وكان قد أمرها أن تؤم أهل دارها وكان لها مؤذن فغمها غلام لها وجارية كانت دبرتهما فقتلاها في إمارة عمر فقال عمر صدق رسول الله كان يقول: «انطلقوا بنا نزور الشهيدة» .
٢٢- أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان فعنها قالت: لقد مكثنا سنة أو سنتين كان تنّورنا وتنّور النّبيّ ﷺ واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة وما أخذت ق والقران المجيد إلّا على لسان رسول الله ﷺ كان يقرأ بها كلّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب النّاس وفي لفظ: كان يعلم الناس يقرأها كل جمعة على المنبر «٢» .
وهل يفهم من كلامها حفظها الكامل للقران الكريم، أو جعل الحفظ بدهية في حياتها؟ احتمال.
وأما بعد النبي ﷺ فقد كثرت الحافظات من التابعيات، ومن أشهرهن:
حفصة بنت سيرين أم الهذيل الفقيهة الأنصارية روت عن أم عطية، وروي عن إياس بن معاوية قال: ما أدركت أحدا أفضله عليها، وقال: قرأت القران وهي بنت ثنتي عشرة سنة وعاشت سبعين سنة فذكروا له الحسن وابن سيرين فقال: أما أنا فما أفضل عليها أحدا «٣» .
_________________
(١) ابن خزيمة (٣/ ٨٩)، البيهقي في الكبرى (٣/ ١٣٠)، مرجعان سابقان.
(٢) مسلم (٢/ ٥٩٥)، الحاكم (١/ ٤٢١)، المسند المستخرج على مسلم (٢/ ٤٥٨) .
(٣) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٠٧)، مرجع سابق.
[ ٤٠٧ ]
٢٣- وعدّ ابن أبي داود في كتاب الشريعة من المهاجرين أيضا تميم بن أوس الداري، وعقبة بن عامر، ومن الأنصار معاذا الذي يكنى أبا حليمة، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وغيرهم وصرح بأن بعضهم إنما جمعه بعد النبي ﷺ وعد بعض المتأخرين من القراء سعد بن عبادة» «١» .
٢٤- ولما تقدم فقد ذكر أبو عبيد في كتاب القراات القراء من أصحاب النبي ﷺ فعد من المهاجرين الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدا وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة وعائشة وحفصة وأم سلمة «٢» .
فعدة المذكورين من المشتهرين بأنهم أئمة للقراءة والإقراء نافت على خمسين صحابيا.
ولو ذهب المرء يعدد المشهورين بالحفظ بعد النبي ﷺ من الصحابة فإنهم سيستطيلون إلى المئات وهناك من القراء الذين لم تعرف أسماء كثير منهم:
أصحاب بئر معونة، وأصحاب اليمامة، وكثير من أهل أحد فذلك ما لا يقل عن مائة وعشرين حافظا بالإضافة إلى هؤلاء الخمسين.
لا تنافي بين ذكر هذا العدد الكثير وما اشتهر من قلة حفاظ الصحابة ﵃:
«لا تنافي بين ذكر هذا العدد الكثير المصرح باسمه وبين ما اشتهر من الذين جمعوا القران هم عشرة؛ إذ قد وجه البعض هذه الشهرة بأنها محمولة على جمعهم له بأوجه القراات والسبعون من أصحاب بئر معونة، وغيرهم من المذكورين تصريحا أو تلميحا مما سبق كانوا يحفظونه بدون أوجه القراات، وقد نظم بعضهم العشرة فقال:
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٥٢)، مرجع سابق.
(٢) الإتقان (١/ ١٩٥)، ونقل ذلك صاحب مناهل العرفان (١/ ١٦٩)، مرجعان سابقان.
[ ٤٠٨ ]
لقد جمع القران في عهد أحمد علي وعثمان وزيد بن ثابت
أبي أبو زيد معاذ وخالد تميم أبو الدرداء وابن لصامت»
«١» وعند الباحث أن هؤلاء العشرة تفرغوا للإقراء واشتهروا به بخلاف غيرهم الذين شغلوا بأمور أخرى.
ولن يتوسع البحث في الكلام عن الطبقة الثانية من الصحابة وهم الذين أخذوا عن الصحابة ﵃، وما أكثرهم- فضلا عن التابعين- والإحصاء المذكور عن تلاميذ أبي موسى يوضح الانتشار الهائل للقران الكريم، ومن هؤلاء الصحابة من ذكرهم الذهبي في الطبقة الثانية في طبقاته كأبي هريرة وابن عباس وعبد الله ابن السائب ابن أبي السائب مقرئ مكة، وهو من صغار الصحابة «٢» وقال فيه مجاهد: كنا نفخر على الناس بقارئنا عبد الله بن السائب «٣» .
_________________
(١) حاشية البجيرمي على تحفة الطلاب (١/ ٢٠٨)، مرجع سابق.
(٢) سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٨٨)، مرجع سابق.
(٣) ابن أبي شيبة (٦/ ١٣٩)، مرجع سابق.
