أمَّا المقدِّمة، ففي تحقيق لفظ عاتكة واشتقاقه ومعناه:
قال أئمة اللُّغة: العَتْك بالفتح فسكون: الكرُّ والحملُ الشديد في القتال، والإِقدام على الشيء، والعصيانُ، والغلبةُ، والاشتدادُ، واليُبسُ، والميلُ، والترؤسُ، والاستقامةُ، والكرمُ، والخلوصُ، واللّجاج، كالعُتوك بالضم.
قال الأصمعي (١): في القتال كرٌّ.
وقال ابن دريد (٢): عَتَكَ عليه: أرهقه.
_________________
(١) الأصمعي: عبد الملك بن قريب بن علي الباهلي "أبو سعيد الأصمعي"، راوية العرب واحد أئمة العلم باللُّغة والشعر والبلدان. وُلِد وتوفي بالبصرة، كان يحفظ أكثر من عشرة آلاف أرجوزة. له: "الإِبل"، و"الأضداد"، و"المترادف"، و"الخيل"، وغيرها. توفي سنة ٢١٦ هـ. انظر: "بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة" (٢/ ١١٢)، ومصادر ترجمته في "الأعلام" للزركلي (٤/ ٣٠٧).
(٢) ابن دريد: محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، من أزد عمان، أبو بكر، من أئمة اللغة والأدب. كانوا يقولون: إن ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء. له: "الاشتقاق في الإنساب"، و"الجمهرة في اللغة"، و"ذخائر الحكمة"، و"أدب الكاتب"، وغيرها. توفي سنة ٣٢١ هـ. انظر: "بغية الوعاة" (١/ ٧٦)، ومصادر ترجمته في: "الأعلام"، للزركلي (٦/ ٣١٠).
[ ١٦ ]
وقال الحِرمَازِيُّ (١): عَتَكَ إلى موضع كذا: مَالَ وعَدلَ.
وقال ابن الأعرابي (٢): عَتَكَت المرأةُ على زَوجِها: نَشزَتْ، وعلى أَبيها: عَصَتْ.
وقال ابن دريد: عَتكَتْ القوسُ: قَلُمت فاحمارَّ عودها.
وقال أبو زيد (٣): العاتِك من اللَّبن: الحازر (٤).
_________________
(١) الحِرمَازيُّ: هو الحسن بن علي الحرمازي، أبو علي، مولى لبني هاشم. نزل البصرة في بني حرماز فنسب إليهم، وكان شاعرًا راوية. وله من الكتب: كتاب "خلق الإِنسان". ولم يذكروا له وفاة. انظر: "بغية الوعاة" (١/ ٥١٥)، ومصادر ترجمته في: "معجم الأدباء"، لياقوت (٢/ ٩٣١). * قلت: ومن عجيب ما وقع لي وأنا أبحث في ترجمته، ما ذكره ابن منظور في "مختصر تاريخ دمشق"، حيث ذكر: زياد بن أسامة الحِرمَازِي البصري (٩/ ٦٤)، ويعني به زياد بن أبيه أو زياد بن عبيد (سميِّه)، وهو الذي ألحقه معاوية ﵁ بنسبه لما ثبت ذلك، ولم ينسبه أحد من المترجمين إلى الحِرمَازِي غير ابن منظور!
(٢) ابن الأعرابي: محمد بن زياد، أبو عبد الله. راوية ناسب، علَّامة باللغة، من أهل الكوفة. قال ثعلب: لزمته بضع عشرة سنة، ما رأيت بيده كتابًا قط. له: "أسماء الخيل وفرسانها"، و"تاريخ القبائل"، و"النوادر في الأدب"، وغيرها. توفي سنة ٢٣١ هـ. انظر: "بغية الوعاة" (١/ ١٠٥)، و"الأعلام"، للزركلي (٦/ ٣٦٦).
(٣) أبو زيد: سعيد بن أوس الأنصاري، من صليبة الخزرج. عالم بالنحو. قال المبرِّد: أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو. ترك مصنفات كثيرة، منها: "النوادر"، و"إيمان عثمان"، و"المطر والمياه"، و"غريب الأسماء"، وغيرها. توفي سنة ٢١٥ هـ. انظر: "الفهرست" ٨٦، و"هدية العارفين" (٥/ ٣٨٧).
(٤) قلت: لا زال أهل الخليج يستعملونه، يقولون: (لبن حَزِر).
[ ١٧ ]
وقال ابن دريد: نبيذ عاتك: إذا صفا.
وقال ابن عباد (١): عَتكَت المرأة: شرفت ورأست. وقال: وأعتك بُنيَته: استقام لوجهِهِ. والعاتِكُ: الكريم من كل شيء، والخالص من كل لون.
وقال ابن الأعرابي: هو اللَّجُوج الذي لا ينثني عن الأمر.
وقال أبو مالك (٢): هو الراجع من حال إلى حال.
وهذا خلاصة ما ذُكر في العتك، وما عداه من المعاني يرجع إليه.
_________________
(١) ابن عباد: إسماعيل بن عباد بن العباس، الصاحب ابن عباد، استوزره مؤيد الدولة ابن بويه الديلمي. وُلِد في الطالقان وتوفي بالري. له: "المحيط في اللغة"، و"الوزراء"، و"عنوان المعارف"، و"ذكر الخلائف"، وغيرها. توفي سنة ٣٨٥ هـ. انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٥٢٧)، ومصادر ترجمته في "الأعلام"، للزركلي (١/ ٣١٢).