[ ٤٠٩ ]
المبحث الرابع: تعليمه ﷺ جمع القران:
والمراد بالجمع هنا هو كتابة ايات القران وترتيب سوره عند كتابته، وقد يطلق على هذا الباب من العلم تأليف القران كما قال الإمام البخاري «باب تأليف القرانط أي جمع ايات السورة الواحدة أو جمع السور مرتبة في المصحف «١»، وقد استعملت كلمة تأليف فيما قاله عمر بن الخطّاب ﵁: خرجت أتعرّض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقّة فجعلت أعجب من تأليف القران قال فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش قال فقرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (الحاقة: ٤٠- ٤١) قال: قلت كاهن قال: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (الحاقة: ٤٢- ٤٧) إلى اخر السّورة قال فوقع الإسلام في قلبي كلّ موقع «٢»، وتنحصر معالم تعليمه ﷺ لهذا الموضوع في المطالب التالية:
المطلب الأول: تعليمه ﷺ كتابة القران.
المطلب الثاني: تعليمه ﷺ ترتيب ايات القران الكريم، وسوره.
المطلب الثالث: تعليمه ﷺ تحزيب القران.
المطلب الرابع: تعليمه ﷺ عد الاي (علم الفواصل) .
وغير غائب عن القارئ الكريم أن هذه المطالب تمثل تأصيلا لعلوم مستقلة من علوم القراءة.
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٣٩)، مرجع سابق.
(٢) أحمد (١/ ١٧)، مرجع سابق، وفي مجمع الزوائد (٩/ ٦٢) .
[ ٤١٠ ]
المطلب الأول: تعليمه ﷺ كتابة القران:
١- أمرهم النبي ﷺ بكتابة القران، وتطبيق المقتضى الفعلي لتسميته كتابا مع أنه لم يكن كاتبا ﷺ، واشتد في ذلك حتى منع ابتداء من كتابة غير القران معه فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لا تكتبوا عني غير القران ومن كتب عني غير القران فليمحه» «١»، وقد استقر الاصطلاح الكتابي نسبيا إلى عهد البعثة كما جاء عن زياد بن أنعم المعافري قال: قلت لعبد الله بن عباس: معاشر قريش هل كنتم تكتبون في الجاهلية بهذا الكتاب العربي تجمعون فيه ما اجتمع، وتفرقون ما افترق هجاء بالألف واللام والميم، والشكل والقطع، وما يكتب به اليوم قبل أن يبعث الله النبي ﷺ؟ قال: نعم «٢»
٢- علمهم النبي ﷺ تسمية ما يكتب فيه القران بالصحف في قوله ﷾:
رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (البينة: ٢) «يعني ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها وهو القران، ويدل على ذلك أنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن كتاب» «٣»، وفي ذلك تعليم ظاهر بأن يكتب القران في صحف.
٣- عن زيد بن ثابت ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القران من الرقاع.. «٤» ..
٤- وأنكر عليهم ﷺ ابتداء الكتابة لغير القران بصيغ أشد فعن ابن عباس وابن عمر ﵃ قالا: خرج رسول الله ﷺ معصوبا رأسه فرقي المنبر فقال:
«ما هذه الكتب التي يبلغني أنكم تكتبونها؟ أكتاب مع كتاب الله؟ يوشك أن
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٩٨)، الحاكم (١/ ٢١٦)، ابن حبان (١/ ٢٦٥)، المختارة (٩/ ٨٢)، مراجع سابقة.
(٢) المحكم (١/ ٢٦)، مرجع سابق.
(٣) فتح القدير (٥/ ٤٧٥)، مرجع سابق.
(٤) ابن حبان (١/ ٣٢٠)، الحاكم (٢/ ٢٤٩)، الترمذي (٥/ ٧٣٤)، أحمد (٥/ ١٨٤)، مراجع سابقة.
[ ٤١١ ]
يغضب الله لكتابه فيسري عليه ليلا فلا يترك في ورقة ولا في قلب منه حرفا إلا ذهب به» فقال بعض من حضر المجلس: فكيف يا رسول الله بالمؤمنين والمؤمنات؟
قال: «من أراد الله به خيرا أبقى في قلبه لا إله إلا الله» «١»، وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بني إسرائيل كتبوا كتابا واتبعوه وتركوا التوراة» «٢»، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا قعودا نكتب ما نسمع من النبي ﷺ فخرج علينا فقال: «ما هذا تكتبون» فقلنا: ما نسمع منك. فقال:
«أكتاب مع كتاب الله امحضوا كتاب الله وأخلصوه» قال: فجمعنا ما كتبناه في صعيد واحد ثم أحرقناه بالنار.. «٣» ..
جمع القران في عهد النبي ﷺ:
وهذه الأدلة المتعاضدة بصحيحها وسقيمها تدل على أن تأليف القران من الرقاع أي جمعه كان أمرا معتادا في حياة النبي ﷺ كما تدل عليه لفظة (كنا)، وهو ما يعني أن القران قد ألف في حياة النبي ﷺ أي جمع.
الإذن لهم بكتابة غير القران:
١- ثم أذن لهم النبي ﷺ بكتابة غير القران من بعد فعن أبي هريرة ﵁ قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده ويعيه بقلبه وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي وأستأذن رسول الله ﷺ في الكتابة عنه فأذن له «٤»، وعن رافع بن خديج ﵁ قال: خرج
_________________
(١) الطبراني في الأوسط (٧/ ٢٨٨)، مرجع سابق، وانظر: مجمع الزوائد (١/ ١٥١)، مرجع سابق.
(٢) الدارمي (١/ ١٣٥)، الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٥٩) .
(٣) أحمد (٣/ ١٢)، مرجع سابق.
(٤) أحمد (٢/ ٤٠٣)، وانظر: مجمع الزوائد (١/ ١٥١)، مرجع سابق.
[ ٤١٢ ]
علينا رسول الله ﷺ فقالوا: «تحدثوا وليتبوأ من كذب علي مقعده من جهنم» قلت: يا رسول الله! إنا نسمع منك أشياء فنكتبها. قال: «اكتبوا ولا حرج» «١» .
٢- وبعد أن أذن لهم بكتابة غير القران معه ربما ترخصوا فكتبوا التفسير الذي سمعوه من النبي ﷺ أو استنبطوه بما دل على الجزم به عندهم، فيعدها من لا يعلم قراءة وهما فعن أبي يونس مولى عائشة أنه قال ثم أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت إذا بلغت هذه الاية فاذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فلما بلغتها اذنتها فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين قالت عائشة سمعتها من رسول الله ﷺ «٢» فما الذي سمعته؟ أيقرأ تلاوة أم يقرأ قراءة تفسير؟ وتفصيل ذلك في الفصل الخامس عند الكلام على القراءة التفسيرية- إن شاء الله تعالى-.
٣- وكانوا يعرضون ما يملي عليهم من كتاب بعد إملائه فعن زيد ابن ثابت ﵁ قال: كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته برحاء شديدة وعرق عرقا شديدا مثل الجمان، ثم سرى عنه فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرة فأكتب وهو يملي علي فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القران حتى أقول لا أمشي على رجلي أبدا فإذا فرغت قال اقرأ فأقرأه فإن كان فيه سقط أقامه ثم أخرج به إلى الناس «٣» .
٤- وكان الصحابة ﵃ يجتهدون في كتابة القران عنه ﷺ كما قال علي ﵁ قال: ما كتبنا عن رسول الله ﷺ إلا القران وما في هذه الصحيفة.. «٤» ..
_________________
(١) وقال الطبراني في الكبير (٤/ ٢٧٦) .
(٢) مسلم (١/ ٤٣٧)، مرجع سابق.
(٣) الطبراني في الأوسط (٢/ ٢٥٧)، والكبير (٥/ ١٤٢) .
(٤) البخاري (٣/ ١١٦٠)، ابن حبان (١/ ٥٥١)، مرجعان سابقان.
[ ٤١٣ ]
ومما يدل على انتشار الكتابة: ما جاء عن ابن عباس ﵁ قال: كانت المصاحف لا تباع كان الرجل يأتي بورقة عند النبي ﷺ فيقوم الرجل فيحتسب فيكتب ثم يقوم اخر فيكتب حتى يفرغ من المصحف «١» .
٥- وقد اتخذ لكتابة الوحي عددا كبيرا من صحابته واشتهر أمرهم، وممن ذكرهم عبد الله بن الزبير ﵁ أن النبي ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم فكان يكتب إلى الملوك، فبلغ من أمانته عنده أنه كان يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ثم يأمر به أن يطينه ثم يختم لا يقرأ لأمانته عنده واستكتب أيضا زيد بن ثابت فكان يكتب ويكتب إلى الملوك أيضا فكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب لإنسان كتابا يقطعه أمر من حضر أن يكتب وقد كتب له عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن قد سمي من العرب «٢»، وقد أفردت بأخبارهم المصنفات في كتاب النبي ﷺ ومن أكبرها: «المصباح المضيء لابن حديدة، وقد أوصلهم العراقي في ألفيته إلى (٤٢) كاتبا» «٣» .
ولكن المكتوب المجموع (المؤلف) في عهد النبي ﷺ هل بقي مع زيد وأمثاله من الكتبة أو كان رسميا مع النبي ﷺ؟ النصوص تدل على الأول، ولذا احتيج إلى جمع مصحف رسمي في عهد أبي بكر ﵁.
وما سبق يدل على أن النبي ﷺ علمهم كتابة القران:
_________________
(١) البيهقي في الكبرى (٦/ ١٦)، مرجع سابق.
(٢) الطبراني في الكبير (٥/ ١٠٨)، مرجع سابق.
(٣) فقه النوازل قضايا فقهية معاصرة (٢/ ١٠٤) .
[ ٤١٤ ]
وبهذا الاعتبار يكون النبي ﷺ قد علمهم كتابة القران «١» أي أمرهم وتابعهم مع أنه بقي لا يكتب على اخر حياته على الراجح، وعلى إثر ذلك نشأ فن رسم المصحف.
وأشار إليهم النبي ﷺ بكتابة المصحف بين دفتين:
وواضح مما سبق أن النبي ﷺ أشار إليهم بكتابة القران في مكان واحد مما يبين التبكير في كتابة القران وجمعه وأنه ليس من أمر أبي بكر بل بإشارات النبي ﷺ كما تقدم ومن ذلك قوله ﷺ: «بل قوم يأتون من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين فيؤمنون به ويعملون بما فيه أولئك أعظم منكم أجرا» «٢»، ولعل هذا الحديث وأمثاله هو الذي احتج به عمر في إقناع أبي بكر بجمع القران، ولعله ذكره به، وبنحوه من الأدلة مما يشير إلى جمع القران كاملا في مصحف.