(٢) أبو مالك: هو عمرو بن كركرة، أعرابي كان يعلِّم في البادية ويورّق في الحاضرة، مولى بني سعد، راوية أبي البيداء، يقال: كان يحفظ اللغة كلها. قال الجاحظ: أحد الطيَّاب، يزعم أن الأغنياء عند الله ﷿ أكرم من الفقراء، ويقول: إن فرعون عند الله أكرم من موسى!! * قلت: إن يكن هو، وإن يكن النقل عنه صحيح؛ فما هو بخليق للنقل عنه، وما ذُكر عنه كفر وتكذيب للقرآن!. له من الكتب: كتاب "خلق الإِنسان"، وكتاب "الخيل". انظر: "الفهرست" لابن النديم ٦٩، و"هدية العارفين" (٥/ ٨٠٢)، و"بغية الوعاة" (٢/ ٢٣٣)، ولم يذكروا له وفاة.
[ ١٨ ]
والعاتكة من النخيل: التي لا تقبل الإِبار. عن اللَّحياني (١)
وقال غيره: هي الصّلود تحمل الشيص (٢).
* * *
واختلف في اشتقاق العاتكة من النساء على أقوال:
قيل: سُمِّيت به؛ من قولهم: امرأة عاتكة، بها رِدْعُ طِيب.
قال السُّهَيْلي (٣) في "الروض": عاتكة: اسم منقول من الصفات، يقال: امرأة عاتكة، وهي المصفرَّة من الزعفران.
وفي "القاموس": هي المحمرَّةُ من الطيبِ، أي: احْمَرَّ لونُها من كثرةِ استعمالِ الطيبِ.
_________________
(١) اللحياني: هو علي بن الحسين، وقيل: ابن المبارك الختلي، أبو الحسن البغدادي، المعروف باللحياني، من بني لحيان، غلام الكسائي. توفي في حدود ٢١٠ هـ. له: كتاب "النوادر المشهورة"، ذكره في "كشف الظنون" (٥/ ٦٦٨). انظر مصادر ترجمته في: "الفهرست" (٧٦)، و"معجم المؤلفين" (٢/ ٤٩٠).
(٢) "الصلود": بمعنى الصلبة، و"الشيص": البلح الذي لا يؤكل لجفافه ويبسه، ولا زالت تُستعمل في وقتنا الحاضر.
(٣) السُّهيلي: عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السُّهيلي، حافظ عالم باللغة والسير. وُلِد في مالقة، وعمي وعمره ١٧ سنة. ومن لطيف شعره: يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقع له: "الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام"، و"التعريف والإِعلام فيما أبهم من القرآن من الأسماء والأعلام"، وغيرها. وتُوُفي سنة ٥٨١ هـ. انظر مصادر ترجمته في: "الأعلام" للزركلي (٤/ ٨٦)، و"شذرات الذهب" (٦/ ٤٤٥).
[ ١٩ ]
ويؤيده قول ابن قتيبة (١): هي من عتكت القوس إذا احمرَّت.
وهذه الأقوال كلها راجعة إلى قول واحد، وهو: تغيير لونها من استعمال الطيب، سواء بصُفرة -كما قال السُّهيلي-، أو بحُمرة -كما قاله ابن قتيبة-، ولا تخالف فيها عند التأمُّل.
وقال ابن عباد في "المحيط": هو من عتكت المرأة؛ إذا شرفت ورأست، أي: على قومها وعشيرتها؛ فتسمَّوا بهذا الاسم تفاؤلًا على عادتهم.
وقيل: سُمِّيَت لصفائها، من قولهم: نبيذ عاتك؛ إذا صفا: وهو قول ابن دريد.
وقال ابن سعد (٢) في "الطبقات" (٣): العاتكة: الطاهرة، أي في
_________________
(١) ابن قتيبة: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري "أبو حميد"، من أئمة الأدب ومن المصنفين المكثرين. وُلِد في بغداد، وسكن الكوفة، ولي قضاء الدينور ونسب إليها. توفي في بغداد. له: "تأويل مختلف الحديث"، و"أدب الكاتب"، و"عيون الأخبار"، و"الشعر والشعراء"، و"المشتبه في الحديث والقرآن"، وغيرها. توفي سنة ٢٧٦ هـ. انظر مصادر ترجمته في: "الأعلام" للزركلي (٤/ ٢٨٠)، و"سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٥٦٥).
(٢) ابن سعد: محمد بن سعد الزهري، أبو عبد الله. مؤرِّخ فقيه، من حفَّاظ الحديث. وُلِد في البصرة وسكن بغداد، وتوفي فيها. صحب الواقدي زمانًا فكتب له وروى عنه. له: "طبقات الصحابة" المعروف بـ "طبقات ابن سعد". توفي سنة ٢٣٠ هـ. انظر: "كشف الظنون" (٥/ ٤٤٥)، ومصادر ترجمته في "الأعلام" للزركلي (٦/ ٧).
(٣) طبقات ابن سعد (١/ ٦٠).
[ ٢٠ ]
نسبها وحسبها. وكانت خديجة أم المؤمنين ﵂ تُكْنَى في الجاهلية بالطَّاهرة؛ نظرًا لذلك.
وقيل: من عتكت على بعلها؛ إذا نشزت. وهذا قول ابن الأعرابي، وفيه بُعْد.
وأبعد من ذلك قول من قال: إنها من عتكت النخلة؛ إذا لم تقبل الإِبار.
فهذا مجموع ما يتعلَّق بتحقيق اللَّفظ.
[ ٢١ ]