وقد علمهم النبي ﷺ أن ايات القران المجيد كتبت في الملأ الأعلى (التنزيل الجملي) كما قال الله ﷾: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (البروج: ٢١- ٢٢)، وهذا يشير إلى ضرورة كتابته كذلك في الأرض، ومن الإشارات القرانية لذلك كما في قوله ﷻ: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (البينة: ٢) ففي ذلك إشارة واضحة لتلاوة القران من صحف مطهرة، فكان النّبيّ ﷺ «يكتبه كتبته بإملائه إيّاه عليهم، وهل يخفى على متصوّر معنى صحيحا في قلبه أنّ ذلك كان تنبيها على كتبه وضبطه بالتّقييد في الصّحف، ولو كان ما ضمنه الله
_________________
(١) في موضوع رسم المصحف يرجع إلى كتبه المتعددة: ومن أخصر هذه الكتب وأجمعها: (ابن وثيق) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأموي الأندلسي ت ٦٥٤ هـ: الجامع لما يحتاج إليه من رسم المصحف، تحقيق د. غانم قدوري حمد، ط ١، ١٤٠٨ هـ- ١٩٨٨ م، بغداد- العراق.
(٢) خلق أفعال العباد ص ٨٨، مرجع سابق.
[ ٤١٥ ]
من حفظه لا عمل للأمّة فيه لم يكتبه رسول الله ﷺ بعد إخبار الله له بضمان حفظه، ولكن علم أنّ حفظه من الله يحفظنا وتيسيره ذلك لنا وتعليمه لكتابته وضبطه في الصّحف بيننا «١» .
تعليمه ﷺ تسمية القران المكتوب بالمصحف:
فقد سماه النبي ﷺ بالمصحف صريحا في قوله ﷺ: «من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف» «٢»، وقد كانت تسمية المصحف شائعة عندهم، ومن ذلك ما جاء عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ بابن له فقال:
يا رسول الله إنّ ابني هذا يقرأ المصحف بالنّهار ويبيت باللّيل. فقال رسول الله ﷺ: «ما تنقم أنّ ابنك يظلّ ذاكرا ويبيت سالما» «٣» ..
على أي حرف كتب القران في عهد النبي ﷺ؟:
الظاهر أن المصحف في عهد النبي ﷺ كتب على قراءة العامة ولذا كان الصحابة في عهد أبي بكر يبحثون عن المكتوب بأمر النبي ﷺ ويستشهدون على كتابته بين يدي النبي ﷺ شاهدين، وأما ما «وقع من اختلاف مصاحف الأمصار في عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاات وعدة لامات، ونحو ذلك فهو محمول على أنه نزل بالأمرين معا، وأمر النبي ﷺ بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصا واحدا، وأمره بإثباتهما على الوجهين» «٤» .
_________________
(١) أحكام القران لابن العربي (٢/ ٣٣٢) عند تفسير قوله ﷻ: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
(٢) شعب الإيمان (٢/ ٤٠٨)، مرجع سابق، ورواه (أبو نعيم) في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٧/ ٢٠٩) .
(٣) أحمد (٢/ ١٧٣)، مرجع سابق وهو في مجمع الزوائد (٢/ ٢٧٠) .
(٤) فتح الباري (٩/ ٣٠)، مرجع سابق.
[ ٤١٦ ]
تواتر المصحف كما هو يضاف إلى التواتر القراني:
ولذا كان أكبر دليل يضاف إلى التواتر القراني ليجعل القطع بصحة القران مع التناقل الشفوي اضطراريا أن مصاحف المسلمين هي «التي اجتمع عليها السلف المرضيون والخلف المتبعون، فمن قرأ بحرف ولا يخالف المصحف بزيادة أو نقصان أو تقديم مؤخر أو تأخير مقدم وقد قرأ به إمام من أئمة القراء المشتهرين في الأمصار فقد قرأ بحرف من الحروف السبعة التي نزل القران بها، ومن قرأ بحرف شاذ يخالف المصحف وخالف في ذلك جمهور القراء المعروفين فهو غير مصيب وهذا مذهب أهل العلم الذين هم القدوة ومذهب الراسخين في علم القران قديما وحديثا» «١» .
معنى جعل (رسم المصحف) ركنا من أركان القراءة:
وصار بموجب هذا الإلحاح الشرعي على كتابة المصحف، والتعليم لضرورة الكتابة لا بد من التزام المكتوب المتيقن من كتابته أمام الرسول ﷺ لأنه الضابط للتلقي، مع أمن عدم التغيير بكثرة الحفاظ، وكثرة الترداد، ثم تداعى الصحابة ﵃ على إثر ذلك لجمع هذا المكتوب في مكان واحد هو المصحف الذي أشار النبي ﷺ بكتابته باكرا وذلك في زمان أبي بكر، ثم تداعوا- بعد- لكتابة نسخ متعددة منه وتوزيعه على الافاق ليكون ضابط الشرعية لأي قراءة تتلقى وذلك زمن عثمان، ولذا أشار العلماء سلفا وخلفا إلى ضرورة التزام رسم المصحف، وأن «الرسم دليل علمي» «٢»، ومن أوائل من أشار إلى لزوم اتباع خط المصحف الإمام الطبري «٣» .
_________________
(١) لسان العرب (٩/ ٤١)، مرجع سابق.
(٢) نيل الأوطار (٢/ ٢٢٨)، مرجع سابق.
(٣) الطبري (٢/ ٣٢٨)، مرجع سابق.
[ ٤١٧ ]
وعمم عثمان ﵁ المصاحف في عهده لذلك تعميما رسميا بحيث يكون في كل أفق مصحف كتبته الجماعة:
إذ «علم أن الوهم لا يعرى منه بشر، وأن في الناس منافقين يظهرون الإسلام ويكنون الكفر، فجمع من حضره من الصحابة ﵃ على نسخ مصاحف مصححة كسائر مصاحف المسلمين ولا فرق، إلا أنها نسخت بحضرة الجماعة فقط، ثم بعث إلى كل مصر مصحفا يكون عندهم فإن وهم واهم في نسخ مصحف وتعمد ملحد تبديل كلمة في المصحف أو في القراءة رجع إلى المصحف المشهور المتفق على نقله ونسخه، فعلم أن الذي فيه هو الحق» «١» .
وليس اشتراط الرسم لأنه توقيفي والنبي ﷺ قد علمه بنفسه؛ إذ هو أمي فكيف يفعل ذلك؟ بل المراد هو الضبط للمنقول المتلقى وهو ما كان يؤكد عليه ابن حزم- رحمه الله تعالى- معتبرا كل ما ورد من قراءة خلاف المتلقى فهو تفسير أو نحو ذلك أو كذب «٢» .
كما أنه ليس المراد من اشتراط موافقة خط المصحف أن يكون المصحف إماما في القراءة:
بل هو تابع في القراءة للمشافهة لزيادة الضبط ومحاصرة المشافهة، ولدرء ادعاء الزيادة عليه أو النقصان منه على ما هو مفهوم ذاتي لمعنى (قران)، ولأنه تابع للمشافهة فإنه لا يتابع إجماعا من الناحية الصوتية في عدد من الكلمات التي رسمت خلاف النطق نحو السموات، الربا، الحياة.
_________________
(١) الأحكام لابن حزم (٤/ ٥٥٢)، مرجع سابق، وانظر نحو هذا التقرير: ابن العربي (٢/ ٣٣٢) عند تفسير اية براءة، مرجع سابق.
(٢) انظر: الأحكام لابن حزم (٤/ ٥٥٦)، مرجع سابق.
[ ٤١٨ ]
وكانت المصاحف قد انتشرت بينهم:
فعن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأه «١»، وبذا صار لمعظم الصحابة مصاحفهم الشخصية التي تنسب إليهم نسبة تملك.
المصاحف الشخصية المنسوبة للصحابة ﵃:
«وهناك مصاحف أخرى منسوبة إلى مجموعة من الصحابة ذكرها السجستاني في المصاحف نذكر منهم: عبد الله بن عباس- عمر بن الخطاب- حفصة بنت عمر عائشة بنت أبي بكر- أم سلمة- عبد الله ابن عمرو- عبد الله بن الزبير «٢» .
والحقيقة أن هذه المصاحف ليست إلا مصحفا شخصيا ينسب إلى الصحابي نسبة تملك، وقد تكون أجزاء من القران الكريم كتبها كل واحد منهم بناء على ما سمع من الرسول ﷺ ﵇، وأطلق عليها اسم المصاحف مجازا لأن جمع المصحف لم يكن لأحد من الصحابة قبل أبي بكر وإلا لما تكلف عناء جمعه على المنهج الصارم في عهد أبي بكر «٣»، وكل هذه المصاحف ما اكتمل إلا بعد جمع أبي بكر ﵁ للقران في مكان واحد.
وأما ما يعزى إليها من قراات مخالفة للقراات العامة المتناقلة، أو من ترتيب مخالف فعليه الملحوظات التالية:
١- الشك الكبير في صحة الروايات الواردة فيها؛ فإن الروايات الواردة اتية إما مما أسنده ابن أبي داود في كتاب المصاحف ومعظمها منقطع أو معضل «٤»، أو
_________________
(١) الطبري (٧/ ٢٥٧)، مرجع سابق.
(٢) انظر المصاحف (١/ ٤٠٠)، مرجع سابق، وانظر: معجم القراات القرانية (١/ ٢٩)، مرجع سابق.
(٣) وانظر: معجم القراات القرانية (١/ ٢٩)، مرجع سابق.
(٤) انظر: كتاب المصاحف ١/ ٢٤٦ وما بعدها.
[ ٤١٩ ]
تكون استنباطا، أو مما رواه الفضل بن شاذان في كتاب الفهرست وأمثاله يقول:
أخبرنا الثقة من أصحابنا «١» وهذا سند منقطع لقرون والشك في بقاء هذه المصاحف التي رتبت ترتيبا اخر كبير بعد أن أمر عثمان بإحراق المصاحف وكان أشهر من وافقه علي ابن أبي طالب ﵁، وقد لوحظ أن أكثر الروايات التي تذكر مخالفة مصحف ابن مسعود ﵁ للمصحف الإمام تعود للشيعة وهذا فيه ما هو ظاهر.
٢- بحث ظاهرة تعدد المصاحف يتم من وجهين: من حيث ثبوت نسبتها ثم ما نسب إليها من قراات، فقد تعامل معها كثرة من الباحثين على أنها حقائق مسلمة، وذلك يفتقر إلى الإسناد الصحيح، ولا يعني ذلك أن الباحث يميل إلى نفي ما ورد بالكلية بل المراد أن ما أسند وما لم يسند مما نقل يطرأ عليه الشك في عينه لا في أصله، ولذا فتعامل كثرة من الباحثين على أن ما نقل كله صحيح فيه نظر كبير إن لم يرجح نفيه، ومما يؤلم أن يجعل بعض من الباحثين جميع ما ورد في كتب التفسير والقراات قراات صحيحة- تأثرا بمنهج المستشرقين في قبول كل ما نقل-؟ «٢» ولا يعني هذا نفي وجودها بالكلية وقد قال الجصاص- رحمه الله تعالى- مبينا خطورة القول بما يشاع من القراءة بما ينسب إلى مصحف عبد الله:
«وفي القول بهذا المصحف خروج عن الملة، ويكون معنى قولهم أنه في حرف عبد الله أن ذلك كان من القران في حرف عبد الله ثم نسخت التلاوة وبقي الحكم، لأنه
_________________
(١) الفهرست (١/ ٤١)، مرجع سابق.
(٢) انظر مقدمة كتاب (معجم القراات القرانية) الصفحة (ز) فقد أشارا الكاتبان إلى الحاجة لإعداد معجم قرائي يضم بين دفتيه كل ما صحت به القراءة عن الرسول ﷺ، وأن هذا هو ما فعلاه فلا يدرى أي معيار للصحة اعتمداه على أن على منهج المعجم ملاحظات كثيرة يبدو أن عدم تخصص الجامعين أو عدم إلمامهما بالقراات سندا متلقى سبب لذلك مع أن الجهد المبذول جهد هائل مشكور.
[ ٤٢٠ ]
لو كان المراد أنه ثابت في حرف عبد الله بعد وفاة الرسول ﵇ لما جاز أن يكون نقله إلينا إلا من الوجه الذي نقل إلينا منه سائر القران، وهو التواتر والاستفاضة حتى لا يشك أحد في كونه منه» «١» .
٣- وقد أكثر صاحب كتاب المباني من نقل الردود على من يقر بوجود هذه المصاحف المخالفة في الترتيب لمصحف العامة، حتى نقل عن المصحف المنسوب لأبي قوله: «ليس يعرف لأبي مصحف يخالف هذا المصحف إلا ما ينسب بخبر الواحد دون الجمع الذي يلزم اليقين وإنما كانت قراءته هذه القراءة التي عليها العامة» إلى أن يقول: «وقد ذكر بعض مشايخنا ﵏ أنه رأى مصحفا منسوبا إلى أبي خالف ببعض حروفه حروف هذا المصحف، لكنا لا نأمن أن يكون من جهة بعض من يحب الافتخار بالغريب، فإن هذه بلية قد أضرت بالدين، وأخلت بمصالح المسلمين» «٢» .
المطلب الثاني: تعليمه ﷺ ترتيب ايات القران الكريم وسوره:
أولا: تعليمه ﷺ ترتيب ايات القران الكريم
وهذه مسألة بدهية، ولذا كان الصحابة ﵃ يميزون أرقام الايات وأماكنها دون أن يختلف فيهم اثنان في تحديد المكان، حتى قال السيوطي- رحمه الله تعالى-:
«الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الايات توقيفي لا شبهة في ذلك» أي
_________________
(١) (الرازي) أحمد بن علي الرازي الجصاص ت ٣٧٠ هـ الفصول في الأصول (٢/ ٢٥٢)، تحقيق: د. عجيل جاسم النشمي، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، ط ١، ١٤٠٥ هـ.
(٢) (ابن عطية) عبد الحق بن غالب بن عبد الملك بن عطية أبو محمد الغرناطي ت ٥٤٦ هـ: مقدمتان في علوم القران (وهما مقدمة كتاب المباني، ومقدمة ابن عطية ص ٤٧- ٤٨، نشرهما المستشرق الدكتور ارثر جفري- ووقف على تصحيح الطبعة الثانية: عبد الله إسماعيل الصاوي- مكتبة الناجي بالقاهرة، وانظر: معجم القراات القرانية ص ٣٨.
[ ٤٢١ ]
بتعليم النبي ﷺ «١» وقال مكي- رحمه الله تعالى-: «ترتيب الايات في السور بأمر من النبي ﷺ ولما لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة» «٢»، وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: «ترتيب الايات أمر واجب، وحكم لازم فقد كان جبريل ﵇ يقول ضعوا اية كذا في موضع كذا» «٣» .
ومن ذلك قول النبي ﷺ: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الاية هذا الموضع من هذه السورة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى إلى اخرها «٤»، وعن ابن الزبير ﵄ قال: قلت لعثمان وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا قد نسختها الاية الاخرى فلم تكتبها أو تدعها قال يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه «٥»، وعن عمر ﵁ قال: ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: تكفيك اية الصيف التي في اخر سورة النساء «٦»، وما تقدم في حفظ عشر ايات من سورة الكهف أولا أو اخرا، ومن ذلك النصوص الدالة على ذلك إجمالا ما ثبت من قراءته لسور عديدة وتحيد الصحابة لها بعدد الايات، ومن أشهر ما يدل على ذلك نزول القران خمسا خمسا، «وتدل قراءته لها بمشهد من الصحابة أن ترتيب اياتها توقيفي وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبي ﷺ يقرأ على خلافه فبلغ ذلك مبلغ التواتر» «٧» .
_________________
(١) الإتقان (١/ ١٦٧) .
(٢) الإتقان (١/ ١٦٨) .
(٣) بواسطة الإتقان (١/ ١٦٨) .
(٤) أحمد (٤/ ٢١٨)، مرجع سابق، وحسّن إسناده الهيثمي في المجمع (٧/ ٤٩)، والسيوطي في الإتقان (١/ ١٦٨)، مرجعان سابقان.
(٥) البخاري (٤/ ١٦٤٦)، مرجع سابق.
(٦) مسلم (١/ ٣٩٦)، ابن حبان (٥/ ٤٤٤)، مرجعان سابقان.
(٧) الإتقان (١/ ١٦٩)، مرجع سابق.
[ ٤٢٢ ]
ملحظ منهجي:
وها هنا ملحظ ضروري أن الباحث اضطر إلى ذكر ذلك اضطرارا تبعا لبعض العلماء الذين يذكرونها، ولكن الظاهر أن منهج قراءة القران الكريم ليس بحاجة إلى الاستدلال بهذه النصوص المتوافرة؛ وإن كان يستأنس بها؛ فالدليل الكلي لإثبات هذه حقيقة التوقيفية النبوية التعليمية لترتيب ايات القران الكريم والتلقي أمما عن أمم، وشعوبا عن شعوب وهو ما يسمى بالتواتر القراني، وحال تثبيت هذا الاحتياج لهذه الأدلة فإنا سنحتاج إلى أن نثبت بالمنهج الحديثي أن ايات سورة البقرة هي الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ (البقرة: ١- ٢٨٦) وذلك ما لا يقوله أحد، وذلك ما أكده الباقلاني في الانتصار حيث قال: «الذي نذهب إليه أن جميع القران الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه، وإن الأمة ضبطت عن النبي ﷺ ترتيب اي كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها كما ضبطت عنه نفس القراات وذات التلاوة» «١» .
ثانيا: تعليمه ﷺ ترتيب سور القران:
الصحيح أن النبي ﷺ هو الذي علم الصحابة ﵃ ترتيبها:
خلافا لما ذهب إليه بعض أهل العلم «٢» من أن ترتيب السور اجتهادي، ويدل على ذلك:
١- النزول الجملي للقران الكريم إلى السماء الدنيا يقتضي ترتيب سوره:
فقد ذكر «أبو بكر الأنباري في كتاب الرد: أن الله تعالى أنزل القران جملة إلى سماء
_________________
(١) انظر: الإتقان (١/ ١٦٩)، فتح الباري (٩/ ٤٠) .
(٢) انظر: الإتقان (١/ ١٧٠)، مرجع سابق.
[ ٤٢٣ ]
الدنيا ثم فرق على النبي ﷺ في عشرين سنة وكانت السورة تنزل في أمر يحدث والاية جوابا لمستخبر يسأل، ويوقف جبريل رسول الله ﷺ على موضع السورة والاية، فاتساق السور كاتساق الايات والحروف فكله عن محمد خاتم النبيين ﵇ عن رب العالمين فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة فهو كمن أفسد نظم الايات وغير الحروف والكلمات» «١»، وقال الكرماني: «ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب وعليه كان يعرض على جبريل ﵇ كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتين» «٢»، وفي ذلك قيل:
وليس ترتيب النزول كالأدا فهو وفي الأدا الترتيب بالوحي اقتدى
كما هو عليه مستطر وذاك في في لوحه المحفوظ نعم المستطر
السور في القول الأحق والحق في الاي عليه متفق «٣»
٢- قال الله ﷻ: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
(القيامة: ١٧) فهذه «الاية تبين ضرورة أن جميع القران كما هو من ترتيب حروفه وكلماته وآياته وسوره حتى جمع كما هو فإنه من فعل الله ﷿ وتوليه جمعه أوحى به إلى نبيه ﵇ وبينه ﵇ للناس» «٤» .
٣- الأحاديث التي تدل على الترتيب نحو:
ما جاء عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أخذ السّبع الأول، (وفي لفظ الطول) من القران فهو حبر» «٥» ..
وهذا حديث دال أصرح الدلالة على أن ترتيب سور القران توقيفي محض.
_________________
(١) الإتقان (١/ ١٧١)، مرجع سابق.
(٢) البرهان في متشابه القران ص ١١٥ للكرماني.
(٣) تاريخ القران وغرائب رسمه وحكمه ص ٧٥.
(٤) الأحكام لابن حزم (٤/ ٥٥١) .
(٥) أحمد (٦/ ٧٢)، مرجع سابق، وكذلك رواه البيهقي في السنن الصغرى (١/ ٥٥٠)، مرجع سابق.
[ ٤٢٤ ]
٤- ضرورة المناسبة في الترتيب القائم:
فلا يظهر أن اجتهاد الأصحاب ﵃ قد فكّ هذه المناسبة؛ إذ المتبادر حال الاجتهاد أن يكون مقياسه وضع المدني بجوار المدني وليس الواقع كذلك، أو وضع السور بحسب ترتيب النزول، وليس الواقع كذلك أيضا، أو وضع السور بحسب الأحكام الفقهية أو القصص القراني المتشاكل وليس كذلك أيضا، أو وضع السور بحسب الطول والقصر في أرقام الايات أو في مقدارها وليس كذلك فإن فهذا ما يمكن خطوره على الاجتهاد البشري فلم يبق إلا المناسبة الملتمسة من هذا التشاكل غير الظاهر للبشر إلا بتأمل دقيق، وقد دون كبار العلماء الدواوين للمناسبة واعتبروها من وجوه الإعجاز القراني.
٥- لا حجة في اختلاف مصاحف الصحابة في ترتيب السور:
لأنه- حال وجود هذه المصاحف- قريب من اختلافهم في العدد أو القراات من حيث هو اختلاف قد سوغه عدم اكتمال القران إلا بوفاة النبي ﷺ بل عدم اكتمال السورة إلا بعد طول مدة أحيانا على ما هو معلوم ضرورة، ولم يلزم الناس القراءة يومئذ بتوالي السور، وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أو كتبها ثم خرج في سرية فنزلت سورة أخرى فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته، ويتابع ما فاته على حسب ما تسهل له أكثره أو قله، فمن ثم يقع فيما يكتبه تأخير المقدم وتقديم المؤخر «١»، ثم للشك في ترتيب المنقول عن هذه المصاحف.
وبعد سوق ما يظهر من الأدلة ومعرفة دلائلها فما زال المرء حائرا في كيفية قبول الرأي القائل بأن التأليف لسور القران كان اجتهادا: إذ كيف يعقل ذلك مع
_________________
(١) تاريخ اداب العرب ص ٤١، مرجع سابق.
[ ٤٢٥ ]
أن النبي ﷺ قسم المصاحف إلى سبعة أقسام متساوية تقريبا بحيث يحوي كل قسم سورا معينة ثم يقال بأن هذا الترتيب حادث بعده ﷺ فعن أوس بن حذيفة ﵁ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ وفد ثقيف قال فأنزلنا في قبة له، ونزل إخواننا الأحلاف على مغيرة بن شعبة- قال- كان رسول الله ﷺ يأتينا بعد العشاء فيحدثنا وكان أكثر حديثه يشكي قريشا ويقول: «ولا سواء كنا بمكة إلا مستضعفين مستذلين فلما أتينا المدينة كانت الحرب سجالا علينا ولنا» قال:
فأبطأ علينا ذات ليلة فأطول فقلنا: يا رسول الله! أبطأت علينا فقال: «إنه طرأ علي حزب من القران فكرهت أن أخرج حتى أقضيه» فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ كيف كان رسول الله ﷺ يحزّب القران فقالوا: كان يحزبه ثلاثا وخمسا وسبعا وتسعا وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل «١»، وذلك لا يمكن أن يكون بالتعادل إلا أن يكون على وفق التأليف الحالي للمصحف، «فعلم من هذا أن في عصر الصحابة كان ترتيب القران مشهورا على هذا النمط المعروف الان» «٢»، وقال ابن حجر: «فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الان كان في عهد النبي ﷺ» «٣»، وسئل ربيعة: لم قدمت البقرة وال عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة وإنما نزلتا بالمدينة؟ فقال ربيعة: قد قدمتا وألف القران على علم ممن ألفه وقد اجتمعوا على هذا بذلك فهذا مما ننتهي إليه ولا نسأل عنه، وقال مالك: إنما ألف القران على ما كانوا يسمعونه من رسول الله ﷺ» «٤» .
_________________
(١) ابن أبي شيبة (٢/ ٢٤٢)، وقال العراقي في المغني (٢/ ٢٧٦)، مرجع سابق: «وإسناده حسن» .
(٢) عون المعبود (٤/ ١٩٠)، مرجع سابق.
(٣) فتح الباري (٩/ ٤٣)، مرجع سابق.
(٤) القرطبي (١/ ٦٠)، مرجع سابق.
[ ٤٢٦ ]
وأما ما رواه حذيفة ﵁ في تقديم النساء على ال عمران في صلاة الليل فأي حجة فيه، وترتيب السور في التلاوة غير ملتزم لأنه لا يفسد نظم القران كما سبق، على أن هذه الرواية قد ورد ما يخالفها فقد قال حذيفة ﵁ فيما رواه أبو داود: فقرأ فيهن البقرة وال عمران والنساء والمائدة أو الأنعام «١» .
وقال ابن حزم تأكيدا على ذلك: «ما رويناه بالأسانيد الصحيحة أنه ﷺ كان لا يعرف فصل سورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم وأنه ﷺ كانت تنزل عليه الاية فيرتبها في مكانها فصح بهذا أن رتبة الاي ورتبة السور مأخوذة عن الله ﷿ إلى جبريل ثم إلى النبي ﷺ لا كما يظنه أهل الجهل أنه ألف بعد موت النبي ﷺ ولو كان ذلك ما كان القران منقولا نقل الكافة، ولا خلاف بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس أنه منقول عن محمد ﷺ نقل التواتر، ويبين هذا أيضا ما صح أنه ﷺ كان يعرض القران كل ليلة في رمضان على جبريل فصح بهذا أنه كان مؤلفا كما هو عهد الرسول ﷺ وقوله ﷺ:
«تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي»، وأمر ﷺ عبد الله بن عمرو بقراءة القران في أيام لا تكون أقل من ثلاث فكيف يقرأ ويجمع وهو غير مؤلف؟
هذا محال لا يمكن البتة» «٢» .